مذكرات حائر بقلم هالة الشاعر ج٨
الحلقه الاخيره
” الحصان الأسود ”
نظر لها وهي هائمه لا تبالي الي اين يأخذها , فقط تنظر الي الخارج ولا تهتم الي أي شيء .
نظر الي الطريق الوعر أمامه ثم نظر لها مرة أخري ولامس وجنتها بظهر أصابعه برقه جعلها تلتفت له وتبتسم ابتسامه هادئة , ابتسم لها بود هو الأخر وأدار مشغل الموسيقي بالسيارة علي اغنيتها المفضلة لتنظر له مرة اخري وتبتسم وتسرح مع الأغنية .
امسك المقود بكلتا يديه يعلم تمام العلم انها لم تحبه وتعشقه مثل احمد رحمه الله , انها تجد به حضن الأخ الأمان الذي تريده بشده أكثر من أي شيء أخر , وهو يعلم انها تعلم بانه يعلم بأنها لا تهيم به عشقا وانما هو شعور من الاستقرار والامتنان لم يتولد في قلبها ذلك الافتتان والسحر به , ومع ذلك هو رضي بذلك يوم ان اتفقوا سويا علي متابعة حياتهم معا ” أنا اسفة يا عبد الرحمن بس متتوقعش مني ان احبك في يوم وليلة وانا بقالي سنين معتبراك اخويا الكبير اللي لازم احترمه ” ” متقلقيش العشرة بنا هي هتعلمك ازاي تحبيني زي ما بحبك ” .
لم تكذب عليه منذ اليوم الأول كانت صريحة معه , فحبها لأحمد لم يكن بالحب الهين ولأنه هو نفسه حبه لها لم يكن بالحب الهين استطاع تدارك مشاعرها هذه لأنه حاول محاولات عده كي ينساها ولم يستطع اما عن احمد رحمه الله فقد ذهب فجأة رحل عنها وهم علي اتم الوفاق , لم ينفصلا مثلا لم يحدث بينهم شقاق يجعل مقدار حبه يتناقص في قلبها , لا هو فقط رحل واخذ معه قطعه لا بأس بها من قلبها الي الأبد .
هو يعلم تمام العلم بذلك ومع ذلك رضي وسعيد بهذا الجزء الصغير الذي يحتل قلبها ويعلم انه يوم بعد يوم يزداد قليلا وسوف يكبر الي ان يحتل كل ما تبقي من قلبها يوما ما ….
نظر مرة اخري نحوها وهي شارده تعبث بأصابعها مع الحان الموسيقي لأغنيتها المفضلة ” Some body ” , يشعر بأن هذا جزء من العقاب أجل هو لم يسامحه نفسه بعد تماما لأنه أحب زوجه أخيه حتي ولو كان أحبها من قبله , اما بالنسبة لعدم وجود فرصه لأن ينجب منها أطفال , حسنا لقد مر ثلاثة اشهر منذ أن أجرت العملية الجراحية تلك العملية التي ادخلت كل منهم في صمت رهيب شعر أخيرا بما تشعر به , مؤلم هو الصمت كثيرا .
استمر لمده خمسه ايام دون ان يستطيع ان ينطق بكلمه واحده ولكنه قاوم رغبته في الصمت هذه وأثر عليها سارا وتكلم معها باليوم الخامس اثناء سيرها كما اوصي الطبيب كي لا تتجلط الدماء بقدمها من أثار تلك العملية , يومها اخرج نفسه من شجونه وتحدث معها وعندما تكلم حسها بشدة علي التكلم هي الأخرى ونجح في جعلها أن تنطق بأول كلمه بعد ثلاثة أيام منه لقد نجح من اجلها فقط وليس من اجل شيء اخر .
لم يؤلمه حقا ان لن يصبح لديه اولاد رغم انه تمني بشدة ان يكون هناك طفل يربطه بها الي الأبد ولكن ما ألمه حقا ورأي فيه بقايا من العقاب الواجب عليه تنفيذه هو آلمها هي , اجل لم يستطع تحمل نظرة اليأس بعينيها بعد ان علمت انه لم يعد هناك أي مجال لمجرد الحلم بأنجاب طفل في يوم ما من الأيام , وها هي الأن معه علي الطريق حيث يأمل كل الأمل بأن تكون هذه وسيله اعادتها للحياة مرة اخري بعد ما مرت به .
نظر اليها وداعب خدها برقة مرة اخري لتنظر له , لقد كانت الأغنية علي وشك الانتهاء فتمتم وهو هائم بها مع المغني : Some body hope that someday you will see that some body is me ……..
لتبتسم له ابتسامه مرحه تكشف عن اسنانها الصغيرة , كل شيء بها صغير وضئيل ومع ذلك يعشق تأثيرها الكبير عليه .
بعد ساعة وصل اخير الي وجهته , نزل وفتح الباب الي سارا وامسك بيدها وتوغلا معا بأرض قريه ما ” هو احنا رايحين فين ؟ ” سالت ببراءة الاطفال , ابتسم لها ” الوقتي تعرفي كل حاجه ” .
عندما دلف عبد الرحمن معها قابلهم عمدة هذه القرية ورحب بهم كثيرا والقي التحية علي سارا , كان رجل عجوز ودود وله ابتسامه بشوشه مرحه , اشار عبدالرحمن بيده نحو سارا ” دي الست سارا المسئولة عن كل حاجه ” ” يا ألف أهلا وسهلا , حمد الله علي السلامة يا هانم , ربنا يجزيكي غير عن كل اهل القرية ” لقد تغيرت طريقة الرجل معها علي الفور وزاد حبورا بها واشارا وهو يسرع بخطوته ” أتفضلوا أتفضلوا ” نظرت سارا ببلاهة نحو عبد الرحمن ” مسئولة عن إيه ؟ انا مش فاهمة حاجه ! ” ” مش كنتي عاوزة تعملي صدقة جاريه لأحمد الله يرحمه ” ” اها ” ” اديكي عملتيها يا ستي ” ” أزاااي !! ” ابتسم وربت عليها ” تعالي وانا اوريكي ” واشار لسائق العربة التي كانت تتبعه بأن يأتي بالأغراض .
ذهبت سارا وجلست في مساحه واسعة امام منزل العمدة ” ها يا عمدة ايه الاخبار ؟ ” ” كله تمام يا سعادته البيه الشغل في المستشفى والمدرسة والجامع شغل كل العاطلين عن العمل والرجالة والستات كلها بتدعي لك انت والست سارا ” نظرت له سارا وهي مبتسمة وغير مصدقه , ثم قال له بعد ان اشاح نظرة عنها ” جمعت لي اللي قولتلك عليهم ؟ ” ” ايوة يا سعادته البيه دقيقة ويبقوا هنا ” .
وطلب من الغفير ادخال الاطفال , همس عبد الرحمن بأذنها ” يالا عشان تدلهم الهدايا اللي جبتيها عشانهم ” ” أنا !! ” ” أيوة أنتي ” .
دخل عليهم حوالي الخمسين طفل تتراوح اعمارهم من الرابعة والثالثة الي العاشرة والحادية عشرة من الفتيات والفتيان ” دول عيال القرية كلها يا بيه زي ما سعدتك امرت بالظبط ” , كانت الأطفال خجله وبعضهم كان مرتعب أشفقت سارا عليهم كثيرا وذهبت امامهم ونزلت علي ركبتها ” أنت خايف ليه بس تعالي ! ” كان طفل صغير في الخامسة من عمرة يقف وينظر برعب لكل الأطفال ” اسمك ايه ؟ ” ” عبد الله ” قالها بتردد شديد , قالت سارا مداعبه ” ممكن اخد بوسه ” ازاح اصبعه من فمه وهز برأسه وهو لا يزال متوتر ولكن تشتت انتباهه بالهدايا خلف سارا , قبلته وضمته اليها ثم اعطته الهديه وبعد ان رأي الأطفال ان سارا تضمهم وتعطيهم الهدايا , اقبلوا عليها دون خوف وبدأوا يضحكوا معها ويمرحوا وركضت فتاه يبدوا عليها الشقاوة اسمها فاطمة تقبل سارا وتضمها دون أي خوف احبتها سارا كثيرا وظلت ممسكه بيدها حتي بعد انتهاء توزيع الهدايا .
شعرت سارا بسرور غير عادي بعد الهم والحزن التي كانت فيه منذ قليل وخرجت وهي ممسكه بعبد الرحمن واليد الأخر ممسكه بفاطمة وعندما خرجوا وجدوا اهالي الأطفال يرحبون بهم كثيرا خصوصا سارا وأطلقوا الزغاريد بكل مكان والجميع يهنئها لأنها قامت من مرضها سالمه , لم تعرف ما العمل حقا لأنها لم تفعل أي من هذا .
بعد مده من السلام والتحدث معهم جاء رجل وسلم بحب علي عبد الرحمن , يبدو انه صديق ما من طريقة سلامه وكلامه معه ثم نظر الي سارا وقال بمرح ” اخيرا يا مدام سارا نورتينا حمد الله علي السلامة ” ” الله يسلمك ” ” انتي مش عارفاني ولا ايه هو الواد مش بيحكي لك عني ؟ ” وفرك راس عبد الرحمن بمرح ” لا ازاي مش فاكره لما قولت لك انا ليا صاحب من ايام الجامعة في رخامة الدنيا والأخرة , اهو هو ده حازم الرخم ” ضحكت سارا رغم عنها لمزاحهم هذا .
” ها جبت اللي قولتلك علية ؟ ” ” عيب يا بني انا مش شويا هنا ” وذهب وعندما عاد كان معه حصان اسود كبير قال عبد الرحمن ” يالا يا سارا اركبي ” ” بتهذر ! اركب فين ؟ لا طبعا اكيد هقع ” ” ههه متخفيش انا هركب وراكي ” ” لا والله اطمنت انا كده ما احنا اللي اتنين هنقع ومش هنلاقي حد يروحنا ! ” ” اقع ازاي بس يا بنت انا احسن واحد بيركب خيل في النادي ” ” بجد ! ” ” طبعا بجد يالا بقي مش عاوزين نتأخر ” ساعدها علي الركوب وصعد هو بخفه وسرعه بعدها ومشي بهدوء في القرية والكل ينظر لهم ويلقي السلام علي عبد الرحمن وكأنه يعرفه , كانت سارا خجله للغاية وفي نفس الوقت فرحه , نظرت له بحب ” كل دي مفاجئات ” ” ولسه لما تعرفي الباقي ” دهشت منه ” لسه في ! ” ” اهااا ” قالها بثقة وهو يضحك .
طوال الطريق كان يلقي احد الرجال عليه السلام ويرد عليه عبد الرحمن عليه باسمه السلام , نظرت له مرة اخري وكأنها لا تعلم أي شيء عن هذا الجالس خلفها فهو يفاجئها اليوم كثيرا , ” الناس دي كلها عرفاك وانت عارف اسمهم أزاي ؟ ” ” عشان انا اشتغلت معاهم قبل كده ” نظرت له بسرعة ” هي دي القرية اللي انت بدأت بيها …. ” هز رأسه موافقا ” ودول الرجالة اللي اشتغلوا معاك ….. ” هز رأسه موافقا ايضا هذه المرة .
” طب ليه مفهمهم اني انا اللي عملت كده , انا حاسة بالذنب عشان مقولتش اني معملتش حاجه ” ” ومين قال كده الفكرة فكرتك والفلوس بتاعتك ” ” بجد ازاي ؟! ” ” مش انتي اللي فكرتي في فكرة صدقه جاريه لأحمد ” أها ” ” والفلوس اللي اتعمل بيها المستشفى والجامع والمدرسة ارباحك من ساعة ما بقي الورث ملكك وفلوس الذكاة بتاعة املاكك التانية وفلوس الذكاة بتاعتي انا وبابا وماما ومحمد وحسام وعم شاكر كمان ” دمعت عيناها بشدة ” كلكوا عملتوا كده ! ” ” إيه رأيك بقي في المفاجأة ؟ ” ” دي احلي حاجه في الدنيا حد عملها ليا قبل كده يا عبد الرحمن ” نزلت دموعها وامسكت بيده الملفوفة حول خصرها .
فرح عبد الرحمن كثيرا لأنه نجح بإيجاد طريقة تخرجها من صمتها وحزنها بل وتضمن عدم شرودها مرة اخري , همس بأذنها وهي تمسح دموعها ” ها مستعده لمفاجأة كمان ؟ ” ” لسه في ؟ ” ” هههه أيوة ” ” انا كده قلبي هيطير مني ” ” بوصي يا ستي انا عملت صندوق اسمه صدقة جاريه الصندوق ده انتي مسئوله عنه من هنا ورايح كل سنه الذكاة بتعتنا كلنا هتروح ليه وانا كلمت ناس صاحبي وعملا واصحاب شركات من اللي بنتعامل معاهم بفكرة الصندوق واللي ناوين نعمله بيه وعدد كبير منهم اوي وعدني ان نص ذكاتهم كل سنه هتروح للصندوق ده ” ” طيب وانا هعمل ايه بعد كده ؟ ” ” في ناس كتير مش بيوصل لها مايه هنا وفي بيوت وقعت وعاوزه سقف وفي كهربا لسه مدخلتش تقدري تعملي مليون حاجه وتساعدي باللي تقدري عليه , ها موافقة ولا مش قد المسئولية دي ؟ ” ” عملت كل ده عشاني يا عبد الرحمن ؟ ” والتفتت وقبلته من وجنته غير عابئة بأنهم يسيرون واعين القرية كلها عليهم وتراقبهم ” هههه يا مجنونة انتي فاكرانا في شرم بوصي قدامك متوديناش في داهية ” قالت بمرح من بين دموع فرحها ” الله مش انت جوزي ! ” ” والله ! الوقتي بس بقيت جوزك مانا متلقح قدامك طول اليوم إلا عمرك ما حنيتي عليا وجتِ بوستيني لله في لله ” ضحكت له ” من هنا ورايح هبوسك علي طول كويس كده ” نظر لها بمكر ثم همس بأذنها ” اما نشوف يا ست سارا البوسة تكدب الغطاس ” وتركها تضحك بشدة لما قاله لها , وشعر بالسعادة والفرح لسعادتها هذه .
وصلوا اخيرا لأماكن الأنشاء ونزلوا عن الحصان ” انا عمري في حياتي ما ركبت حصان وبجد أحساس تحفة , كأني بطله في رواية من بتوع زمان ” همس لها ” انتي البطلة في رويتي ” ” لاااا ده انت انهارده حالتك حاله ! ” , رأت سارا الاساسات والإنشاءات لكل من المسجد والمشفى والمدرسة , لقد كانوا بأماكن متقاربة وكلما مروا علي مكان يحي الجميع عبد الرحمن بحرارة وكانوا يشكروها هي الأخرى , وبعد ذلك قدمت فتاتان جميلتان عرفهم عبد الرحمن علي سارا ” سارا , هبه وهدير الاتنين اخوات هبه في سنه تانيه أداب اعلام وهدير في تربيه انجليزي سنه رابعة وهما الاتنين مسئولين عن توصيل طلبات ونواقص القرية ليكي , يعني تقدري تعتبريهم دراعك اليمين هنا ” .
تعرفت سارا عليهم ورحب بها الأثنان أيضا ” من هنا ورايح هتتوصلوا مع سارا بدالي وهي هتيجي مرتين تلاته في الشهر تشوف الشغل عامل أزاي ” وبعد قليل قدم طبيب شاب وطبيبه بدي عليهم حديثي التخرج وتكلموا بحماسه شديدة عن سعادتهم بافتتاح المشفى عن قريب وعن كميه الارواح التي سوف يعالجها هذا المشفى .
بعد الانتهاء من الجولة والتعرف علي مشاكل القرية , قررت سارا التواصل مع شباب القرية التي قابلتهم كي يجدوا معا حلول لكل مشكلات القرية .
رجع بها عبد الرحمن وهو ممسك يدها وهي تتأمله بأعجاب شديد , ضحك مقهقه ” محسساني ان دي اول مرة تشوفيني فيها ” كانت تبتسم له بحب ” انت ازاي عملت كده ؟ ” ” يا بنتي انا مش شوايا في البلد دي ” ورفع عضله ذراعة وقبلها , ضحكت سارا ” مغرور مش ده قصدي ” ” امال قصدك ايه ؟ ” ” انا طول عمري من وانا في الجامعة بحلم اني اعمل حاجه زي كده وكنت بحب العمل التطوعي أوي , بس لما خلصت انشغلت في الدنيا وتوهت عن اللي بحلم بيه وانت جيت في ساعة واحده حققتلي حلم من ايام الجامعة انا نفسي نسيته !! ” ابتسم عبد الرحمن في نفسة , هو لم يعلم أي شيء عن هذا الأمر ولكنه كان يعلم جيدا ان سارا لن تمانع بمساعدة احد أبدا فهذه هي سارا التي يعرفها ولكنه قرر ان يشاكسها ” أنا اعرفك اكتر من نفسك حتي , ده يعلمك ما تحوليش تهربي لأني مش هسمحلك فاهمه ولا أقرأ كل حاجه في عاقلك وأسيح لك في القرية كلها هنا ! ”
” لا لا وعلي ايه فاهمة فاهمة وأهرب ليه ؟ البلد دي أحسن من غيرها بردو ! ” .
انتهت جولتهم في القرية وحالما ركبت السيارة وابتعدوا عن القرية صفقت سارا بيدها عندما وجدت فكرة لامعه , ” أنا عرفت الحل ” ” حل إيه ؟! ” ” مش العمدة كان قلقان لما الشغل في المسجد والمستشفى والمدرسة يخلص الرجالة دول هيشتغلوا في إيه ؟ ! ” زم عبد الرحمن شفتيه بجديه ” فعلا دي مشكله لسه معرفناش هنعمل فيها إيه ؟ ” ” أنا عرفت مصنع ملابس يشتغل ورديتين الصبح ستات وبالليل رجاله إيه رأيك ؟ ” ابتسم عبد الرحمن ودمعت عيناه بدموع الفرح غير مصدق أن سارا التي تسير هائمة تضحك وتفكر بل وتجد حلول خلاقة أيضا .
ابتسمت سارا له ثم قالت بخجل ” هي فكرة عبيطة ولا إيه ؟ ” ” بالعكس ده حل من أنسب الحلول خصوصا أن مصنع الملابس مش هيكلفنا كتير ونقدر نفتح كذا محل في القاهرة منفذ بيع للملابس اللي هيصنعوها ونعمل نص الأرباح لقرية تانيه نبدأ معاها من أول وجديد ” صفقت سارا بحماسة ” الله عليك يا بودي يا جاااامد هو ده فريق بودي وصرصور ” ضحك مقهقه غير مصدق مدي الانسجام القائم بينهم وكأنهم حبيبين شابين يشاكسون بعضهم , لقد كان احساس غريب تماما عليه ولكنه احساس جميل لا يريد أن يذهب أبدا عنه .
التقطت يده اليمني الممسكة بالمقود وقبلتها بحنان , نظر لها غير مصدق هذه أول مرة تفعل شيء كهذا انها تعامله بتهذيب ولم تتعمد لمسه أبدا من قبل رفع يده وأحتضن وجنتها ووضعت هي رأسها واستكانت عليها , كاد أن يذوب تماما من لمستها هذه وقبلتها الرقيقة علي يده ضمت كفه الي حضنها وهي تنظر له بحنان , لعن حظه السيء فالطريق وعر ويجب ان يركز علي الطريق وتنمي ولو يتأملها الأن كما تتأمله هي , سحب يده علي مضض فالطريق ترابي ومن الخطر تجاهله .
نظرت له بعد مده ” عبد الرحمن ” يا له من صوت معذب ينادي عليه ويعذبه هو الأخر لما يقطر اسمه رقه عندما تلفظه شفتاها ؟ ضرب رأسه بكفة وتأوه في حسرة ” يا حظك يا عبد الرحمن ” ” هههه مالك بس ؟ ” ” لا ابدا متخديش في بالك ” صمتت قليلا وهي تتأمل الأشجار ثم همست باسمه مرة اخري ” عبد الرحمن ” كان صوتها اكثر رقة من المرة الأولي ” يا سارا ابوس ايدك هنتقلب في الترعة دي ” ” انا عملت ايه الوقتي ! ” حطي اسمي والزقيه في الجملة اللي بعدها علي طول مش ناقص عذاب أنا ” ضحكت بشده لطريقته البائسة في الكلام , لم يكن عبد الرحمن مثل احمد لم يكن يتكلم مثله , حقيقة لم يكن يتكلم علي الإطلاق وأقصي شيء يخبرها به هو انه يحبها , ولكنه كان يفعل ويفعل أشياء تجعلها سعيدة مثل الأن وهي تفكر وتخطط للمستقبل الذي اشرق فجأة وغمرها شعاع دفئة بدون أي حساب ….. .
*** **** ****
_ مرت سنوات تري تقلبات بين الحزن والسعادة والفرح والفراق أصبحوا أقوي الأن يستطيعون مواجهه الصعاب بالصبر والتماسك , لم تنتهي المشاكل من حياتهم فهذه هي الحياه اسمها الدنيا انها ادني بكل شيء ولن ينال احد الراحة الأبدية سوي بالأخرة انه قانون يحكم كل شيء وعلينا العمل بجد لننال ما نستحق بالأخرة ….
_ بعد سنوات علم عبد الرحمن أن كل سنوات عذابة الفائت هي لا شيء , فسارا عوضته عن ذلك وأكثر ومحت أي مرارة او شعور بالوحدة مر به من قبل كان لها الابن والاخ والحبيب والصديق والعشيق والزوج , كانت تفعل له كل شيء وتفعل معه أي شيء , شعر بحنان الأم رغم ان والدته كانت في غاية الحنيه الا ان خوف سارا عليه كان له طعم اخر طعم رائع .
كان يسعد كثيرا حين تهتم به هكذا فهي تعرف عنه ادق التفاصيل تقرأ عينه دون ان يتحدث لقد صبر صبرا طويلا واخذ أكثر مما يستحق .
انها ببساطه تملك طاقة خفيه من الحب والحنان تبثها حولها بغير حساب وتغرق من تحب بها , إنها ببساطه ….. سارا .
*** **** ****
خصصت تلك الغرفة لهوايتها المفضلة أو لهوايتهم المفضلة , فالمنزل كبير للغاية وملئ بالغرف لذا استخدمت تلك الغرفة لهوايتهم لمفضلة وضعت الأرجوحة المفضلة لها امام الشرفة ولكن بداخل الحجرة , غمرت الشرفة بمختلف انواع الورود المزروعة بها , ويتدلى منها قفص وردي رائع به عصفوران صغيران وخصصت حائط كامل لمكتبتها التي بها كل كتبها المفضلة فهي عندما تعشق كتاب تقرأه مرة واثنين وثلاثة وتتابعه كل مرة بنفس الشغف .
اشعلت الشموع رغم ان الشمس لم تسقط بعد من السماء ولكنها تحب هذا الجو الرومانسي الذي تغلفه هاله الشموع , جلست بفستانها الاسود الرقيق عاري الأكمام , واخيرا عكفت عن قص شعرها فعبد الرحمن يحب الشعر الطويل لذلك تركت العنان له أصبح يصل الان الي اسفل خصرها , وتزينت بزينه رقيقة علي وجهها كما يحب هو تماما .
ضمت الكتاب الي صدرها وهي تستمع الي اغنيتها المفضلة الجديدة لنفس المطرب “ Enrique Iglesias “ ، “ Heart attack “ .
جاء عبد الرحمن من خلفها واخرجها من شرودها رغم ان الأغنية صاخبة نوعا ما وهمس بأذنها :
I don’t want live in these world without you
لا أريد أن اعيش في هذا العالم بدونك
ثم نظر الي ساعته ” جاي في معادي بالظبط وعاوز مكافأة بوستين منك ” بينما نظرت هي الي جهازها اللوحي ” يا سلام بقي حضرتك متأخر دقيقتين وعاوز مكافأة كمان ! ” ” انا عارف اني بجح بس من عشمي بقي ” وقبل وجنتها وجلس الي جوارها وضمها الي صدرة بينما استكانت هي له واسندت ظهرها علي صدرة كي تقرأ له , وحالما بدأت ذهب الي ذلك العالم الذي تقرأ عنه فصوتها له سحر يأخذك الي داخل الحكاية ويجعل منك انت البطل .
ظلوا هكذا طوال ساعة كامله وبعدها اغلقت هي الكتاب وتنهدت بشدة ” ايه وقفتي ليه ؟ ” ” لو قرأت الفصل اللي بعدة مش هقدر أوقف ” ” انتي قارئتيها قبل كده ؟ ” ” اها دي تالت مرة اقرائها Hanger game العاب الجوع , بعشق الثلاثية وبعشق افلامها ” بس دول اربع افلام ” ” اها هما قسموا الجزء التالت علي فلمين , تعرف انهم دايما بيجيبوا المستقبل وحش وانا فعلا بدأت اصدق فعلا ان المستقبل هيبقي وحش ” ” ليه يا سارا ؟ ” ” اممم مثلا اسمع بابا وعمو شهاب وهما بيتكلموا عن مصر ايام زمان وشوف احنا عايشين ازاي الوقتي بحس كل ما بنتقدم كل ما مشاعرنا بتتحجر وقلوبنا بتجمد ” زم شفتيه وهز رأسه موافقا ” بس مش معقول يبقي بالكأبة دي ! ” ” ههه أقولك علي الصراحة انا كملت الثلاثية مخصوص عشان اعرف بيتا هيتجوز كاتنيس ولا لأ ونسيت موضوع الثورة مع انه هو محور الثلاثية كلها ” سال بمكر ” طيب بيتا هيتجوزها ولا لأ ؟ ” نظرت له وطرقت انفه بإصبعها ” يا مفتري احنا لسه مخلصناش الجزء الاول وعاوز تعرف نهاية الجزء التالت ” ” وفيها إيه ؟ ” ” انت عارف اني مبحبش احرق الرواية اصبر علي مهلك وانت تعرف وحده وحده ” ” اممم خلاص مش هقولك علي المفاجأة ” ” بجد مفاجأة ايه ! ” وصفقت بيدها مثل الاطفال ” المفاجأة اللي تحت ” رمت الكتاب من يدها وهرعت الي الاسفل بينما صاح هو ” ســـــارا براحة وانتي نازله علي السلم ” فهو يشعر بأنها خرقاء نوعا ما فهي تسقط وتجرح نفسها لأتفه الاسباب حتي ان الاطفال الموجودون بالمنزل لا يسقطون بنفس المعدل ! , ركض خلفها بينما اخذت هي تبحث بكل مكان بالأسفل الي ان وجدت رزمه من الكتب في الصالون ملفوفه بشريط احمر عريض , اخذت تقفز من الفرح ” كل دي كتب ليا انا ” ” احم احم وانا حضرتك ! ” هرعت نحوه ووقفت علي اطراف اصابعها كي تقبل وجنته ” هههه طيب مش تشوفي الكتب الاول جايز متعجبكيش ” قالت بتحدي ” مستحيل تجيب حاجه متعجبنيش ” وجلست علي ركبتيها امام الكتب تفتح الشريط بحماسة .
ترقبها بفرحه خفية داخله فهو يشعر أحيانا انها ابنته الصغرى التي يجب ان يفاجئها ويجعلها متحيرة وفرحه , كم يعشقها وابتسم لنفسه وما حاجتي للأطفال وانا امتلك هذه ” الأوزعة ” .
بينما هي كانت تبحث الكتب نظرت لأول اسم ودهشت والثاني والثالث الي عاشر كتاب نظرت له وفمها مفتوح وتركتهم وصاحت به ” انا هتجنن انا لازم اعرف انت عرفت الكتب اللي عاوزة اشتريها أزاي ؟! ” ثم أردفت ” أزاي بتعرف اللي في دماغي ؟!! ” ” مستحيل اكشف ليكي عن المخبر الصغير اللي مشية وراكي ” , ضربت الارض بقدمها ” أنا مقولتش لجنس مخلوق علي كتاب واحد من دول ” واخذت تعبث بذراعة الضخم كي يخبرها ولكنه لم يفعل , عقدت ذراعيها بغضب طفولي ” لو مقولتش ليا مش هشجعك انهارده في المصارعة ” تنهد وقال اخيرا ” بوصي دي اخر مرة هكشف لك سري فاهمه ولا لأ ” ” ماشي موافقة ” ابتسم بشدة ” الحل بسيط خالص دخلت علي جروب الكتب بتاعك واشتريت الكتب اللي لقيتك عامله لايك عليها ” ضحك الاثنان معا ” اه منك انت والله عقلي كان هيتجنن أزاي انت بتعرف الحاجات اللي بفكر فيها من غير ما اقول ” .
_ طرقات خفيفة علي الباب يعلمون جيدا من هو صاحبها ” افتح انت وانا هرفع الكتب دي عشان لو شافها لا انا ولا انت هنقرأ كلمه منها ” , فتح الباب ونظر الي الاسفل الي طفل صغير يبلغ من العمر ثلاث سنوات ونصف حالما فتح له عبد الرحمن قال الطفل بآسي ” ثارا فين ؟ ” تكهن عليه عبد الرحمن ” ثارا فين ؟ , صدق ياض انت رخم زي ابوك , مفيش ازيك يا بودي داخل علي ثارا وش كده ” وحمله بحب وقبله من وجنته ” بس بحبك بردوا ” وحالما ضمه اليه ” إيه يا أحمد المايه دي ؟! ” وشم عبد الرحمن يده وتأفف ” أخص الله يخيبك ! كده يا احمد دا انا لسه مستحمي ومغير مش تقول انك عاملها ” ضربة الصغير علي فمه ثم كتمه باليد الأخرى وقال بخوف طفولي ” أوووش مامي أمل ضابني أه أه ” , دخل عبد الرحمن واغلق الباب وتكهن عليه مرة أخري ” مامي امل ضابني أه اه , يا شيخ دي حقها تعلقك في البلكونة بمشبك من رجلك عشان ترحمنا بقي شويا ده مفيش حته في البيت فوق وتحت سلمت منك ومن عمايلك ” .
حالما رأي الصغير سارا صاح باسمها ومد يده في الهواء ” ثـــارا ” ” إيه يا حبيبي تعالي ” انزله عبد الرحمن من يده الي الارض ” خالي بالك عاملها ” شهقت سارا شهقة مفتعله وامسكت بكف عبد الرحمن واخذت تضربه ضربات واهيه ” انا مش قولت البيبي في البوتي ” ونزلت الي احمد وقالت بآسي مفتعل ” بودي وحش عشان مش بيعمل بيبي في البوتي مش كده يا احمد ” هز راسه موافقا ثم ضرب عبد الرحمن عده ضربات وركله وصاح بغضب صارخ ” اعملي بيبي في البوتي يا بودي ” نزعته سارا من امام عبد الرحمن الغاضب الذي عض شفتيه من الغل وصعدت الي الأعلى كي تحممه وتبدل ملابسة فأغراضه تحتل غرفة كامله بالأعلى ! .
بينما صفق عبد الرحمن كف بأخر وأخذ يكلم نفسه ” يعني يا معفن مش كفاية باليت ليا هدومي لأ وكمان طلعت أنا اللي عاملها ماشي ” ثم صاح بهم من الأسفل ” وأنهي بوتي دي اللي هدخل فيها وانا شحط كده !! ” .
نزل الثلاثة الي الاسفل كي يبدأ شجار من نوع اخر يحدث كل جمعه تقريبا , واحيانا كل يوم !!!.
صاح محمد بحسام ” خلي ابنك يبعد عن بنتي احسنلك انت وهو ” ” ارحم نفسك يا محمد دي عيال صغيرة بتلعب ” ” شايف شايف بيزوقها أزاي وحياه ربنا ما هسيبه , خد يالا واد يا احمد ” واخذ يصيح به ويضحك الجدود علي شجارهم هذا , لقد كان حدث أيه صحيح لقد انجبت حور اسم ومسمي فهي فعلا حورية ورثت جمال والدتها وسرقت لب والدها كما فعلت والدتها من قبل كان يهيم بها عشقا وحبا , لم يحب احد قط من قبل مثلما أحبها هي , ولكنه كان يغار عليها بشكل غير عادي ولا يرضي بأن يمسها أي من الاطفال بسوء حتي لو كان ابن اخية .
حملها وهو يقبلها ويداعبها ” حبيب قلب بابا من جوا قمري وقمر حياتي كلها يا ناس مفيش كده حلاوة أبدا ” وأخذ يقبلها بشغف ويضمها اليه وهي الأخرى تعبث بشعرة وتضحك , لم يكن محمد واثق علي قدرته من الأنجاب مرة اخري فهذا الحمل حدث بمعجزة ولكن هذا ليس سبب خوفه الشديد علي حور انه متعلق بها الي اقصي درجه ولم يستطع ان يتخيل يوما انه لو انجب فتاه سوف يهيم بها هكذا , واصبح مسئول بشكل لا يصدق يريد أن يؤمن لها مستقبلها ويفكر بكل شيء لها من الأن , سأل امل ” هو الواد هيروح الحضانة امتي ؟ ” ” حرام عليك بقي يا محمد ده عيل صغير مش فاهم حاجه ” قالت السيدة نور .
جاء احمد يركض نحو عمه محمد يريد اللعب مع حور ” امشي من هنا منتش لاعب معاها ” قام الصغير بإخراج لسانه لمحمد ” حكوز حور ومش حتشوفها تاني هه ” انتفض محمد وهم بالإمساك به وهو مغتاظ ” امش ياض يا …. ” وعض شفتيه غلا وصاح بغضب حقيقي ” لو مسكتك وحياه امي ما هرحمك ” وسط ضحك الجميع علي غيرة محمد هذه .
” ده احنا هنشوف ايام من اخوك ده ربنا العالم بيها ” فعلا يا سارا والله ” ونظر الي اخيه ” ما ترحم نفسك بقي يا محمد امال لما حور تكبر شويا هتعمل إيه ؟ ” ” بس يا عبد الرحمن انا مخي بيغلي لوحده ” ” اخبار ايهاب ايه يا محمد ؟ ” سال السيد شاكر , بعد تصالح ايه ومحمد بعده اشهر اقترحت ايه علي محمد ان يكفلوا طفل صغير كي تخفف عن محمد وهي الأخرى تبث مشاعر الأمومة بداخلها له وبالفعل كفلوا طفل صغير في الخامسة من عمرة ولكنه كان قعيد ومن شهر أعطاهم الطبيب امل بإجراء عمليه بالخارج وقام محمد بعمل اللازم وسافر ايهاب منذ اسبوع .
” الحمد لله يا عمي ان شاء الله هيعمل العملية بعد بكرة ربنا يقوموا بالسلامة احنا كلمناه انهارده واطمنا عليه ” ” ربنا معاه مستنيه ينزل مصر بفارغ الصبر انا عاوزاه يعد معايا يا محمد ” قالت السيدة نور فمحمد قرر بعد اجراء العملية والاطمئنان علي صحه ايهاب ان يأتي بالصغير للجلوس معهم , ” أن شاء الله يا ماما ربنا يقومه بالسلامة ويرجع لينا بخير ” قال محمد ثم التفت الي عبد الرحمن ” عملت إيه في موضوع الأرض للبيت الجديد , انا بنتي هتتجوز معايا مفيش كلب هياخدها من قدامي ” ربتت أيه علي ظهرة وقالت بلهجة محذرة ” مش نهدي بقي شويا ” أزدرد لعابه وحاول جلب الهدوء الي نفسه وتمتم ” انا عارف ان ايامي الجاية زي وشي والله يا رب صبرني ” .
سالت سارا ” بيت جديد ايه يا عبد الرحمن ؟ ” ” اممم دي يا ستي حته ارض اشتريناها بعد 6 اكتوبر بشويا وهنبني عليها بيت كبير لينا كلنا عشان محمد وحسام قرروا يجوزا ولادهم معاهم ” ونظر الي فارس ” حتي فارس له شقة في البيت ده ” ابتسم الجميع بينما قالت سارا ” هي فكرة كويسه اننا نفضل علي طول مع بعض ومنتفرقش بس معقول نسيب هنا !! ” ” هههه ياه لسه بدري اوي علي ما نسيب هنا وفارس في الجامعة كده يمكن نكون سبنا هنا ” تأملت سارا المنزل فهي تعشقه ” مش متخيله بس لو كلهم مشيوا هروح معاهم البيت مش هيبقي له طعم من غيرهم ” امسك بيدها وهو يضحك فهو يعلم كم هذا المنزل غالي علي قلب سارا .
وبعدها انطلقوا جميعا للمباراة الرياضية الاسبوعية عدا السيدة نور والسيدة وفاء جلسوا مع حور واحمد وسط تحذيرات محمد !!

