فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت ج٢
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــ
_ و ها قد جاء يوم ترحيل فارس إلي النيابة العامة، فمازال محاميه الجديد يبحث عن أي ثغرة أو شاهد يشهد في صالحه لكن لا جدوي وكأن الأبواب موصدة بأقفال يستحيل فتحها.
تُحلق الطيور في كبد السماء متجهة إلي أعشاشها الواهنة ، فالشمس أنذرتهم بالمغادرة وهي تلملم أشعاتها الذهبية، فتنعكس حُمرة الشفق علي عيون بللون الغيوم المُلبدة، تراقب السرب المُحلق من بين قضبان نافذة شاحنة الترحيلات، بداخلها الظالم والمظلوم ولكل منهم حكاية، ومن بينهم هذا الذي ما يزال يحدج في الخارج من النافذة، يستمع لإحدهم وهو يغني بكلمات قد زادت علي جرح فؤاده أكثر ليزداد النزيف ويذرف القلب دماء الحزن والشجن.
_ آه يابا… آه يابا
ليه سبتني يابا في وسط الدنيا الغابة
تفتكر الي من دمك حبايب ويطلعو ضباع وديابة
عاشق بس الزمن رماني بكل قسوته في النار
إكمن قلبي الطيب مديله الأمان ونسيت إنه غدار
_
آه يابا… آه يابا
يبدو إحدهم قد مل وتملك منه الإنزعاج المنبلج علي ملامحه الإجرامية، فصاح فيمن يُغني:
_ ما كفايه إكده يا أبو عمو، مش ناجصين ولوله وعويل عاد.
صمت الذي يغني وقال له بتهكم:
_ لو مش عايز تسمع يا بلدينا عندك صوابع يدك حطها في ودانك.
حدجه الآخر بشرٍ وبتهديد قال:
_ ما أنا بدل ما أحط صوابعي في وداني أرشجها في خشمك وأطلع حنچرتك في يدي! .
أندفع نحوه في وضع الهجوم لكن دفعه العسكري يصيح فيهما:
_ چري أي منك ليه؟ ، جسماً بالله لو ما أتلميتو لأفرغ رصاص البندجية ده فيكم چتكم البلا.
أجاب الشخص الأول:
_
_ دماغنا مصدعه والباشا مفِكر إننا في رحلة مش رايحين نتعرضو علي النيابة.
_ واه! ، ما خُلصنا يا جنيدي، وخليك في حالك.
عاد هذا الجنيدي بجوار المُكبل معه يتأفف من الضجر، فوقف بجواره وقال:
_ أنت يا أبو عمو، شايفك عتبحلج من الشُباك و واجف أكتر من ساعة، شكل حكايتك واعرة جوي.
ألتفت له و نظر إليه بصمت ثم عاد ببصره نحو النافذة بدون أن ينبس بحرف واحد، فأردف الآخر بضيق:
_ بس أني خابرك زين، شكلك واد ناس مش وش إچرام عاد.
تنهد وأستدار له قائلاً بسخرية:
_ وعتفرج أي، واد ناس ولا ولد غلابة، أني في نظر الجانون تاچر مخدرات، دليل وشهود وأديني مترحل علي النيابة.
تعجب الآخر وقال:
_ واه يا أبوي! ، تاچر مخدرات مرة واحدة! ، طب لافيني سوجارة وحياة أبوك، صاحبك خرمان و ولد الصرمة الي كان بيغني هناك ده چابلي صداع في نفوخي .
_
أرتفعت شفتيه بسأم وقال:
_ مليش في الدخان.
رمقه عاقداً حاجبيه بسخط فقال:
_ عچيبة، ملكش في الدخان وتاچر مخدرات ده حتي عيبة في حجك يا چدع، ولا كيف ما بيجول المثل باب النچار مخلع.
أجاب بأقتضاب وبدأ ينبلج علي ملامحه الملل:
_ مبحبش السچاير.
لم يكُف عن طرح أسألته المزعجة:
_ مجولتليش إسمك أي؟.
زفر وأخذ يستغفر ربه في نفسه، فأجاب:
_ فارس، في أي أسئلة تاني يا أخ…..
_
قاطعه قائلاً بإبتسامة سمجة:
_ چنيدي، محسوبك چنيدي الدوكش.
جلس فارس بعد أن شعر بالتعب من الوقوف، فتبعه چنيدي وجلس بجواره ليكمل ثرثرته:
_ أني خابر إنك مش طايجني، بس أني أستريحتلك لله في لله، أصل صاحبك خبرة وبعرف الواحد كيف هو من نظرة واحدة، عندك مثلاً الي جاعد هناك.
أشار نحو الجالس مقابلهما وأردف:
_ ده تهمته الجتل، أني عارفه أصله من عيلة أبو حطب كان حداهم تار من عيلة چبلاوي، و ولد البومة وهو بياخد بتاره، كان معدي مأمور القسم بتاع بلدهم چت الرصاصة فيه و ملحجش التاني يهروب والعساكر جبصته من جفاه.
_ و الي هناك ده تجدر تجول عليه خُط الصعيد، كان عايش في الچبل ويا المطاريد ولما الحكومة طاردتهم هو والي معاه، أتدلي علي بلد و دخل بيت عيلة وجتل كل الي فيه رچالة وحريم حتي معتجش الأطفال، وأجطع دراعي لو كان الواد ده بيشرب أو مچذوب.
رد فارس بسخرية معقباً علي حديثه:
_ وليه متجولش إنه شيطان والإچرام بيچري في دمه.
ضحك الآخر قائلاً:
_
_ الشيطان جاعد هناك علي شمالك، خابر ده تهمته أي؟.
نظر له منتظراً فأردف:
_ الله يحرجه كان عاشج مرات أخوه الكبير، وهي طلعت مره خاينة وخسيسة إتفجت وياه يجتل أخوه ويمثلو إنه مات في حادثة قضاء وقدر، يجوم ربك كاشف سترهم والواد الصغير إبنها كان سامعهم وفتن عليهم للبوليس لما راحو يحججو، دنيا غداره ومتچيكش الضـ,ـربه غير من الأجرب ليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ربما تكن مصادفة من القدر فاليوم الذي رحل فيه فارس عن النجع هو ذاته يوم زفافها، تجلس في غرفتها ومن حولها فريق من الفتيات جلبهن سليم إليها من أكبر مراكز التجميل حتي يزينن عروسه، فكانت في عالم آخر لم تشعر بما يحدث معها ومن حولها، عينيها ثابتة نحو الفراغ كالموتي، إحساسها كان كالذي يعدونه لتنفيذ حكم الأعدام وليس إلي حفل زفافها.
وفي الخارج تطلق نوارة الزغاريد تحمل مع النسوة صواني الطعام ويعطونها إلي رجال رافع ليذهبوا بها إلي داخل السرادق المنصوبة أمام المنزل حيث يتجمع رجال أهل النجع ويأكلون الفتة واللحم ويباركون لرافع ويهنئونه هو وسليم العريس الذي يقف بكل هيبته ومن خلفه يقف أربعه من رجال حراسته، يرتدي حُلته السوداء وفوقها عباءة سوداء مطرزة أطرافها بشريط ذهبي، أهداه رافع إياه وأخبره بإرتدائها فهذه عادات وتقاليد أسرتهم.
تعالت الأغاني من السماعات المنتشرة في كل مكان، أغاني من الفلكلور الصعيدي وبعض من أغاني المهرجانات يصاحبها أصوات زغاريد وتهليلات النساء.
وهناك فروع المصابيح الملونة تتخلل جميع الشوارع والحواري.
أقترب سليم من أذن رافع :
_ أي الأخبار يا رافع، وقفت الرجالة علي مداخل ومخارج النجع زي ما قولتلك؟.
_
أجاب الآخر:
_ حوصل يا عريس، أطمن مفيش دبانه تجدر تخرچ ولا تدخل من غير ماتمر علي الرچالة، إلا جولي محدش شافلك جرايب ولا معارف چم يباركولك، ولا أنت ما عزمتش حد منيهم؟.
أرتسم إبتسامة مصتنعة قائلاً:
_ عايزني أعزم رجال أعمال وصفوة المجتمع في فرح جوه نجع في الصعيد الجواني!.
حدجه رافع بإمتعاض وسخط:
_ مش أد المجام ولا أي عاد!.
_ لاء يا رافع الحكاية مش كده، أنا كنت ناوي نعمل الفرح في القاهرة في أكبر وأرقي الفنادق، وأنت و والدك أصريته نعمل الفرح عندكو في النجع والناس الي أعرفها مبتروحش أفراح في شوارع وشوادر، وكلها ساعتين وهاخد أختك وهنمشي عشان مسافرين.
_ ما كان علي يدك الي حوصل، هروبها جلب الدنيا وخلي الي يسوي وميسواش يتحدت ويچيب في سيرتها فلازماً كنا نعملو الفرح أهنه ويحضرو كل كلب منيهم، خلي خشمهم يتكتم، وأديك شايف جاعدين علي الأكل نازلين فيه كيف المنشار بالسم الهاري علي چتتهم.
ضحك سليم من حديث رافع ومدي كراهيته لمن حوله.
وجاء إحدي رجال رافع ليخبره بأنهم أنتهو من تزين العروس، فقال رافع لسليم:
_
_ عن أذنك يا عريس هاروح أچيب لك عروستك.
تعالت الزغاريد وموسيقي المزمار فبدأت مراسم الزفاف، وقف رافع أمامها يبتسم قائلاً:
_ أعطيني يدك يا عروسة لأچل أزفك لعريسك.
رمقته بإزدراء في صمت، و وضعت يدها علي ساعده، دنا من أذنها وقال:
_ أفردي خلجتك كل الناس عتبحلج فيكي، كفياهم حديت عنك.
أجابت بوجه متجهم:
_ لو ماعچبكش خلجتي أنت والبيه بتاعك يبجي تفضو كل حاچة وكل واحد يروح لحاله.
لكزها بمرفقه في كتفها:
_ طب لمي لسانك بدل ما ألمك، أستحليتي الفضايح والچورس، وحياة أبوكي ما هعديلك الي سويتيه ده، أبجي أستلجي وعدك.
وقفت في مكانها ورمقته وبداخلها يتأكلها الخوف من ما قاله لها:
_
_ تجصد أي بالحديت دي؟.
كان يبتسم إلي المعازيم، فقال لها:
_ كل حاچة هاتعرفيها في وجتها.
_ ألف مبروك يا عروسة.
قالها سليم التي لم تنتبه لوقوفه أمامها، يبتسم لها لكنها تري إبتسامته ليست سوي تعبير يدل إنه يخبرها بإنها أخيراً وقعت بين يديه و دلفت إلي عرينه التي لم تخرج منه أبداً.
لكزها رافع في خصرها يدفعها نحو سليم:
_ واجفة ليه إكده، ما تمسكي بيد عريسك.
أطلقت النساء الزغاريد وتهليلات المباركة، وقف رافع أمام العروسين وأخرج سلاحه ورفعه لأعلي وأطلق الأعيرة النارية في الهواء ليتبعه رجاله ورجال سليم بالإطلاق أيضاً.
ذهبت الفتيات والنساء إلي زينب يباركن لها و تقوم نوارة بنثر ذرات الملح في الهواء وتردد ذكر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وعبارات تحصين من الأعين الحاسدة.
أقترب خميس من إبنته وشبه إبتسامه علي وجهه، أحتضنها بحنان:
_
_ ألف مبروك يابتي، ربنا يسعدك ويهنيكي، خدي بالك من نفسك ومن چوزك الي يجولك عليه سويه تكسبي راحة بالك.
حاولت منع عينيها من البكاء، فقالت له:
_ هاتوحشني يابا جوي.
وأرتمت علي صدره، فربت عليها:
_ لاء يا جلب أبوكي، ماتبكيش الله يرضي عليكي.
جاء صوت والدتها من خلف أبيها:
_ حقك عليا يابتي، سامحينا أنا وأبوكي، أديكي كيف ما أنتي شايفة مكنش بيدنا حاچة، كل الي طلباه منكي أنك تحاولي تتعايشي مع چوزك وأتجي شره.
أومأت لها زينب وهي تشعر بالخزي من أهلها، يلقون بها إلي الهلاك ويطلبون منها أن تتحمل فكيف هذا!.
ــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــ
_توقفت الشاحنة فجاءة بعد أن أعطي الضابط أمر صارم للسائق بأن يتوقف حيث توقفت سيارة نقل أمامهم و علي مقربة، وبداخل الشاحنة كثرت الثرثرة بين السجناء وأرتفعت الأصوات متسائلين عن سبب الوقوف فصاح بهم الأمين بأن يلزموا الصمت.
_
وبالعودة إلي مقدمة الشاحنة، ترجل الضابط وبرفقته المساعد، فقال:
_ أنت يا سطا الي موقفك بعرض الطريق؟.
لم يجيب عليه سائق السيارة الأخري، فكرر سؤاله ولا رد، فأثار ضيق الضابط وقرر الذهاب إليه ويريه كيف يتجاهل سؤاله، و عند إقترابه كانت الصاعقة، أرتمي الغطاء الذي كان بصندوق السيارة وظهر من أسفله رجال ملثمون ذوي بنية جسدية قوية، يحملون أسلحة قامو بإطلاق ذخيرتها للتو، لم يمهلو الضابط ومن معه فرصة الدفاع.
صاح بهم قائدهم بصوته الغليظ:
_ يلا بينا يارجالة عشان نطلع المعلم من المخروبة دي.
ـ,ـتلو أي فرد من الشرطة وقامو بكسر وخلع الباب الحديدي عبر إطلاق الرصاصات وبعد أن حذرو من بالداخل، صرخ السجناء ورفعو أيديهم إلي أعلي بإستسلام سوي سجين واحد ذو ملامح صارمة و نظرات أعين مخيفة، أرتسمت إبتسامة إنتصار علي ثغره حينما رأي رجاله.
قام إحدهم بفك أصفاده وقال له بثناء مبجل:
_ حمدالله علي سلامتك يا معلم.
أجاب الآخر و هو يحمل منه سلاحاً نارياً:
_ عفارم عليكم يا رچالة.
_
ورحل جميعهم علي الفور، و أستغل السجناء تلك الفرصة الذهبية وهرب كل منهم بعد أن تخلصو من أصفادهم.
بينما كان فارس يتجادل مع جنيدي:
_ أنت أتچننت عايزني أهروب وأثبت عليا التهمة؟.
قال الآخر ساخراً:
_ ما تفتح مخك الي كيف الحچر الصوان، التهمة كيف الخلچات أنت لابسها وماهتجدر تخرچ منها لأن هو ده الجانون، روح أتاوي لك في مُطرح لأن الحكومة عتطلج دبابيرها علينا في كل مكان وما عيهدلهومش بال غير بعد ما يجبضو علينا كلاتنا.
كان يفكر في كلماته، ورأي أن لديه حق فذهابه إلي النيابة لإستكمال التحقيق ومنها إلي المحكمة والقاضي لم يرأف به و سيحكم عليه بالقضاء في السجن لمدة قد تصل لخمس وعشرون عاماً يفقد فيها شبابه و آماله، فعليه بالهروب والبحث عن دليل براءته لاسيما الذي حدث معه في الزنزانة أكد له من وراء دخوله إلي السجن.
وأخيراً وافق علي الهروب فقال:
_ والكلابشات كيف نخلصو منيها؟ .
أشار له جنيدي نحو الأمين المسجي علي الأرض وغارقاً في دمائه، فهو من يحمل مفاتيح الأصفاد، ألتقط فارس المفاتيح و حاول إدخال إحدهم ونجح في فتح الأصفاد.
أبتسم جنيدي وهو يزفر بحرية قائلاً :
_
_ يلا بينا علي أجرب مزلجان للجطر، هنتسطحو علي الي رايح نواحي بلاد بحري ونتدلي علي مصر، وهناك أرض الله واسعه.
ذهب كليهما بعد ركض مسافة ميل وأكثر حتي وجدوا مزلقان يبدو مهجوراً، وظلا ينتظران قدوم القطار المتجه إلي محافظات الدلتا، ونجحا بالقفز إليه والصعود إلي سطحه وتمدد كل منهما فوقه، ولأنهما علي معرفة أن الرحلة ستستغرق أكثر من ثماني ساعات، فأستسلم جنيدي للنوم بينما فارس ظل يحدق في السماء، يتأمل النجوم التي تذكره بمعشوقته وتمني لو يراها لو لدقيقة واحدة.
ــــــــــــــــــــ،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ حضر للتو عائلة الشيخ واصف ليهنئون ويباركون، فبكر كان يمسك بيد زوجته وقام بتهنئة إبنه خاله وسليم وأيضاً زكريا وبعدها عاد إلي منزله متجنباً الظهور فالشعور بالذنب يلازمه حتي الآن، لايجعله يشعر بأي فرحة، فأصبح منعزلاً ومنطوياً علي ذاته يتجنب النوم الذي ينقلب إلي كابوس حتي بدأت الهالات السوداء تحاوط عينيه.
عانقت جليلة إبنة أخيها وباركت لها، والأخري تردد عليهم المباركة بلا روح، حتي جاءت إليها فاطمة وعانقتها بقوة تواسيها فقالت لها بدون أن يسمعها أحد سواهما:
_ متزعليش مني أني مش هباركلك زيهم، لأني حاسة بيكي وبالنار الي چواكي، كل الي أجولهولك ربنا معاكي ويقويكي ويعينك.
ردت زينب بألم:
_ مجدراش يا فاطمة أتحمل، عايزة أهچ من أهنه وأرمي نفسي قدام الجطر أو عربية، عندي أموت أهون من أني أبجي معاه.
_ أعقلي يا زينب، عمر ما كان الموت راحه وخصوصاً الإنتحار، ماتعلميش أي الي چاي يمكن تيچي من عند ربنا و يخلصك منيه.
_ الي كيف دي مابيموتش ولا يچراله حاچة غير لما يخلص علي الي حواليه الأول.
_
ضحكت فاطمة رغماً عنها وربتت عليها:
_ معلش يا حبيبتي، هو مادام متمسك بيكي جوي إكده يبجي بيحبك فأنتي أستغلي حبه ده وطلعي عينيه، خليه هو الي ينتحر.
إبتسمت زينب بتهكم وقالت:
_ بيحبني! ، ده متچوزني تخليص حق وإنتجام، وعلشان جولت عليه لاء فكيف واحدة ترفضه، والله أعلم ناوي لي علي أي عاد.
كان يرقص بالعصا مع سليم حتي فكاد يفوز لكن فاز الآخر عليه في آخر لحظة، فهلل الرجال:
_ الله عليك يا سليم بيه.
إبتسم رافع له بتصنع وقال:
_ ماشاء الله عليك ياچوز أختي، حتي قوي في التحطيب.
جاء من وراءه صلاح الذي وصل للتو:
_ سليم بيه دايس في كل حاجة.
_
وذهب ليعانق سليم وأردف:
_ ألف مبروك يا عريس.
_ عارف لو مكنتش جيت مش هقولك كنت هاعمل معاك أي.
ضحك صلاح وقال:
_ هو أنا أقدر! ، أنا أول ما خلصت الجلسة روحت غيرت وسافرت علي هنا يادوب لسه واصل.
كان رافع ينظر نحو شقيقته بل للتي تقف معاها فقال لهما:
_ أستأذنكو خمس دجايج وراچع لكو تاني.
لاحظت فاطمة إقتراب رافع نحوهما، فقالت لزينب:
_ لما أروح أسلم علي مرات خالي وراچعه لك بعدين.
سارت نحو المنزل حيث تتجمع النساء لتبتعد عنه، وقبل أن تدلف وجدت يد تجذبها إلي مكان مظلم خلف المنزل، دفعها نحو الحائط وقال بتهكم:
_
_ بتهوربي مني إياك.
رمقته بسخط وقالت:
_ عايز مني أي، ما تروح توجف مع مارتك بدل ما تشوفك واجف معاي وتسوي معاك مصيبة.
أندفع نحوها حتي كاد يلتصق بها وتفوه بأنفاسه:
_محدش يجدر يسوي معاي حاچة، لأن الي يوجف في طريجي بفعصه كيف الصرصار.
دفعته في صدره وأبتعدت قليلاً وهي تهم بالركض:
_ محروج من الدكتور جوي إكده، إكمنه أحسن منك وخايف لأحبه، وأني كمان بجولك محدش يجدر يسوي معاي حاچة ومبخافش غير من الي خلجني.
وقبل أن تخطو قدمها خطوة واحدة جذبها وألقي بها نحو كومة قش، فوقعت عليها، رمقته بقوة مصتنعة وأخفت ماتشعر به من قلق منه، كلما يقترب منها تتزحزح بجسدها إلي الخلف، هبط أمامها علي ركبتيه وأمسك بقدميها يمنعها عن التحرك.
_ بعد عني يا رافع لأصرخ وأفضحك قدام أهل البلد.
لم يهتم لتهديدها فأعتلاها وأمسك بيدها، ينظر لها وعينيه برغم الظلام المحاوط لهما ويتخلله بصيص من نور الأضواء الملونة التي تنعكس علي وجهها، رأت لمعة في عينيه تعلمها جيداً.
_
تفوه بنبرة عشق دفين يكنه لها ويحترق به كل يوم:
_ محدش بيحبك ولا هيحبك قدي، أنتي ليا أني، مفيش مخلوج يجدر يلمسك غيري، سمعاني يا فاطمة.
من صدمتها ألجم لسانها ولم تستطع الرد، فلم يتحمل قربها المهلك له أكثر من ذلك، هبط بشفتيه علي خاصتها بشوق جارف، يقبلها بكل قوة، يحاوطها بجسده فلم تقدر علي التحرك بتاً.
ظل هكذا لوقت لم يشعر به ولم يشعر أيضاً بالتي تقف بعيداً تراه بأعين تبكي من القهر وهي تري خيانته لها بعينيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،، ــــــــــــــــــــــــ
_ أقتربت الساعة علي منتصف الليل وبدأ المعازيم بالرحيل إلي ديارهم، ودعت زينب أحبائها وتعجبت بإنصراف فاطمة دون أن تودعها.
تقدم رافع نحو سليم وقال له بصوت منخفض:
_ عايزك دجيجة چوه الدار.
حدجه سليم بإمتعاض وقال:
_ و ده وقته يا رافع، المفروض يا دوب نمشي دلوقت عشان الطيارة قولت للكابتن ينزل في أقرب مطار من هنا.
_
_ إكده ولا إكده هتضطر تتأخر شوي.
زفر سليم بضيق فأشار له:
_ يلا يا اخويا أدامي لما نشوف أخرتها.
_ وبداخل غرفة الضيوف، دلف كليهما، فقال سليم:
_ أدينا بقينا لوحدينا كنت عايز تقولي أي؟.
جلس رافع علي الأريكة وأسند يديه علي العصا:
_ ممكن الي هجولو دي معيچبكش لكن لازم يوحصل بأي طريجة، طبعاً كيف ما جولتلك إن هروب زينب خلي سيرتها علي كل لسان و ده يبجي في وشي أني وأبوي.
تنهد سليم بنفاذ صبر وقال:
_ ما خلاص أتجوزنا يا رافع ومحدش هيقدر ينطق بكلمة في حقها والي يتكلم أقطعله لسانه أو أبعته لرجالتي وهم هيقومو معاه بالواجب.
دك رافع بالعصا في الأرض وقال:
_
_ ده في عرفك أنت يا چوز أختي، لكن في عرفنا بيبجي الأمر غير إكده.
_ يعني عايزني أعملك أي مش فاهمك.
حدجه بإصرار وحزم فقال:
_ تدخل عليها بلدي.
#الفصل_السادس_عشر
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
غزت ملامحه إبتسامة سخرية وقال:
_ أنت بالتأكيد بتهزر.
دك عصاه في الأرض ونبرة صوته الجادة تدل علي إصراره وكأنه أمر لاجدال فيه:
_
_ وأني مابهزرش يا سليم بيه، هتدخل عليها بلدي ودلوق، ولا عندك مانع!.
حدجه الآخر بضيق من ألقاء عليه الأمر، فمن يكون هذا الجرذ ليلقي عليه الأوامر! ، ويختتمه بسخرية وكأنه غير قادر علي فعله ، عقد ساعديه أمام صدره رافعاً إحدي حاجبيه وقال:
_ و لو معملتش كده هيحصل أي؟.
رمقه بتحدي مجيباً:
_ هتفضل خايتي مشرفة دار أبوها ومفيش سفر حداك، من الآخر رچلها ماتعتبش باب دارنا غير لما يوحصل الي جولتلك عليه، أنت وبشوجك بجي.
تحولت ملامح سليم من الصبر والبسمة المزيفين إلي أخري مليئة بالتجهم والظلام الذي كسا عينيه:
_ الظاهر نسيت أنك بتتكلم مع مين يا رافع ياقناوي، عمال تؤمر وتهدد وناسي أن أختك بقت مراتي وأنا حر أدخل عليها ولا ما أدخلش وبالطريقة الي علي مزاجي أنا.
صاح رافع بذات وتيرة صوت الآخر:
_ لع مانستش ياسليم بيه، أنت الي شكلك نسيت أنك مناسب صعايده ليهم عاداتهم وتقاليدهم وكل الي عطلبه منك حاچة بسيطة.
_ أصدك تقول عادات وتقاليد متخلفة ولي عليها الزمن، ولو لسه بتحصل أنا مش هقبلها، والي هيحصل ما بيني وبين أختك محدش ليه دخل فيه.
_
تفوه بكل جبروت وكأن من يتحدث بشأنها ليست شقيقته:
_ وأي الي يثبت لأهل النچع أن خايتي بعد ما هربت و رچعت إنها لسه بت بنوت!.
أقترب منه و وقف خلفه يوسوس إليه كأبليس ليثير غضبه ويرضخ لما يأمره به:
_ كل الناس خابرة بقصة الحب الي كانت مابين خايتي وبين ولد عمها فارس، ولما أني فرجتهم عن بعض وچيت أنت لأچل تتچوزها راحت جطعت شراينها وبعدها هربت ولما رچعت وعجدت عليها وبجت مارتك علي الورج غفلتنا كلتنا وراحت له القسم والكل شافها وهي داخله وخارچة من هناك، ها مستني أي بعد كل دي؟.
كان بالفعل كالشيطان بل هو أبليس ذاته، يثير أغوار الآخر حتي يفعل بشقيقته هذا الفعل البشع المرفوض تماماً، كيف تسول له نفسه بجرحها وإهانتها بتلك الطريقة!.
فزوجها ليس بحاجة لإستفزازه نحوها، فلديه علم بزيارتها إلي فارس ولم ينس هذا بل ينتظر الوقت المناسب لمعاقبتها وجعلها تخشي أن حتي أن تذكره في مخيلتها.
لكن كلمات رافع أثارت شئ ما بداخله كان يقرر تنفيذه حينما ينفرد بها لاحقاً، أستدار له وبداخل عينيه نظرة مبهمة لكن حين رآها الآخر إبتسم بإنتصار، فقال سليم:
_ يعني كل الي عايزه الإثبات، لكن الطريقة دي بتاعتي أنا.
قالها وتركه وفتح باب الغرفة ليجدها تقف تتشبث في زراع والدتها بخوف، لاتعلم ما ينتظرها.
تبعه رافع قائلاً :
_
_ خليت چماعتي يحضرولك الأوضه الي هترتاحو فيها أنت ومارتك.
وأشار له نحو غرفة نومه الخاصة به و نوارة المختفية ولم يلاحظ بعد عدم وجودها.
تقدم منها سليم وأمسك بيدها الحرة:
_ تعالي معايا.
أوقفته كالحائره تسأله:
_ واخدني علي فين؟.
و قبل أن تتحدث والدتها أو تسأل فأسرع رافع قائلاً يرمقها ببسمة تشفي:
_ هترتاحو هبابة جبل ماتسافرو يا عروسة.
صدقت رسمية ولدها بطيبة وحسن نية، فربتت علي إبنتها:
_ روحي يابتي ويا چوزك أرتاحو، لساتكو وراكو سفر وطريج طويل، وأنتي بجي لك يومين منعستيش عاد.
_
قلبها يخفق من شدة الخوف لاسيما بعد تلك الإبتسامة التي ما زالت في أعين شقيقها، أنتبهت لضغطة قبضة سليم القوية علي أناملها:
_ يلا يا زينب.
وفي ثوان كانت بداخل الغرفة ودلف خلفها، أغلق الباب بقوة مما جعلها أهتزت بوجل وأعتصرت عينيها تردد بداخلها بعض الأذكار.
خلع العباءة ويليها سترته وألقاها علي أقرب كرسي وجلس فوقه، فلم تبرحها نظراته:
_ واقفه عندك ليه كده؟.
وبدون أن تنظر له تتجنب النظر في عينيه ذات النظرات المرعبة، قالت:
_ أني مرتاحة إكده، رايد أنت ترتاحلك شوي، عندك مكان الراحة أهو أرتاح كيف ما أنت عايز.
خلع رابطة عنقه ثم ساعة يده ووضعهما علي المنضدة التي أمامه في صمت رهيب زاد من خوفها لكنها تظاهرت بالثبات.
قطع صوته بهدوء الذي لايقل رعباً عن نظرات عينيه:
_ ما إحنا مش داخلين الأوضة عشان نرتاح.
_
رفعت عينيها لترمقه بصدمة وإستفهام، فهذا الصوت الذي بداخلها ينذرها بالخطر، نهض متقدماً نحوها بخطي في ظاهرها هادئ لكنها عكس ذلك:
_ شكلك فهمتي سبب وجودنا هنا، ولا أي يا عروسة؟.
أزدردت لعابها وبمجرد وقوفه أمامها مباشرة أبتعدت إلي الخلف متجهة نحو الباب لكنه سبقها إليه وأوصده بالمفتاح الموجود به.
ركضت إلي إحدي الأركان تمسك بثوب زفافها في وضع الدفاع:
_ لو الي في دماغي ده صوح، أحب أفكرك بوعدك ليا، أن چوازنا علي الورج.
يبتسم وبداخله مُنتشي من السعادة، فتلك النظرات المرعوبة بداخل عينيها تغذي وحش ساديته وترضيه.
وفي لحظة غافله منها وجدته أمامها يمسك برسغيها:
_ أنا موعدتكيش يا زينب، أنتي وقتها كنتي بتملي شروطك وناسية إنك هاتتجوزي مين، تحبي أعرفك مين هو جوزك، مين الي المفروض متنطقيش غير إسمه علي لسانك!، مين الي عينيكي مش هاتشوف غيره!، مين الي نسيتي إنه جوزك و روحتي القسم عشان تشوفي إبن عمك ومخوفتيش لما يعرف هيعمل فيكي أي!.
ومع كل جملة يتفوه بها كانت قبضتيه تزداد ضغطاً حتي ظنت عظام أناملها سُحقت، تأوهت من الألم الغير محتمل، فقال بفحيح يلفح شفتيها:
_ صرخي، محدش من أهلك بره يقدر يدخل ينقذك من أيدي، عارفة ليه.
_
أردف ويدفعها علي الحائط بجسده ملتصقاً بها:
_ تحبي أجاوبك عملي زي ما أخوكي طالب مني ومستني إثبات شرفك؟.
جحظت عينيها متناسية ألم أناملها، أستعادت جأشها وقوتها برغم دموعها التي أنسدلت للتو:
_ بعد عني، علي چتتي الي عتجوله دي، و روح جول للحيوان أخوي خايتك أشرف منك ومن أمثالك كيفك إكده.
ضغط بجسده عليها بقوة قائلاً:
_ ولما أخوكي من لحمك ودمك يشكك فيكي ويطلب مني دخلة بلدي، منتظره مني أي عشان أتأكد، ها؟.
رأت بداخل ظلام عينيه شيطان مارد لم يهدأ إلا عندما يكسر كبرياءها ويجعلها ذليلة أمامه، فهي الآن تلعن شقيقها بكل اللعنات علي منح هذا الوحش الذي يسحق جسدها حق سلب عذريتها قهراً ورغماً عنها، فلا تجد سوي تلك الفكرة التي أتتها للتو فقالت بتأوه من بين أسنانها:
_ لو رايد إثبات خدني عند الحكيمة في الوحدة الصبح وهي تكشف عليا وتجولك إني.
أغلقت عينيها بخجل وأردفت:
_ إني بت بنوت ولا لاء.
_
قهقه وتعالت ضحكاته المخيفة، حتي توقف وعادت ملامحه الوحشية مرة أخري:
_ عايزاني أخدك عندك الدكتورة يا زوزو، أومال أنا لزمتي أي يا حبيبتي.
ترك يديها حتي عادت روحها لها فأخذت تفركهما من فرط الألم، ولم يمهلها أن تلتقط أنفاسها فجذبها من خصرها وبرغم ثوبها المتسع وذو عدة طبقات شعرت بأنامله وهو يغرزها بقسوة لتطلق تأوهاً نابعاً من أعماقها.
_ أهدي كده ده لسه بنقول يا هادي، يقولو عليكي أي وأنتي كل شوية تصوتي.
أجابت من بين دموعها وألمها:
_ أجتلني يا سليم وريحني، أني ماعيزاش أعيش وياك واصل.
أبعد يديه من خصرها، ليعود صوت ضحكاته، يحاوط وجهها بكفيه يقول بسخرية :
_ ليه كده يا زوزو، ده أنا حبيتك من أول ما شوفتك وأقسمت إنك هاتكوني ملكي مهما حصل وبأي طريقة.
جذبها فجاءة ودفعها إلي الفراش وأعتلاها:
_ أنتي بتاعتي أنا، ملكي أنا، هاتعيشي معايا لحد مايفرقنا الموت، فاهمة يا زينب.
_
كانت ملامحه تخيفها أكثر من كلماته، أقسمت إنه ليس شخصاً طبيعياً بل مريضاً.
باغتها بنزع حجابها بعنف حتي تشعثت خصلاتها من أثر ذلك، أخذت تقاومه وتدفعه لينهض من فوقها، فكيف لعصفورة صغيرة بأن تدفع بوحش ضخم يريد إلتهامها! .
أردف من بين أسنانه لاهثاً:
_ متقاوميش يا زينب، عمرك ما تقدري تبعديني عنك، أستسلمي لمصيرك.
لم تجد رد علي هذيانه من وجهة نظرها سوي تلك الكلمات ويديها تدفعه في صدره:
_ ده في أحلامك ياسليم، وأني لساتني كيف ما جولتلك علي چتتي لو لمست مني شعره، وچوازي منك مجابل حياة فارس، غير إكده ملكش حاچة عندي واصل.
من الحماقة أن تكون عاجزاً وفي وضع ضعيف للغاية وتتصنع القوة بدون إستخدام عقلك وذكاءك بحكمة، فالتفوه بنبرة التحدي والعند لن تأتي لك سوي بعواقب وخيمة، وهكذا ما حدث
ليتها ما تفوهت بحديثها الأحمق هذا، فهي للتو أيقظت جانبه الآخر والذي كان يحاول كبحه وعدم إظهاره له حتي الآن.
نهض عنها وهو يجذبها من خصلاتها وحتي لا تصرخ ويسمعها من بالخارج، كمم فاهها بقبلة وحشية، ليست لمسة حميمية بين زوجين بل كانت تعذيب ومنعها من الصراخ، ولم يكتف بذلك، أمسك بساعديها وقام بثنيهما خلف ظهرها وبجزء من لفافات حجابها الأبيض قام بتقيد معصميها.
ما زال يُقبلها متذوقاً دماء شفتيها بللذة، توقف عن تقبيلها ليتركها تلتقط أنفاسها اللاهثة، ليباغتها بجزء آخر من لفافات حجابها يكمم فاها ثم ألقي بها مرة أخري علي الفراش والظلام يسود عينيه و شيطانه المسيطر عليه، خلع ثيابه تحت نظراتها التي تتوسله ليتراجع عن ما سيفعله، تتلوي في الفراش مستخدمة ساقيها في النهوض لكن هيهات، أصبحت مثبتتان بقبضتيه القويتين، وأرتمي فوقها وشرع فيما عزم عليه، لم يرحم صرخاتها المكتومة ودموعها التي أنفجرت كالأنهار المتدفقة، أنتزع روحها قبل نزع عذريتها بكل وحشية، أبتعد عنها وبنظرة إنتصار حدجها، دنا برأسه نحو وجهها وهي ملقاه كالجسد بدون روح ليقول لها بتهكم :
_
_ ألف مبروك يا حبيبتي.
وقبلها من وجنتها ونهض، أرتدي ثيابه تاركاً قميصه مفتوحة أزراره،أقترب منها فرفعت ساقيها لتكور جسدها في وضع الجنين لتبتعد عنه ، جذب الشرشف الملطخ بدماءها بقوة من أسفل جسدها وأتجه به نحو الباب وقام بفتحه منادياً علي شقيقها الذي لبي نداءه وجاء له فقام الآخر بإلقاء الشرشف في وجهه، ألتقطه رافع بسعادة عارمة، ولم يتمهل فخرج و وقف أمام المنزل يخرج سلاحه وأطلق عدة أعيرة نارية متتالية وتبعه رجاله في الإطلاق كرسالة إلي أهل النجع .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ رحل الليل ليسطع شروق الشمس ومازالت القلوب علي ما أصبحت عليه، فمنذ أن تركت منزل عائلة زوجها وجاءت إلي منزل عائلتها تجلس في غرفتها القديمة يجافيها النوم فالمشهد التي رأته بأم عينيها جعل النيران مندلعة في صدرها، كيف تسول له نفسه ويقوم بخيانتها، كانت تظن أن الأمر مجرد مشاعر فقط لاتعلم إنه سيصل إلي ما رأته خلف المنزل، لعنت قلبها الضعيف الذي مازال يدافع عنه أمامها فضعفه هذا جعله يفرض سيطرته وقوته عليها، فعندما تعترض أو تواجهه تثور أغواره و يمد يديه بالصفعات وينعتها بالإهانات والسباب وكأنها عبدة أو جارية لديه وليست زوجته ويجب عليه أن يعاملها بالمودة والرحمة.
دلفت والدتها لتطمأن عليها لتجدها تجلس علي وضعها كتمثال، عينيها شديدة الإحمرار والتورم من كثرة البكاء.
ربتت عليها بحنان وقبلتها لدي مفترق خصلاتها:
_ لساتك منعستيش وعتبكي يا جلب أمك.
ألتزمت الصمت فأردفت سعاد:
_ ولو تجوليلي حوصل أي ولا سوي فيكي أي چوزك، ريحيني يابتي.
أصدرت شهقة وهي تجفف عبراتها وقالت بيأس:
_
_ لو جولتلك يعني، هاتسوي له أي عاد، ده ولا بيهمه حد وعيسوي الي في دماغه مهما أتحدتي وياه.
شهقت لتجهش ببكاء مجدداً، فأكملت:
_ جلبه كيف الحچر عليا، لكن لغيري لاء.
عقدت سعاد بين حاجبيها وهي تفسر حديث إبنتها فسألتها:
_ واه، تجصدي لساته عيحب البت فاطنه.
خارت في البكاء وأرتمت علي صدر والدتها:
_ أيوه ياماه، لساته بيعشجها و وصلت بيه البچاحة ولا جيته واخدها ورا الدار ونايم فوجيها ونازل فيها بوس، آه يا جهرة جلبي ياماه.
_ باستك عجربة يا رافع يا واد خايتي ويحرج جلبك كيف ما عتسوي في بتي، معلش يا جلب أمك، أني هاروح له وأتحدت وياه و أعرفه مجامه زين.
_ لاء ياماه، ما تجوليلوش حاچة بالله عليكي، ملهوش عزا العتاب واصل.
حدجتها سعاد بعدم فهم، فأخبرتها إبنتها بهذا القرار الذي أصدره عقلها للتو ويحاول قلبها التراجع عنه لكن كبريائها هو المسيطر الآن.
_
_ أني هاطلب منيه يطلجني.
لطمت سعاد علي صدرها وكأن إبنتها تخبرها بفاجعة:
_ طلاج!.
ـــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ غارقاً في أحلامه التي تنتهي كالعادة بكابوس مزعج يراها تبكي بحرقة وتمد له يديها تناديه لينقذها من تلك البؤرة المظلمة التي تجذبها بداخلها، فهناك مشهد جديد أضيف هذه المرة وهو عندما أستطاع أنقذها وأنتشلها وجدها قد فارقت الحياة، أخذ يهز جسدها يناديها من أعماق قلبه لتعود إلي الحياة، لكن لا جدوي، فكيف لروح فارقت جسدها أن تعود له مرة أخري! .
_ زينب.
صاح بها وهو يستيقظ من النوم مذعوراً، أغلق عينيه من قوة أشعة الشمس التي تزعج رماديتيه.
أنتبه لصوت رفيق دربه جنيدي:
_ صحي النوم يا أبو الفوارس، خلاص وصلنا وجرب الجطر علي محطة مصر.
حاول فتح عينيه بحذر حتي أستطاع أن يري، فالسماء أعلاه ومع حركة القطار يشعر وكأنه يسبق السحاب والطيور المحلقة، تذكر أحداث أمس فنهض بحذر حيث مازال هو ومن معه يتسطحا فوق القطار.
_
نهض بجذعه وجلس يثني أحدي ركبتيه يستند عليها بساعده، يستنشق نسيم الصباح بعمق ويطلق زفرة بقوة، وخصلات شعره تداعبها نسمات الهواء الباردة.
_ صباح الخير يا چنيدي.
رد جنيدي الذي يزفر دخان سيجارة معلقة بين أنامله:
_ صباح النور يا صاحبي، يلا أچهز لأچل هنط جبل ما ندخلو المحطة.
غر فارس فاهه بتعجب:
_ هنط كيف؟.
أجاب الآخر ويشير له نحو نهاية العربة التي يتسطحان أعلاها:
_ هنجوم نمشي لحد آخر العربية دي وهننزل في الفاصل الي بينها وبين العربية التانيه، بس يلا جوم هم جبل ما نتجفش من بتوع التفتيش والحكومة المرشجه في المحطة.
نهض كليهما وساروا بحذر فهبطا بين العربتين وعندما هدأت سرعة وأصبحت بطيئة إستعداداً لولجه إلي المحطة، قاما بالقفز معاً.
وبعد سير مسافة وصل كليهما إلي ميدان رمسيس، فأوقفه جنيدي وقال:
_
_ أجف أهنه عجبال ما أروح أعمل تليفون ونچيب لنا حاچة نفطرو.
_ هاتحدت ويا مين؟.
_ واحد بلديتنا عايش أهنه هجوله يشوفلنا مطرح نريحو فيه وشغل لأچل الواكل والشرب.
حك ذقنه يفكر فيما أخبره، فقال:
_ طيب روح ومتعوجش، عاود بسرعة.
_ حاضر، خليك أنت مكانك وماتتحركش كيف ما أنت شايف الدنيا واسعة وإحنا نمل ماشي فيها وممكن نتوه من بعضينا.
ذهب جنيدي وجلس فارس ينتظره علي الرصيف، يتأمل الميدان الذي يعمه القليل من الهدوء فمازالت معظم المتاجر مغلقة فالوقت مبكراً ، تنهد بأريحية مستنشقاً الهواء و مد ساقيه أمامه علي الأسفلت وإستند علي يديه مائلاً بجذعه قليلاً إلي الخلف، أغمض عينيه ليراها في مخيلته، زفر بشوق وحنين قائلاً:
_ أتوحشتيني جوي يا جلب فا…..
قاطع جملته شئ ما أصتدم بساقه يتبعه صياح بصوت أنثوي:
_ أنت يا أخينا، قاعدلي علي الرصيف و واخد راحتك علي الآخر وفارد لي رجليك، كنت هتكعبل علي وشي بسببك دلوقت.
_
فتح عينيه ليجد أمامه فتاة ذات بشرة بيضاء يزين وجهها بعض مساحيق التجميل تبرز جمال شفتيها الورديه وعينيها اللوزية تزينها عدسات لاصقة رمادية، متوسطة الطول وجسدها متناسق، وبرغم جمالها الذي يجذب من ينظر إليها لكن يعلو وجهها بعض الحدية، يبدو إنها ذات شخصية حادة إلي حد ما.
رد فارس بكل زوق و رقي:
_ معلش لو كنت ضايجتك.
وضعت يدها في خصرها تتشدق بحنق:
_ معلش! ، أصرفها منين دي والشوز بتاعي الأبيض أتوسخ ومنظره بقي زفت وكل ده بسببك.
ألقي نظرة علي حذائها فأخرج من جيب بنطاله المتسخ كيس صغير يحتوي علي محارم ورقية، مد يده به إليها قائلاً:
_ أتفضلي مناديل أهه.
رمقته بإزدراء لهيئته المزرية بسبب ثيابه التي لم يبدلها منذ دخوله إلي السجن.
قالت بأنفة وعنجهية:
_ ده الشوز كده هيتوسخ أكتر، خلي مناديلك معاك.
_
ولوحت يدها برفض وتقزز، أثارت كلماتها وتعابير وجهها غضبه، يبدو هدوءه وتعامله معها بالزوق كان خطأ، كادت تذهب فأوقفها بصوت غاضب:
_ وجفي عندك.
ألتفتت له ونظرت إليه لتجد ملامحه الوديعة التي كان يتحدث بها منذ ثوان تحولت إلي أخري تركت بداخلها الشعور بالخوف لكنها لم تظهر ذلك بل قالت:
_ بتكلمني أنا؟.
نظر علي يمينه ويساره بتهكم وقال:
_ شايفه حد غيرك في الشارع عاد!، أيوه بكلمك أنتي، شكلك لساتك عيلة صغيرة أهلها مدلعينها دلع مرق وماسخ، و واخدة مجلب في نفسيها جوي، وفوج كل دي جليلة الذوق.
إستمعت لكلماته بدهشة وذهول من هو لكي يتحدث معها هكذا وينعتها بكل ما قاله، فتحت فاهها لترد إهانته لكنه سبقها:
_ كلمة إكده ولا إكده هانسي إنك حرمة وهاسمعك كلام شين ميعچبكيش واصل، يلا أمشي من أهنه.
صاح بجملته الأخيرة مما جعلها خشيت تنفيذ تهديده فمظهره وأسلوبه الحاد الذي تفوه به للتو جعلها تخشي منه ومن ما سيفعله إذا تطاولت عليه مرة أخري، زفرت بحنق ترمقه بإزدراء من أعلي لأسفل ثم تركته وذهبت.
فقال لها:
_
_ بصي علي قدك.
_ عتتحدت ويا نفسك ولا أي ياصاحبي؟.
قالها چنيدي الذي وصل للتو يحمل كيس مليئ بالشطائر وجلس بجوار فارس، فأشار له الآخر نحو الفتاة التي وقفت في الجهة المقابلة لتستقل سيارة أجرة.
_ دي بت چاية تتشاكل علي الصبح أتحدت وياها بكل أحترام فشافت نفسها عليا، أديتهملها فوج دماغها معرفتش تنطج ومشيت.
_ ولسه هاتشوف، بنته مصر أهنه وشهم مكشوف تلاجي الواحدة منيهم تجف وترد عليك من غير خشا ولا حيا وصوتها يچيب لأخر الشارع.
_ مش كلاتهم يا چنيدي، في كل مطرح فيه الزينة والشينة وبترچع للتربية والأهل والبيت الي خارچة منه.
فتح چنيدي الكيس الذي يحمله وأخرج منه الشطائر يفك لفافة الجرائد ويفترشها بينهما:
_ فوكك من كل دي ويلا جبل ما الواكل يبرد، چايب طعمية لسه خارچة من الزيت وفول وش الجدرة وفلفل حراج من الي جلبك يحبه.
وقبل أن يمد يده ليأكل سأله بترقب:
_ وچييت الفلوس منين؟ .
_
تناول شطيرة وقضم منها قطعة وأخذ يلوكها بداخل فمه:
_ مصالح كنت بطلع بيها من السچن، خابر أنت الراچل الي رچالته هربونا ده كان مغرجنا سچاير و واكل آخر حلاوة، والي محتاچ حاچة ويطلبها منيه يعطيها له، وكل ما يجع في يدي جرشين أتاويهم، وأهو نفعونا دلوق، تخيل لو كنا علي عبد الحميد المچيد ومنملكش جرش واحد كان هيبجي وضعنا أي! .
حدجه فارس ويراقب ردة فعله :
_ أوعاك تكون چايبهم من الحرام.
ترك ما في يده يرمقه بإمتعاض مُزيف :
_ عيب عليك لما تشكك في صاحبك وتجول إكده، أنا جولتلك چايبهم من مصالح ما سرجهمش.
تنهد بأريحية وقال:
_ معلش، لو سؤالي ضايجك، أصل أني ما أجبلش الحرام واصل حتي لو هاموت من الچوع.
أمسك جنيدي بشطيرة ومدها إليه:
_ ماتجلجش ياصاحبي، فلوس حلال، خد كول بجي، الراچل زمانه علي وصول.
_
أخذ منه الشطيرة وبدأ في إلتهامها بنهم:



