عداله الناس

“خلوها تمسح المكان وهي واقفة قدام الناس كلها، علشان تتعلم إن أي إهمال ليه تمن.”
كان مساء القاهرة مضيئًا كعادته، والهواء في بهو فندق “السويفي جراند” يحمل رائحة عطر غالٍ ممزوجة برهبة المكان.
الأرض لامعة كأنها مرآة، والعمال يتحركون كالنمل في نظامٍ صارم استعدادًا لاستقبال كبار رجال الأعمال في حفل إطلاق مشروع جديد لمجموعة “السويفي للاستثمار”.
في تلك الأجواء كانت ناــ,,ـريمان عاصم تنحني لتلمع طاولة من الرخام، شعرها مربوط بإحكام، والعرق يتسلل من جبينها رغم برودة المكيّف.
لم يكن يهمّها البهرجة من حولها، كل ما تريده أن تنهي عملها قبل أن يبدأ الحفل حتى لا يراها أحد من هؤلاء الذين لا يرون سوى المظاهر.
لكنّ القدر، كعادته، لم يكن لطيفًا.
بينما كانت تمسك دلو الماء لتغسل البقعة الأخيرة، تعثّر أحد العمال خلفها فاصطدم بها، فانسكب الماء على الأرض وامتد حتى المدخل الرئيسي.
في اللحظة ذاتها، دخل جاسم السويفي بنفسه.
رجل طويل، ملامحه صارمة، عيناه حادتان كأنهما سيفان، لا يبتسم إلا نادرًا. يرتدي بدلة رمادية داكنة، ومعه عدد من الضيوف والإعلاميين.
لم ينتبه أحد أولًا إلى الأرض الزلقة، حتى تقدّم أحد المصورين خطوة واحدة… وسقط أمام الجميع.
صوت الكاميرا ارتطم بالأرض، والدهشة علت الوجوه.
تجمّد الجميع في مكانه، وعيونهم اتجهت نحو مص.در البلل… إلى ناــ,,ـريمان.
كانت واقفة، ممسكة بالدلو الفارغ، عيناها متسعتان كأنها أمام محكمة.
جاسم رفع حاجبه ببطء، وصوته خرج هادئًا لكنه مشحون:
“مين المسؤولة هنا عن المنظر ده؟”
لم تجب في البداية، ثم رفعت يدها بخوف:
“أنا… آسفة يا فندم، كنت بنضّف
قاطعها ببرود:
“نضّفتي، ولا غرّقتي الدنيا؟”
ضحكات خافتة من الحضور. أحدهم همس لآخر:
“شكلها خلاص اتفصلت!”
اقترب منها بخطوات بطيئة، حدّق فيها قليلًا قبل أن يقول:
“اسمك إيه؟”
– “ناــ,,ـريمان… ناــ,,ـريمان عاصم، يا فندم.”
– “بتشتغلي هنا من إمتى؟”
– “شهرين تقريبًا.”
أومأ ببطء.
“طيب يا ناــ,,ـريمان عاصم… تعرفي إن الحفلة دي فيها ناس بملايين؟ وإن أي غلطة صغيرة ممكن تبوّظ سمعتي قدامهم؟”
ابتلعت ريقها بصعوبة، همست:
“غصب عني يا فندم، الراجل خبط فيا—”
لكن جاسم لوّح بيده مقاطعًا:.
“الغلطة غلطة اللي مش واخدة بالها من شغلها.”
ثم نظر نحو مدير القاعة:
“خلوها تمسح المكان وهي واقفة قدام الناس كلها، علشان تتعلم إن أي إهمال ليه تمن.”
صُدمت ناــ,,ـريمان، رفعت نظرها له بذهول:
“حضرتك تقصد… دلوقتي؟ قدام الناس؟”
ابتسم بخفة لا تخلو من قسوة:
“أيوه… دلوقتي.”
صمتٌ ثقيل خيّم على القاعة، والعمال الآخرين تجمّدوا.
لكنها لم تكن تملك خيارًا؛ انحنت وبدأت تمسح الأرض وهي تسمع الهمسات من كل اتجاه.
“غلبانة أوي المسكــ,,ـينة…”
“بس بصراحة، دي غلطتها!”
“جاسم السويفي عمره ما بيرحم حد بيغلط.”
كانت الدموع تحرــ,,ـق عينيها، لكنها أصرّت ألا تسقط.
أنهت التنظيف، ثم قامت، وشكرته بصوت مرتجف:
“خلصت يا فندم.”
نظر إليها لحظة طويلة وقال بهدوءٍ بارد:
“تعلمي المرة الجاية إن الشغل مش نُصّ إحساس.”
ثم رحل.
—
مرت أيام، والواقعة صارت حديث كل العمال.
بعضهم تعاطف معها، وبعضهم سخر منها.
أما ناــ,,ـريمان، فقد كانت كل ليلة تعيد المشهد في ذهنها وتغلي بداخلها.
في إحدى الأمسيات، طُلب منها تنظيف الجناح الرئاسي في الطابق العاشر — وهو جناح لا يُسمح لأي عاملة بدخوله إلا بتصريح خاص.
ذهبت متوترة، فتحت الباب بهدوء، ودخلت.
لم تتوقع أن تجده هناك.
جاسم السويفي بنفسه، جالس على الكرسي، دون جاكيت، sleeves rolled up، عيونه مركّزة في أوراق أمامه.
حين رآها، رفع نظره وقال ببرود:
“انتي اللي اسمك ناــ,,ـريمان، صح؟”
ارتبكت:
“أيوه، يا فندم… أنا جاية أنضّف الجناح حسب الجدول.”
أشار إلى الكراسي:
“سيبي التنظيف شوية… عايز أكلمك.”
جلست مترددة، وأمسكت بيديها في حجرها.
قال بهدوء غريب:
“الناس في الشغل قالولي إنك ما بطّلتش تيجي رغم اللي حصل. كنت متوقع تستقيلي.”
نظرت إليه بثبات هذه المرة:
“أنا محتاجة الشغل يا فندم. والحزن عمره ما هيأكلنيعيش.”
ابتسم ابتسامة قصيرة غير متوقعة.
“كلام كبير.”
– “مش كبير، بس حقيقي.”
سكت لحظة ثم قال:
“تعرفي… أنا ما بحبش أعتذر. بس الليلة دي حصل فيها حاجات كتير، وأنا كنت متعصّب.”
نظرت إليه بدهشة:
“حضرتك… بتعتذر؟”
ضحك بخفة:
“مش بالضبط. بس خليني أقول إني كنت قاسي زيادة عن اللزوم.”
سكتت، لا تعرف بماذا ترد.
لكنه أكمل بنبرة عملية:
“بما إنك لسه مصمّمة تكمّلي، عندي ليكي اختبار. الأسبوع الجاي عندنا مؤتمر دولي، وعايز حد يشرف على الفريق الجديد من العمال. تقدري تعملي كده؟”
اتسعت عيناها:
“أنا؟!”
– “أيوه، انتي. لو نجحتي، هتاخدي ترقية وراتب أعلى. ولو فشلتي، هتبقي مجرد عاملة بتنضّف البهو.”
تنفست بعمق:
“موافقه.”
ابتسم بخفة وقال:
“تمام. خلينا نشوف ناــ,,ـريمان عاصم هتقدر تثبت إنها مش مجرد مسّاحة.”
—

كانت الأيام التالية جحيمًا.
ناــ,,ـريمان أصبحت مشرفة مؤقتة على فريق مكوّن من عشرين عاملًا.
كانت تستيقظ مع الفجر، تراجع الجداول، تتابع توزيع المهام، وتحاول ألا تترك أي خطأ بسيط يمرّ.
جاسم كان يراقب من بعيد. لا يعلّق إلا قليلًا، لكنه يسجّل كل شيء بعينيه.
كانت تشعر أنه يختبرها بكل لحظة، حتى حين لا يتكلم.
وفي يوم المؤتمر، حضر وفد أوروبي كبير. الفندق متألق، وكل شيء يسير بانضباط غريب.
ناــ,,ـريمان تجولت بين الفرق تتأكد من أدق التفاصيل، حتى لمحت شيئًا غريبًا:
أحد العاملين يفتح خزانة في غير موعدها المحدد. اقتربت بسرعة.
“بتعمل إيه؟ دي مش ورديتك!”
– “مديري قال لي أراجع المعدات!”.
– “مديرك؟ أنا المديرة اليوم، والباب ده محدش يلمسه!”
اقتربت ورأت حقيبة صغيرة داخل الخزانة، وعرفت من النظرة الأولى أنها ليست من أدوات الفندق.
فتحتها، لتجد بداخلها أجهزة إلكترونية صغيرة.
شهقت: “دي كاميرات مخفية!”
كان الوضع خطيرًا.
هرعت إلى جاسم فورًا، دخلت عليه دون إذن.
“يا فندم! في كاميرات مخفية في خزانة العمال!”
وقف فجأة، حدّق فيها بحدة:
“كاميرات؟ متأكدة؟”
– “أيوه، شفتها بعيني. شكلها متجهزة للتصوير من جوه القاعة!”
تحرك بسرعة معها، واستدعوا الأمن.
بعد دقائق، تم ضبط العامل — واتضح أنه تابع لمنافسٍ تجاري حاول التشهير بالفندق.
الفضيحة كادت تقع لولا يقظة ناــ,,ـريمان.
بعد انتهاء التحقيقات، وقف جاسم في الردهة أمام الجميع وقال بصوتٍ قوي:
“اللي حصل النهارده دليل إن الشغل الحقيقي مش بالمنصب، لكن بالعقل والضمير.
ناــ,,ـريمان عاصم أنقذت سمعة الفندق، وأنا فخور إن في موظفة بالشجاعة دي ضمن فريقي.”
صفق الجميع، وهي وقفت مذهولة، لا تعرف هل تصدّق ما تسمعه أم لا.
بعد الحفل، استدعاها إلى مكتبه.
حين دخلت، كان يجلس بارتياح نادر، وبيده فنجان قهوة.
قال مبتسمًا هذه المرة:
“واضح إنك علمتيني درس النهارده يا ناــ,,ـريمان.”
نظرت له باستغراب:
“أنا؟!”
– “أيوه، علمتيني إن اللي بيتقال عليه صغير ممكن يبقى سبب إن الكبير يفضل واقف.”
صمت لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر دفئًا:
“اعتبري الإهانة اللي حصلت زمان خلاص اتشالت. واعتبري نفسك اتعيّنت رسميًا مشرفة دائمة.”
لم تعرف ماذا تقول.
رفعت عينيها نحوه وقالت:
“مش عايزة غير فرصة نظيفة… أشتغل وأثبت نفسي، من غير ما حد يذلني.”
ابتسم وقال بهدوء:
“انتي مش محتاجة تثبتي حاجة. انتي أثبتّيها خلاص.”
نهض، مد يده مصافحًا.
“ومع إنّي ما بحبش أعتذر، بس المرادي لازم أقولها: آسف يا ناــ,,ـريمان.”
صافحته، وعينيها تلمعان بخليط من الدهشة والانتصار.
“الكرامة مش بتتشرى يا فندم… بس ممكن تترد.”
ابتسم جاسم بخفة:
“وانتي عرفتي ترديها كويس.”
—
في تلك الليلة، حين غادرت الفندق، وقفت على الرصيف المقابل ونظرت إلى واجهته الزجاجية الضخمة.
تذكّرت الليلة التي أُهينت فيها أمام الجميع، ثم هذه الليلة التي وقفت فيها بكل شجاعة.
لم تكن تنتظر شفقة ولا ترقية، كل ما أرادته هو أن تستعيد إنسانيتها.
أما هو، جاسم السويفي، فقد جلس في مكتبه بعد أن غادرت، ينظر إلى صورتها في شاشة المراقبة.
لم يكن يبتسم هذه المرة، بل بدا كأنه يستعيد شيئًا فقده منذ زمن بعيد — الإحساس بالعدل.
همس لنفسه:
“يمكن دي أول مرة أحسّ إني فعلاً اتعلمت من حد أقل مني رتبة.”
وفي الخارج، كانت ناــ,,ـريمان تسير بخطوات ثابتة نحو بيتها، وداخلها إحساس لم تعرفه من قبل.
لم تنتصر على رجلٍ قويّ فقط… بل على الخوف الذي سكنها يومًا.
—
النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *