لم تكن يومًا خـ,,ــطيئتي بقلم سهام صادق ج١
الفصل الخامس (5)
لم تكن خطيئتي.
وسرعان ما كانت تتوقف عيناه نحو تلك المرتجفة أمامه
– أنت بتعمل إيه ؟ أنت مش هتبطل أفعالك ديه
– كنت لازم افهم من الاول ان رجالتي الخونه اتباعك ياشهاب باشا… ياكبير عيلة العزيزي
– نقول تاني.. رجوع اخته قصاد اختي
– انت اتجننت… اختك خلاص بقت ست متجوزه
اشتعلت عيناه غضباً
– اتجوزته من ورايا… وانا محدش يعصي أمري
– احب افكرك ان اخويا عايش ووافق يجوزهاله… عاصم بلاش الماضي يخليك تهدم حياه ناس تانيه
كانت واقفه بينهم ترتعش تتمنى ان تغمض عيناها لتجد كل ما مرت به اليوم مجرد كابوساً لا أكثر… اتجهت نحو الحائط تسند جسدها عليه تبكي بقهر على حالها… لقد تركها عمر لهؤلاء الناس وهانت عليه
أظلمت عيني عاصم وهو يتذكر الماضي الذي لا يعرفه الا اثنان ومنهم ذلك الطبيب … خطيئه لم تُغفر ولم ينساها يوماً بل حفرت داخله
انسحب عاصم دون كلمه فالمشهد عاد أمامه وهو يرى زوجته بأحضان ذلك الطبيب الذي لم يكن الا رفيق “عمر”
التقط أنفاسه وكأنه كان في صراعاً.. مازالت آهاتها تصم اذنيه رغم السنين وموتهم
نيران التهمت احشائه ليُسرع نحو سيارته مغادراً المكان تحت انظار رجاله
****
اشاح عيناه بعيداً عن حرمة جسدها يخلع سترته عنه ليُعطيها إليها
التقطت سترته بضعف ترتديها حتى تخفي ذلك التمزق.. ضمت الستره نحو جسدها تستمد منها الدفئ بعد مامرت به
رمقها خلسه يشير إليها ان تتقدم أمامه.. سارت ببطئ تبكي وصوت آنينها يخترق أذنيه
تنهد شهاب بسأم بعدما خرجوا من فيلا المزرعه الخاصه بالعائلة
– تعالي اركبي متخافيش
تعلقت عيناه بها وهي تنظر اليه… لم يرى الا نظرات الخوف والهلع
– متخافيش صدقيني هوصلك لبيتك
اطمئنت له ولم تعرف لما.. صعدت السياره بضعف.. لتجده يصعد جانب سائقه يأمره بالانطلاق… مرت ساعه وأكثر إلى أن وصلوا أمام البنايه التي تعيش بها
– بعتذر منك على اللي عمله عاصم… اتمنى تقبلي اعتذاري
لم تتحدث بكلمه فكل ما كانت تشعر به هو الضياع… تتمنى ان تركض لغرفتها تحتمي بها…
ترجلت من السياره دون التفاف مره اخرى نحو السياره ونظرات شهاب عالقه بها يزفر أنفاسه بقله حيله من تهور عاصم الذي كان سيضع نقطه لن تغتفر بحياته
– اتحرك ياسعيد… شكل اليوم ده مش راضي يخلص
انطلق سائقه دون كلمه أخرى يتمني هو أيضاً ان ينتهي هذا اليوم على خير.
***
ارتمت فوق فراشها تبكي بحرقه تهمس بأسم اخر شخص ارادت ان تتذكره
” كريم”..
اتي الصباح وشهاب جالساً في مكتبه ينتظر عودة عاصم خائفاً عليه… يشعر وكأنه يدور بساقية لا يعرف لها نهايه
تحمل عبئ لم يكن يتمناه كل ماكان يتمناه ان يُصبح فخر لعائلته ورجلاً ناجحاً يُشير الناس نحوه.. حقق امنيته بجداره ولكنه دفع المقابل من سنوات عمره التي ضاعت وهو يعلو بأسمه دون راحه
انتبه علي صوت سياره عاصم… ليخرج من مكتبه متجهاً اليه بلهفه
رمقه عاصم مُتجاهلا له صاعداً لأعلى
– انا راجع على سوهاج… بس مش هسيب اختي ف ايد الدكتور وهجيبها ومش معنى انك خفيت سافر فين اني هسكت.. مبقاش عاصم العزيزي لو معرفتش ياحضرت النائب
اكمل صعوده بعدما القى على مسمعه ما ينتويه… تنهد بيأس فعاصم وكأنه بحربً يُريد ان يخرج منها منتصراً
اتبعه يصعد الدرج بخطوات سريعه هاتفاً
– عمر ميعرفش حاجه عن علاقه خديجه ب هاني… بلاش الأوهام اللي في راسك… بلاش نفتح الدفاتر القديمه ونكشف المستور
– انا متفرقش معايا الفضيحه… لكن خاف على نفسك منها مش بنت اخوك برضوه
– انت ايه يااخي اللامُبالاه اللي فيها … انت من ساعه اللي حصل وشايفنا كلنا اعداءك وصوتك من راسك… عاصم ارجع زي زمان بلاش القسوه اللي بقت مغلفه قلبك
زمجر بوحشيه وقد سيطر عليه الماضي مجدداً
– البركه ف بنت اخوك اللي ربتها ياسيادة النائب
اطرق شهاب رأسه ارضاً… كلما حاول تجاوز الماضي عاد عاصم يفتح اقفاله من جديد
– خديجه كانت صغيره واضحك عليها
– اضحك عليها ولا انت اللي فشلت ف تربيتك
واردف بقسوة وكأنه يُعاقبه
– اخ جري على أمريكا عشان يشوف مستقبله وعم كل اللي همه نجاحه ويوصل لاهدافه.. ده انت حتى فشلت ف جوازك
ارتفع كف شهاب نحوه يصك فوق أسنانه
– لو كنت حبتها بجد وعوضتها مكنش ده حصل
– بنت اخوك كانت خاينه… خاينه… خانتني مع الدكتور… كانت في حضنه اقتلتهم ولو رجع الزمن بيا تاني هموتهم ميت مره
ارتجف جسد شهاب بعدما غادر ليسقط فوق الفراش واضعاً وجهه بين كفيه لا يعرف على ماذا يندم على تربيه ابنه شقيقه الراحل ولم يُقصر بأعطاءها حبه ودلاله ام علي زواجه ام علي ضغطه على جرح عاصم وزواج لبنى من عمر وهو يعلم ان عاصم يكره عمر بشده لظنه انه كان يعلم بالحقيقه
******
تعلقت عيناها بالستره التي تُذكرها بصحابها… رائحة عطره مازالت عالقه بأنفها وتفاصيل تلك الليله لم تُغادر أحلامها
اغلقت خزانة ملابسها لتُغادر بعدها لعملها الذي أصبح ملاذ وحدتها رغم ما تجده به… انتهى دوام العمل لتنظر للمستندات المطلوب منها تدوينها على احد برامج الحاسوب… غادر جميع الموظفون حتى هناء زميلتها قد غادرت.. لتزفر أنفاسها براحه وهي تطبع المستندات
– عم عبده اوعي تمشي وتسبني استناني
كانت المره العاشره التي تهتف بها قدر لساعي الشركه مطمئنه لوجوده معها
– حاضر يااستاذه.. هنزل بس اجيب حاجه من عربيه البشمهندس وراجع تاني
اماءت له برأسها تنظر حولها.. ف الشركه فارغه تماماً.. عادت تنجز الجزء المتبقي منها ، فمجرد طباعه ورق لا اكثر وستنصرف على الفور
– قدر
انتفضت مفزوعه من سماع صوت السيد فهمي وهو يقف قبالتها
– بقالي ساعه بنادي عليكي
– اسفه يابشمهندس مأخدتش بالي
– هاتي اللي طبعتيه وتعالى ورايا على المكتب
أسرعت في جمع الأوراق مُتجها لمكتبه.. تتمنى ان ينتهي هذا اليوم الثقيل على قلبها
دلفت غرفه مكتبه تبحث عنه بعينيها.. تقدمت خطوتان للداخل مُتعجبه من عدم وجوده تهتف بأسمه
– بشمهندس فهمي
******
كمم فمها بكفه ويده الأخرى اخذت تعبث بأطراف ثوبها ينفخ أنفاسه الحاره فوق وجهها
– مش عارف جوزك كان معمي لما طلقك
حاولت تخليص نفسها من آسره بكل قوتها والخوف يدب بقلبها
– وتفتكري لو سيبتك وصرختي مين الخسران فينا
تسارعت أنفاسها تتلوي تحت ذراعيه… تُحاول مراراً إخراج صوتها
– اه يابنت العضاضه
التهمت كفه بعدما دفعته بعيداً عنها
– ابعد عني ياعم عبده الحقني
صرخت بعلو صوتها فدفعها بقوه نحو الجدار يُكمم فمها مُجدداً يُطالعها بوعيد
– عمك عبده مش هيطلع غير لما يلاقي اللي طلبته منه..
واردف وهو يضحك بشر
– ده لو لقيه
ابتلعت لعابها بخوف تتمايل بجسدها لعلها تتخلص من ذراعيه… رفسته بساقها ولكنه تفادي فعلتها بمهاره يرمقها ساخراً
– لا طلعتي شرسه
– امممم
صوت آنينها خرج بصعوبه تكاد أنفاسها تُزهق تحت كفه
– عارفه لولا أن متوصي عليكي اخوفك بس… لكنت
عض شفتيه بخبث يلتهمها بعينيه… دفعته عنها بكل قوتها مجدداً ولكن كالعاده باتت محاولتها بالفشل… قوة جسده كانت فائقة عنها… هبطت دموعها تفقد قوة جسدها من كثرة ما اصبحت تعيشه حتي رفع فهمي هاتفه يضغط عليه منتظراً اجابه من يُهاتفه
الجمتها الصدمه وهي تستمع للطرف الآخر.. فقد نفذ وعيده وهي التي ظنت ان الامر قد انتهى ليلتها
– ها يااخت الدكتور.. هتكلمي اخوكي تحكيله على اللي بيحصل معاكي عشان ينزل ينجدك وتوصليله الرساله ولا نعمل فيديو حصري ليكي والبشمهندس هيقوم بالواجب
سقطت دموعها بعجز وفهمي يرمقها بنظرات تعرفها
– كفايه عليها كده يابشمهندس… الرساله اكيد وصلت ومدام قدر بتفهم كويس
– اللي تأمر بي ياعاصم بيه
ابتعد عنها فهمي يُحررها.. ركضت بكل سرعتها خارج الغرفه تلتقط حقيبتها
– يااستاذه قدر… مالك بتجري كده ليه
والحقيقه كانت واضحه امام عبده وهو يرى السيد فهمي يعدل من هندام قميصه
– الخبر ده بكره يتذاع في الشركه.. لا الا تعتبر نفسك بره الشركه فاهم
******
جثت فوق ركبتيها أمام فراشه تتذكر حديث تلك السيده الطيبه التي تُدعي رسمية
” الحج ابراهيم في آخر أيامه يابنتي… ده بيحبك اوي بس كان مغلوب على أمره… اهل الست هدى الله يرحمها هددوه انهم يخدوا اخواتك ويحرموه منهم… الست هدى كانت طيبه اوي مكنتش تستحق منه انه يتجوز عليها… سامحيني يابنتي انتي كنتي ضحيه لكن خلاص معدش في وقت للحساب ”
– متسبنيش تاني
سقطت دموعها وهي تلتقط كفه ليفتح عيناه يُطالعها بحب
– عهد
– انا بحبك اوي يابابا
تحررت دموعه من مقلتيه بحسره يجذبها لاحضانه
– انا كنت اناني يابنتي وظلمتك بس كان غصب عني وانتي اللي دفعتي التمن
– انا مسمحاك يابابا بس خليك جانبي
هتفت بها وقلبها يؤلمها عاجزاً عن التفكير من فكرة فقده… ستفقد اخر فرد تبقى لها..
اغمض ابراهيم عيناه بندم يتمنى لو يعود الزمن للوراء ماكان فعل فعلته الشنعاء وتزوج على زوجته وابنه عمه الراحله ولم يظلم ابنته التي كانت الضحيه من هذه الزيجه
******
طالعت هناء انهيارها بملامح حزينه نادمه انها أتت إليها واخبرتها بما يتحدثون عنها بالشركه
– اهدي ياقدر
ضمتها اليها بقوه بعدما زاد نحيبها
– ليه بيحصل فيا كده ياهناء.. انا طول عمري ف حالي.. انا عمري ما اذيت حد
ارتجف جسدها كلما تذكرت اقتراب فهمي منها وتهديد شقيق لبنى… أخيها تركها تواجه بطش ذلك القاسي
– هو السبب منه لله
– قدر الموضوع في حاجه غلط… احكيلي ياقدر يمكن نلاقي حل
تعلقت نظراتها بعيني هناء التي اخذت تومئ لها برأسها حتى تتكلم
– انا هحكيلك ياهناء يمكن فعلا نلاقي حل
وانهمرت دموعها فوق خديها كلما تذكرت بشاعة الحديث الذي اشاعه فهمي بحقها
لطمت هناء صدرها بعدما استمعت بتركيز لكل كلمه غير مصدقه ان هناك شقيق يقف بوجه سعاده شقيقته ويفعل ذلك من أجل تطليق شقيقته
– ده انتي وقعتي قدام واحد مجنون… في حد يعمل كده هي البلد مافيهاش قانون
– انا مش عارفه اعمل ايه ياهناء.. انا خلاص قررت هفضل قاعده في البيت ومش هخرج تاني
انتفضت هناء من فوق مقعدها غاضبه
– اتصلي بأخوكي احكيله… مش ده اخو مراته يتصرف بقى… مش هتفضلي مخبيه عليه كل حاجه… بقالك تلت شهور مطلقه وهو ميعرفش اللي حصلك ومبسوط بره بحياته
اغمضت عيناها بقوه تُغالب دموعها التي عرفت طريقها فوق خديها
– لبنى حامل يا هناء.. حرام اضيع فرحته
– أنتي يابنتي مبتفكريش ابداً في نفسك… هتفضلي لحد امتى عبيطه وخيبه… مش كفايه اللي اتعمل فيكي من جوزك وأمه
انتبهت هناء لما تقوله دون وعي… فشحوب وجه قدر كان خير دليل على أن حديثها انغرز بقسوه بصميم قلبها
– انا اسفه ياقدر مكنتش اقصد ازودها عليكي
– أنتي عندك حق ياهناء… بس ده اخويا مش عايزه اهدم بيته.. اقوله ايه انا قصاد مراتك وابنك اللي مستنيه
تمتمت بكلماتها وهي تنهار فوق الاريكه بعدما ثقل جسدها مثلما أثقلت الهموم روحها
لمعت عيني هناء وهي تتذكر بعض التفاصيل التي قصتها عليها
– أنتي مش قولتي ان عمه راجل محترم وهو اللي خلصك منه لما خطفك
طالعتها قدر بتوتر لتتعلق نظرات هناء بها بدعم
– متخافيش هيساعدك اسمعي كلامي… ده راجل عضو مجلس شعب ورئيس حزب ليه تقله في البلد غير البزنس يعني سمعته اهم حاجه عنده… الناس ديه مبتحبش الفضايح ممكن يعملوا اي حاجه عشان اسمهم ميتهزش
– وفي الأول والآخر انتوا نسايب ياقدر
*****
وقفت أمام مقر الشركه التابعه له تتأمل هيئتها الخارجيه..تعلقت عيناها بواجهة الشركه تعزم أمرها ان ما تفعله هو الصحيح
دلفت من بوابة الشركه بخطوات متردده تُطالع ما حولها بتوتر ..فركت يديها بخجل وهي تقترب من إحدى موظفات الاستقبال تسألها
– مكتب استاذ شهاب العزيزي انهي دور لو سامحتي
– عايزه مكتب شهاب بيه مره واحده
هتفت بها الواقفة مستنكره ترمقها بنظرات فاحصة.. طالعت قدر نظراتها لهيئتها لتفهم نظراتها
– لو سامحتي هتفضلي بصالي كده كتير
– عندك ميعاد مع حضرته
– لاا بس
– يبقى خلاص يافندم.. اتفضلي عشان اشوف شغلي
قاطعتها بغلاظة مشيرة إليها بالانصراف… تنهدت قدر بضيق تلوم نفسها انها استمعت لنصيحة هناء وأتت
وقفت للحظات تنظر للموظفه لعلها تُخبرها كيف تستطيع مُقابلته
التفت بجسدها حتى تغادر فوقعت عيناها نحو الذي يُغادر المصعد للتو وبجانبه احد الموظفين يُحادثه… أسرعت بخطواتها اليه
– شهاب بيه
قطب شهاب حاجبيه مندهشاً من رؤيتها.. نظراتها المستنجده به جعلته يعلم أن الأمر لابد أن يخص عاصم
******
تعلقت عيناه بتفاصيلها وهو منصت إليها.. نفض رأسه من تفحصه لها وكأنه اليوم احب اكتشاف ملامحها
قبض فوق كفه بقوه وهو يرى ارتجاف جسدها مما فعله معها عاصم وذلك المدير.. ليغمض عيناه بغضب لاعناً ابن شقيقه داخله
– ارجوك ياشهاب بيه خليه يبعد عن طريقي…كفايه خسرني شغلي وبسببه طلعوا عليا سمعه وحشه في الشركه
وسقطت دموعها وهي تتذكر ما قيل عنها وقد اخبرتها به هناء
ليشعر شهاب بالشفقه عليها
– خدي اشربي العصير واهدي… واوعدك انه مش هيقرب منك تاني
التقطت منه كأس العصير وهي ترتجف
– شكراً
– أنتي خريجة ايه يااستاذه قدر
تعلقت عيناها به وهي لا تفهم مغزي سؤاله ليبتسم ناهضاً من خلف مكتبه
– حابب اساعدك تشتغلي بدل شغلك اللي خسرهولك عاصم
اطرقت عيناها مرتبكه
– لا شكرا… انا مش عايزه اتقابل مع الإنسان ده تاني
تفهم شهاب سبب رفضها وقد تعلقت عيناه بملامح وجهها الهادئه يلعن ابن أخيه للمره التي لا يعلمها… فنظراتها الحزينة لا تفسر الا الكسره
– انا مقدر خوفك من عاصم ومتخافيش هشوفلك شغل بعيد عن شركاتنا بحيث متتقلبيش انتي وعاصم
رفعت عيناها نحوه بأمتنان حقيقي تغمرها السعاده تُخبره بمؤهلها الدراسي
– خريجة كليه آداب قسم اعلام
*****
صراخها كان يصم أذنيه بقوه يُخبره انها وحدها من تحصد نتيجة ما ارتكب في الماضي..اغمض عيناه يهتف بضعف اسم ولده
– ياحامد.. ياحامد ياولدي سيب اختك حرام عليك
– بقى انا يابت المحروقه تردي عليا… مش كفايه معيشينك معانا وانتي بنت واحده نجسه
– عامل عليا راجل وبتضربني وانت بتسمع كلام مراتك
لتشهق لطيفه مما تسمع تشير نحو حالها بوداعه
– انا… شايف ياحامد بتقول ايه ..ده جوزي سيد الرجالة
– اسكتي انتي يالطيفه مش عايز اسمع حسك والاحسن اخفي من قدامي السعادي
واندفع يجذب عهد من خصلات شعرها يزجرها بقسوه
– وانا هعرفك معني الرجولة يابنت فيروز ..ولو كنت فكرة لحظه تكملي علامك فخلاص بح
ارتعشت شفتيها قهراً تتوسله
– لا الا العلام ابوس ايدك
– الحق يابيه الحج ابراهيم واقع ف اوضته
تجمدت ملامح حامد يركض نحو غرفة والده يصرخ بالخادمه
– اجري خلي صبحي يجيب الدكتور بسرعه
اندفعت الخادمه تُلبي طلبه… فأقتربت منه لطيفه تنظر لجسد ابراهيم المجثي ارضاً فصرخ بها حامد
– غوري من وشي
انتفضت لطيفه من صراخه لتُغادر الغرفه تتمنى داخلها ان لا ينهض ابراهيم من وعكته
******
وقف مُكفر الوجه يُتابع فحص الطبيب لوالده… انتهى الطبيب من فحصه بنظرات اسفه يُجمع حاجته مُغادراً الغرفه
اتبعه حامد ينظر اليه بلهفه
– طمني على الحج يادكتور
– الحاله الصحيه مش تمام مكذبش عليك
– شور عليا يادكتور… انقله المستشفى طيب
وضع الطبيب حقيبته الطبيه فوق المنضده التي أمامه يُدون بعض الادويه
– هنغير الادويه بتاعته وياريت تبعدوه عن أي حاجه تزعله… الحج كان تمام الاسبوع اللي فات لما جيت افحصه، فأن الحاله تدهور كده يبقى اكيد حاجه شديده زعلته
اطرق حامد رأسه للحظات وعاد يرفعها بجمود زائف
– ياصحبي تعالا وصل الدكتور
******
اتكأت بظهرها خلف باب غرفتها تبكي بمرارة وقد أظلمت الدنيا بعينيها بعدما كانت ترى بصيص من الأمل عندما تتذكر حديث جارتها الغاليه
– أنتي فين ياابله رحمه
اقترب حامد من والده يجثي فوق ركبتيه امام فراشه
– انت كويس ياحج
اشاح ابراهيم عيناه بعيداً عنه مقهوراً مما فعله بشقيقته التي أصبح يخشى عليها خاصه منه ومن زوجته الماكره فبقيت أولاده يعلم أن قلوبهم لا تعرف الكره كما ان تعليمهم وتحضرهم قد ازال الغشاوة عن أعينهم ونسوا الماضي الا حامد الذي كان الكبير والقريب جداً من والدته الغاليه التي احبها حبً شديداً ولكن ضعف نفسه وزهوه بعزوته وماله جعله ينسى وفاءها وحبه ويركض وراء شهوته
– قولتلك ياحج بلاش تجيبها هنا
واغمض عيناه بقوه وهي يتذكر “فيروز” تلك الراقصه التي لم ترحم والدته من معرفه زواج زوجها بأخرى بل أتت لتريها من هي التي اخذت زوجها منها محباً لجمالها وجسدها… قهرتها جعلتها تقضي الباقي من أيامها المعدوده مكسورة حزينه لا تعرف ما الذي ينقصها ليتزوج عليها زوجها
سقطت دموع حامد رغماً عنه وهو يتذكر والدته الحبيبه
– مش قادر اشوف عهد غير انها فيروز
ولطم رأسه بالفراش
– قولتلك بلاش نجيبها.. هفضل انتقم منها لحد ما احس ان ناري بردت
سقطت دموع ابراهيم بوهن وهي يلتف نحوه يشعر بالآلم ينهش روحه.. يتسأل داخله عما فعله بعمره ليكون هذا حصاده ف النهايه
– ديه اختك ياولدي… عهد مش فيروز
– بس بنتها من دمها
ونهض كالهائج يدور حول نفسه
– ابعتها لمحمد تقعد عنده… ولا محمود المهم تبعد من وشي
غادر من غرفه والده ليرمقه ابراهيم متحسراً
******
رغم ثقتها والجميع يمتدح فكرتها الجديده في اداره مشروعهم المشترك الا انها كانت تتمني نظرة واحده منه… تجمدت نظرات شهاب فوق الأوراق التي تنتظر توقيعه للدمج مع شركة الحديدي في مشروعهم المُقبل
– ايه شهاب بيه لسا برضوه بتفكر
هتف السيد “نشأت” عبارته مبتسماً بتودد.. فتعلقت نظرات شيرين به وهي تتمنى ان يتم دمج ذلك المشروع فهو فرصتها الوحيده مع شهاب وفي لحظه كانت تزفر أنفاسها فرحه بعدما وضع شهاب توقيعه على الأوراق والسيد نشأت ينهض من مقعده يُبارك له
– متعرفش انا سعيد اد ايه بالشغل معاك ياشهاب
– الشرف لشركتنا نشأت بيه
انتهى الاجتماع اخيراً بعدما غادر السيد نشأت واتبعه البقية..
اقتربت منه شيرين وقد ارتسم فوق ملامحها الأسى لتجاهله لها
– لدرجادي ياشهاب مش طايق وجودي… ده انا في يوم من الايام كنت مراتك وأم ابنك
قاطعها شهاب يضع كفه أمامها قبل ان تستطرد في حديثها
– بشمهندسه الاجتماع خلص
– شهاب انا
تحرك شهاب مغادراَ غرفه الاجتماعات تاركاً لها الغرفة ، قبضة مؤلمة اعتصرت قلبها لتُغادر هي الأخري
******
جلس الحج محمود على الكرسي الذي وضعته له الخادمه بجانب فراش الحج ابراهيم
– كده تقلقنا عليك ياراجل.. بسم الله ماشاء الله ده انت بتصغر تاني اه
ابتسم ابراهيم علي مزاح ابن عمه وصديقه
– معدناش صغيرين خلاص يامحمود
– انت تقوم بس بالسلامه ونروح نحج
انشرح قلب ابراهيم فقد اشتاق بحق لزيارة بيت الله الحرام
– يا مين يعيش لبكره يامحمود
شعر محمود بمشاعر لم يرد اظاهرها فوق ملامحه وتجاوز ما يشعر به
– قولي بقى ياسيدي ايه الموضوع المهم اللي طلبتيني عشانه
ابتلع ابراهيم لعابه بعدما شعر بجفاف حلقه ينظر للفراغ الذي أمامه بحزن
– عهد يامحمود
– مالها عهد
تسأل محمود بتوجس لتتسع عيناه شيئاً ف شئ
******
مرت الايام وكل يوم تنظر إلى هاتفها تنتظر مكالمته كما وعدها ليُخبرها في اي مكان ستعمل… تنهدت بأسي فيبدو انه قد نسيها
زفرت أنفاسها بهم فلم تعد تخرج من منزلها خشية مما ممكن ان يحدث لها من رجال عاصم.. فكل يوم تجد ظرف اسفل بابها يُخبرها انه لن ينتظر كثيراً.. لا تعرف لما هذا الرجل يتحامل على شقيقها هكذا وقد اصبح زوج لشقيقته وأفراد عائلته باركت الزيجه برضى
طرقات الباب وصوت زوجة خالها السيدة سميره جعلتها تفيق من دوامه تخبطها لتسرع نحو الباب تفتحه لها
– اهلا ياخالتي
اندفعت سميرة للداخل بوجه حانق لا ترى أمامها
– خالك بيخوني… لقيته بيكلم واحده على ابصر ايه ده الفس بوك
رغم همومها ضحكت من قلبها وهي تجلس جوارها
– قصدك الفيس بوك
– هو المنيل على عينه اللي نطقتيه
واخذت تنتحب وتلطم فخذيها
– مش كفايه رضيت بيه يخوني انا.. لا انا عايزه اطلق منه الخاين الغدار
لم تتمالك ضحكاتها مُجدداً فقد كانت سميره اكثر نساء منير فكاهة وطيبه ولكن ما الجديد بطبع خالها فهو هكذا دوماً
– أنتي بتضحكي ياقدر…انا الغلطانه عشان طلعت افضفض معاكي بكلمتين
– رايحه فين بس.. تعالي اقعدي هقوم اعملك كوبايه عصير تهديكي
عادت سميره لمكانها تومئ برأسها بعدما هدأت قليلاً …ولكن صوت منير قطع كل شئ
– افتحي الباب ياقدر
– اوعي تفتحيله الباب… انا مش عايزه اشوفه مش طيقاه…
ازدادت طرقات الباب وقد علا صوت منير
– لا كده لازم افتحله هنتفضح قدام الجيران
اتخذت سميره جنباً واشاحت رأسها بعيداً عن رؤياه
– هروح اعملكم كوبايتين عصير لحد ما تتصافوا
انسحبت قدر من بينهم وهي تبتسم وفور ان دلفت المطبخ اقترب منير منها
– ايه ياسمسمه حد يزعل من منير حبيبه
– ياخاين ياكداب…انا استاهل عشان اتجوزتك
ودفعته بعيداً عنها بقوه
– تخنتي ياسميره وايدك تقلت
حدقت به سميره بشراسه تستنكر حديثه مُشيرة لجسدها الممتلئ
– تخنت مين ياخويا.. ده انا عودي عود فرنساوي
وكلمه وراء كلمه انتهى الخصام ليسحبها خلفه هاتفاً
– اشربي انتي العصير ياقدر
فتصدح ضحكات سميره بالمكان بعدما غمز لها منير ببضعة كلمات ورحلوا
خرجت من المطبخ تنظر للباب المُغلق ولاكواب العصير
– هشربكم انا بقى

