خطيب بنتى

الليل كان ساكن، ووش الدنيا مبلول بمطر خفيف.
شقة عفاف هادية، نور خافت وجو بارد شوية.
عفاف قاعدة على الكنبة، لابسة ترينج قطن بسيط، شعرها مربوط ورا، ملامحها فيها نعومة وتعب سنين طويلة.
تقى نايمة،
ومريم جوه أوضتها بتذاكر.
موبايل عفاف يرن.
رقم مش متسجل…
لكن قلبها يعرفه.
عفاف (تهمس):
يا رب مش هو…
تفتح الخط.
عفاف:
ألو؟
زياد (صوته منخفض، فيه رجفة بسيطة):
مساء الخير… يا طنط عفاف.
قلبها يقع…
مع إنها بتحاول تبان هادية.
عفاف:
الساعة 11 يا زياد… في حاجة حصلت؟
زياد:
أنا تحت البيت.
هي تقوم واقفة فجأة، تحط إيدها على قلبها.
عفاف:
تحت؟!
انت مجنون؟
لو مريم شافتك دلوقتي هيحصل مصيبة!
زياد:
مش جايلك…
بس كنت محتاج أكلم حد.
وملقتش غيرك.
الكلمة دي تحديدًا…
قصرت فيها من غير ما تبين.
عفاف:
ارجع بيتك يا زياد… مش وقت كلام.
زياد:
خمس دقايق بس…
خمس دقايق وهامشي.
تقفل الخط…
تتنفس بصعوبة…
تبص على باب أوضة مريم، تسمع صوت ورق بتتقلب.
تلف وتلبس طرحتها بسرعة، وتنزل.
—
المشهد 2 – تحت العمارة… المطر شاهد
عفاف تنزل، الجزمة بتتزحلق شوية من المطر.
تلاقِي زياد واقف جنب عربيته، لابس جاكيت جلد، شعره مبلول، وعيونه تايهة.
أول ما يشوفها…
يبتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
زياد:
عمري ما توقعت إنك هتنزلي.
عفاف:
أنا نازلة عشان أفهم إيه اللي انت بتعمله…
مش أكتر.
قول بسرعة وارجع.
زياد يقرب خطوة…
عفاف ترجع خطوتين.
زياد:
أنا هفك الخطوبة.
الجملة تقع عليها زي طلقة.
عفاف:
إيه؟
ليه؟
مريم بتحبك يا زياد… ده هيد,مرها.
زياد:
عارف.
وعشان كده مش قادر أكمل.
أنا… قلبي في حتة تانية.
عفاف:
حتة إيه؟
ومين؟
وإزاي تخطب بنتي وإنت قلبك في مكان تاني؟!
الشارع هادي…
صوته يطلع ثابت بشكل يخضّها:
زياد:
بيحبك إنتي…
مش مريم.
عفاف تحس الأرض اتشالت من تحتها.
تتجمد، من غير نفس.
عفاف:
انت… بتقول إيه؟
يا زياد عيب الكلام ده!
عيب جدًا!
زياد:
ولا كلمة قلتها غلط.
أنا عمري ما شفت ست زيك…
قوية… جميلة… هادية…
وكل يوم كنت أجي البيت أحس إني مش قادر أشيل عيني من عليك.
عفاف (غضب ممزوج بخوف):
عيب!
أنا أم مريم…
وأكبر منك!
ومش مسموح تتكلم كده.
زياد – يبص جوا عنيها مباشرة:
العمر مايفرقش…
بس اللي بيفرق…
مين اللي بيحرك قلبك.
عفاف تتنفس بسرعة…
تحس إن الجو سخن رغم المطر.
عفاف:
لو سمحت… امشي دلوقتي.
وما تقولش الكلام ده تاني.
وما تقربش مني.
تستدير تمشي…
لكن صوته يوقفها.
زياد:
طب قوليلي…
ولا مرة حسّيتي إنك تعبانة لوحدك وعايزة حد يسمعك؟
ولا مرة حسيتي إنك ست… مش بس أم؟
تمسك قلبها…
وتبص له بنظرة فيها وجع وغضب وصدمة.
عفاف:
انت آخر واحد من حقه يسألني الأسئلة دي.
وتطلع تجري على السلم.
وقفت دقيقة كاملة تحاول تلاقي نفسها.
تسند ضهرها على الباب،
ترفع إيدها لرأسها،
وتبص للسقف.
عفاف (بصوت منخفض):
يا رب… أنا إيه اللي حصللي؟
إزاي كلام ولد أصغر مني يهزني كده؟
عيب… عيب يا عفاف.
تروح تشوف مريم…
تلاقيها لسه قاعدة على السرير بتذاكر.
مريم:
ماما… فيكي إيه؟ شكلك مبلول؟
كنتي فين؟
عفاف (متلخبطة وتضحك فجأة):
نزلت أرمي الزبالة… الدنيا بتشتي.
مريم:
كان ممكن أصحّبك.
عفاف:
لأ يا قلبي… كمّلي مذاكرة.
تمشي وتدخل أوضتها…
وتقفل الباب…
وتوقع على السرير.
تحط مخدة فوق وشها وتصرخ…
صرخة مكبوتة من 10 سنين.
الصبح…
عفاف بتفطر البنات، بتحاول تبان طبيعية.
تقى قاعدة تلعب،
ومريم بتظبط شنطتها.
جرس الباب يرن.
عفاف تتجمد…
قلبها يهبط تحت.
مريم تجري تفتح الباب.
مريم:
زيــــــاد!
صباح الخير!
عفاف تتصدم…
يخش زياد بابتسامة عريضة…
لكن عينه أول ما تقع على عفاف تتحول لشيء تاني…
نظرة مش مريحة…
قريبة زيادة.
عفاف (سريعة):
تفضل… اقعدوا في الصالة.
تقف في المطبخ…
بس بتسمع كل حاجة.
مريم فرحانة بيه زيادة…
وهو بيرد عليها بردود قصيرة جدًا.
هو مش هنا عشان مريم…
هو هنا عشان عفاف.
بعد خمس دقايق…
يستأذن يدخل المطبخ يشرب مية.
عفاف أول ما تشوفه داخل،
تشد نفسها.
عفاف:
إنت بتعمل إيه هنا يا زياد؟
مفروض ما تبانش بعد اللي حصل امبارح.
زياد (يبص لعينيها مباشرة):
ماعرفتش أنام.
ولا قدرت أبعد.
ولما بصيت على صورتي مع مريم…
حسّيت إني بكذب.
عفاف:
انت جاي تكذب أكتر؟
يا زياد اتقي ربنا…
دي بنتي.
زياد – يقرب نص خطوة:
وإنتي…
إنتي اللي قلبك مش عايز يعترف إنه اتأثر.
تحس بض,ربات قلبها تعلى…
تحاول تتماسك.
عفاف:
أنا اتأثرت؟!
إنت بتتكلم عني أنا؟
أنا ست مطلقة بقالها سنين…
ده معناه إن أي كلمة حلوة ممكن تكسّرني…
بس مش عليك.
زياد – يهمس:
لو مش عليّا…
ليه نزلتي امبارح؟
ليه مسكتِيش الباب وقلتيلي امشي؟
ليه مش قادرة تبصي في عيني دلوقتي؟
صوت أنفاسها يتهز…
ترجع خطوتين.
عفاف:
أطلع برا المطبخ حالًا.
زياد (بهدوء):
حاضر…
بس لازم تعرفي إنك مش لوحدك…
ومش أي كلمة هتهزكي…
أنا اللي هزيتك.
ويطلع.
عفاف تتكئ على الرخامة،
وتاخد نفس طويل جدًا…
تحس جسمها كله سخن.
—
المشهد 5 – بداية الانهيار الصامت
زياد فضل ييجي كتير الأيام اللي بعدها…
مش لأي سبب…
ولا عشان مريم حتى.
كل مرة يخترع حجة:
تسليم أوراق لشغل مريم
عايز يسأل عن حاجة
جايب لُها حاجة
أو حتى داخل بدون مقدمات
وعفاف…
بتحاول تمنع نفسها من إنها تركز معاه.
لكن وجوده عامل زي باب مفتوح على هوا سخن…
بيدخل غصب عنها.
ومريم؟
كانت بتفتكر إن زياد مهتم بيها.
لكن الحقيقة…
عينيه كل شوية تروح على المطبخ…
على طرحة عفاف…
على صوت ضحكتها…
على مشيتها.
—
المشهد 6 – المواجهة اللي مكانش مفروض تحصل
يوم خميس…
مريم راحت درس…
وتقى نايمة.
عفاف كانت بتنشر الغسيل على البلكونة…
والهوا بيحرّك طرحتها.
تسمع خبط خفيف على الباب.
تبص…
تلاقي زياد.
عفاف (منزعجة):
لأ…
ارجع يا زياد.
مفيش حد في البيت.
ده مش وقتك ولا مكانك.
زياد – يدخل من غير ما يستأذن:
علشان كده جيت.
عفاف:
زياد… كفاية. هتخرب حياتي وحياة بنتي.
وانا ست مش قليلة…
ولا مسموحلك تلعب بقلبي.
زياد – يقف قدامها، قرب قوي:
لو قلبك مش فيّا…
اطلعيني برا الباب دلوقتي.
بس لو فيه حتى ذرة…
قولي الحقيقة.
صوت أنفاسهم متداخل…
والهوا في البلكونة بيدفش الطرحة ويكشف شعرها شوية.
تغطي شعرها بسرعة وهي متوترة.
زياد (يهمس وهو يبص لشعرها اللي ظهر لحظة):
مش قادرة تفهمي قد إيه وجودك بيقت’لني؟
عفاف – بصوت مهزوز:
زياد… لو سمحت.
زياد – يقرب أكتر:
قولي كلمة واحدة…
وقسم بالله أسيب الدنيا كلها.
تحس نفسها بتترعش…
حاجة جواها بتتصارع:
سنين الوحدة…
وحدة الأنوثة…
الخوف…
العيب…
البنت اللي بتحبه…
والراجل اللي بيشوفها ست لأول مرة من 10 سنين.
تلمس صدرها بإيدها…
وكأنها بتمنع قلبها يطلع.
عفاف:
أنا… مش عايزة أكمل كده.
أبعد عني…
أنا ضعيفة… وانت مستغل ده.
زياد – يحط إيده على الحيطة جنبها من غير ما يلمسها:
أنا مش مستغل…
أنا واقع.
تدمع عيونها من غير صوت.
عفاف:
ليه؟
ليه اخترتِني؟
ليه وانا أم بنتك؟
ليه وجعتني بالشكل ده؟
زياد – صوته ينخفض:
عشان إنتي أول حد حسّيته أمان.
وحنان.
ونُضج.
وجمال من غير ما تتقصدي.
عفاف – تبص له بعمق لأول مرة:
انت هتضيعني يا زياد.
زياد – يهمس:
وأنا رضيان أضيع معاكي.
—
قبل ما يحصل أي حاجة أكتر…
صوت باب الشقة يتفتح.
مريم:
ماماااا…
رجعت بدري!
عفاف تبعد عن زياد بسرعة كأن النار مسّتها.
زياد يعدل هدومه ويمسح أثر التوتر من وشه.
مريم تدخل وتشوفهم…
لكن متفهمش حاجة.
تحس بس إن الجو غريب.
مريم:
إنتو كنتوا بتتكلموا في إيه كده؟
عفاف – بسرعة:
ولا حاجة يا حبيبتي.
كان بيسأل على درس بكرة.
بعد موقف البلكونة…
عفاف مقدرتش تنام.
فضلت طول الليل تقلب في السرير،
مرة تبص للسقف…
مرة تمسك الموبايل وترميه…
ومرات تكلم نفسها بصوت واطي جدًا.
عفاف:
انتي بتضيعِي يا عفاف…
بتضيعي.
بالصبح…
عفاف كانت بتعمل فطار مريم وتقى وهي مش في وعيها.
مريم تلاحظ.
مريم:
ماما… انتي كويسة؟ شكلك تايهة.
عفاف:
من النوم يا قلبي… كملت الشغل امبارح لحد متأخر.
تقى:
ماما انتي عينيكي زعلانة.
عفاف تبص للبنت الصغيرة وتحض,نها فجأة،
ح’ضنها جامد كأنها بتحتمي فيها.
عفاف:
أنا بس محتاجة حض,ن منك…
ده كل حاجة.
تقى تضحك وتضمها،
لكن مريم تفضل تبص باستغراب.
—
المشهد 8 – الزيارة اللي ملهاش لازمة… بس بتحصل
باب الشقة يخبط.
مريم تجري وهي مبتسمة:
مريم:
أكيد زياد!
عفاف من جوه تتجمد،
تحس بطنها لفت…
وإيديها ترجف.
يفتح الباب…
زياد داخل بابتسامة هادية جدًا…
تحس إنها بتخبي حاجة كبيرة.
زياد:
صباح الخير.
مريم:
ده أنت وراك إيه؟
جاي بدري كده ليه؟
زياد:
قلت أطمن عليك قبل ما أنزل الشغل.
لكن عينه مش على مريم.
عينه بتدور على عفاف.
عفاف تطلع من المطبخ،
بس أول ما تقابله بعينيها…
الجو كله يتغير.
نظرة ماكانتش لازم تحصل…
نظرة مش بتاعة خطيب بنتها…
ولا بتاعة أم محترمة،
نظرة بين اتنين فاهمين اللي بينهم أكبر من المفروض.
عفاف بسرعة تبص بعيد.
عفاف:
مريم… حضري الشنطة وإلحقي درسِك.
تروح تمسك كباية الشاي،
لكن إيديها تهتز والفايل يقع من إيدها على الأرض.
زياد يتحرك بسرعة ويحاول ياخده من الأرض.
اللحظة دي…
وشه قريب جدًا من وشها…
نفسها داخل في نفسه.
يتوقف لحظة.
عفاف تتراجع خطوة…
بس قلبها بيجري.
زياد (بصوت منخفض جدًا):
أنا آسف…
مش قادر أمنع نفسي من إني أقرب.
عفاف (بنبرة انكسار وغضب):
كفاية يا زياد…
انت بتقطعني من جوه.
—
المشهد 9 – الصراع اللي بقى واضح
مريم تخرج للدرس…
وتقى داخلة تنام شوية.
الشقة هادية…
وهم الاتنين واقفين قدام بعض في الصالة.
عفاف:
زياد… اسمعني كويس.
احنا كده بنولّع نار كبيرة…
هتحر,ق الكل.
زياد – يقرب بخطوة بطيئة:
وأنا مش خايف من الحريق.
أنا خايف عليكي.
عفاف – تصرخهمست:
ليه؟
ليه بتحبني؟
أنا ست… أم بنتك.
أكبر منك.
منكسرة من جوا.
عندي تعب السنين…
وانت شاب…
كان ممكن تحب أي واحدة غيري!
زياد – يركز في ملامحها:
عشان إنتي مش أي واحدة.
عشان انتي…
أول ست بصّت في وشي بصدق.
أول ست حسّيت إنها شايلاني من غير ما تطلب حاجة.
أول ست…
شفتها ست بجد.
الجملة دي كسرت آخر حتة مقاومة عندها.
عفاف – بصوت متقطع:
يا ابني…
أنا مش ناقصة ضياع.
زياد:
وانا مش ناقص تمثيل.
قرب زيادة…
لحد ما بقى واقف قدامها بنص خطوة.
زياد:
أنا بحبك…
وأنا عارف إنك بتحاربيني…
مش عشان مشاعرك مش موجودة…
لأ…
عشان مش مسموح ليكي تعترفي.
عفاف تحط إيدها على صدرها…
كأنها بتحاول تمنع قلبها من إنه ينط بره.
عفاف:
أنا…
أنا ضعيفة يا زياد…
وأنا بخاف من ضعفي.
زياد – يهمس:
وهو ده اللي خلاني أحبك أكتر.
—
المشهد 10 – لحظة السقوط الأولى
هي دي اللحظة اللي كانت بتخاف منها.
الهدوء…
والوحدة…
والقرب.
زياد مد إيده…
مش لمسها…
لكن قربها من خدها من غير ما يلمس.
مجرد القرب…
ح,رق.
عفاف (عينيها بتدمع):
لو لمستني…
هتقلب حياتي كلها.
زياد:
وهقلبها ليه لو مش هبقى معاكي؟
الجملة تهزّها.
تقف قدامه…
تتنفس بسرعة…
عينها تلمع بدموع بتتحبس بالعافية.
عفاف:
انت لو حقيقي بتحبني…
أبعد.
سيبني.
سيب كل ده…
وانساني.
زياد – يهز رأسه:
مقدرش.
لحظة صمت…
قريبة جدًا…
حتى الهوا بينهم بقى سخن.
وبعدين…
عفاف هي اللي تدير وشها بعيد…
مش لأنها ماحستش…
لأ…
عشان حسّت زيادة.
تلف وتمشي ناحية المطبخ،
وهو يفضل واقف مكانه،
يتنفس كأنه لسه طالع من معركة.
—
المشهد 11 – اليوم اللي كله اشتعال مكتوم
طول اليوم عفاف مش قادرة تشوفه،
لكن تفكيره مش سايبها.
وهي بتطبخ…
وهي بتلم الغسيل…
وهي بتكلم مريم…
وهي بتسمّع لتقى درسها…
دماغها كلها عند كلمة واحدة:
“لو لمستني… هتقلب حياتي.”
وفي بالها:
“طب وأنا مش حياتي متلخبطة من زمان؟”
—
المشهد 12 – الرسالة اللي كسرت آخر الحواجز
بالليل…
عفاف قاعدة في سريرها…
مطفية النور،
والشقة هادية.
موبايلها ينور برسالة:
من زياد.
زياد:
«أنا مش جاي أنكد عليكي… بس أنا بحارب لوحدي.
قوليلي بس…
هل أنا لو فضلت… هتطرديني؟
ولا هتسيبيني؟»
عفاف تقعد على طرف السرير،
تحس نفسها مش قادرة تتنفس.
تكتب تمسح…
تكتب تمسح…
وفي الآخر تبعت:
عفاف:
«أنا… مش قادرة أطردك.
ومش قادرة أسيب نفسي ليك.
أنا بين الاتنين…
ضاعتي.»
بعد دقيقة…
يرد عليها:
زياد:
«وانا مش هسيبك تضيعي لوحدك.»
الجملة دي…
كانت أول خطوة في طريق محدش هيرجع منه.
—
كانت الساعة قربت من 1 بعد نص الليل.
البيت كله نايم…
بس عفاف لأ، عفاف كانت نايمة بعين وصاحيّة بعين.
بعد اللي حصل في الصالة… وبعد قرب زياد منها بالشكل ده… دماغها مش قادرة تقفل.
قلبها بيخبط…
مش خوف…
لأ، إحساس تاني… أعمق، وأخطر.
وهي قاعدة في أوضتها، فجأة موبايلها ينور…
رسالة من زياد:
> “لو سمحتي… افتحي الباب. دقيقة واحدة بس.”
عفاف قامت واقفة على طول.
رجليها ترجف…
مش عارفة ده خوف ولا تردد ولا توقّع.
عفاف (تهمس لنفسها):
الولد ده هيضيعني…
هيضيعني أنا الاتنين.
تقرب من باب الشقة…
تقف وراه…
إيدها على المفتاح.
قلبها يدق أسرع…
وجواها صوتين:
صوت يقول:
“افتحي… انتي بقيتي عايزة تسمعي منه.”
وصوت تاني يزعق:
“إوعي! انتي أم… وفوق ده كله خطيب بنتك!”
بس الإيد تدوّر المفتاح لوحدها…
الباب يتفتح.
وزياد واقف…
وشه مش زي كل مرة…
عينه فيها إصرار وهدوء خطير، كأنه واخد قرار ومش ناوي يرجع فيه.
يدخل وهي تتراجع خطوة.
زياد:
مش هطوّل… بس لازم تسمعيني.
عفاف:
زياد… لو مريم صحيت هتبقى مصيبة.
زياد:
صدقيني… المصيبة بقت جواكي من بدري.
هي تتوتر:
عفاف:
تقصد إيه؟
زياد – يقرب منها خطوة ببطء:
إنك بقيتي شايلاني جواكي…
زي ما أنا شايلك جوايا.
—
المشهد اللي ينقط نار بدل الدم
عفاف تحط إيدها على صدرها، مش قادرة تاخد نفس:
عفاف:
زياد… بطل.
الموضوع ده غلط… غلط من كل الاتجاهات.
وانت أصغر مني… وخطيب بنتي… ومش مفروض–
ما تكملش…
لأن زياد يقرب أكتر…
وشه قدّام وشها…
المسافة بقت نفس واحد.
زياد (بصوت هادي):
لو غلط…
ليه كل مرة أبص لك ألاقِي عينيك بتتهرب… مش عشان مكسوفة… لأ…
عشان خايفة من اللي أنتي حاساه.
كأن جملة خبطت في الحتة اللي كانت مستخبية جواها سنين…
عفاف (صوتها يرتعش):
أنا…
أنا مش حاسة بحاجة.
أنا ست كبيرة… ومطلقة… وعندي بنت 18 سنة بتحبك.
زياد:
وأنا راجل… شايف ست عمرها ما اتشافت بالطريقة اللي تستحقها.
ولا اتقال لها إنها جميلة زي ما هي.
الكلمة تقع على قلبها زي نقطة نار.
عفاف – بحدة:
بس أنا مش جميلة يا زياد…
أنا ست عدّى عليها الزمن.
زياد – يرفع راسها بإيده لكن من غير ما يلمسها:
لو الزمن يعدّي على الستات بالشكل ده…
كنت أتمنى يعدّي عليّا بدري.
عفاف تحس إن رجليها مش شايلينها…
عفاف:
أرجوك… امشي.
قبل ما نندم.
زياد – قرب أكتر:
أنا الوحيد اللي مش هيندم…
لأن أنا اللي اخترت الطريق ده…
وانتي ماشية فيه معايا حتى لو منك لله قلبك اللي بيكذب.
ترمش…
تتنفس بصعوبة…
وهي تهز راسها بالنفي… لكن جسمها ثابت مكانه.
عفاف:
زياد… لو سمحت… لو سمحت بلاش…
أنا ضعيفة الليلة… ومتعبة… ومكسورة…
زياد – بابتسامة صغيرة: وعشان كده…
أنا هنا.
—
اللحظة اللي ماكانش المفروض تحصل…
زياد يقرب منها مسافة أخيرة…
مش لمس…
لكن قرب يخوّف.
عفاف تقفل عينيها لحظة…
زياد يتراجع خطوة فجأة.
زياد:
شوفتِ؟
حتى سكوتك… اعتراف.
تفتح عينيها عليه…
تلاقي إن دموعها نزلت من غير ما تحس.
عفاف:
امشي يا زياد…
قبل ما يحصل حاجة تكسر حياتنا كلنا.
زياد ينظر لها نظرة طويلة…
فيها عشق، وتحدي، وحاجة تانية ما تتفهمش:
زياد:
طب اسمعي الجملة دي…
ومانسيهاش:
> “أنا هسيب مريم.”
عفاف تتصدم:
عفاف:
إيه؟!
انت بتقول إيه؟
بنتي بتحبك… وبتخطط لمستقبلها معاك!
زياد:
بس أنا مستقبلي…
مع واحدة تانية.
عفاف – بصوت عالي هامس:
مين؟!
زياد:
إنتي.
الجملة تقع…
وتجري جواها…
وتولّع في حاجة كانت مطفية من 10 سنين.
هو يستدير…
ويخرج…
ويسيب الباب يتقفل لوحده.
وعفاف تفضل واقفة…
مسنودة على الباب…
مش قادرة تقف من الصدمة، ولا تتحرك من الخوف، ولا تطفي النار اللي قامت جواها.
—
نقطة التحوّل: اللحظة اللي قلبها فيها قال “نعم” قبل عقلها بكتير
هي تتزحلق على الأرض…
تقعد وظهرها على الباب…
وتحط وشها بين إيديها…
وتقول جملة مكسورة:
عفاف (بهمس):
يا رب…
ليه قلبي بيعمل فيّا كده؟
فاتت أسابيع طويلة على اللي حصل بين عفاف وزياد…
أسابيع مليانة خوف وقلق وتأنيب ضمير.
عفاف ما كانتش بتنام…
كل ما تقفل عينيها تشوف وش بنتها “مريم”،
وتحس قلبها بيتقطع من جوا.
زياد بطل يزورهم…
وبدأ يبعد فجأة.
لا بيتصل، ولا بيبعت رسالة… وكأنه اختفى.
وفي يوم…
عفاف صحيت الصبح على صوت خناق عالي في الشارع.
فتحت الشباك…
وشافت أهل زياد واقفين قدام البيت…
وصوت أمه عالي وبتزعق وبتعيط:
أم زياد:
“بيتنا اتفضح!
ابني سايب خطيبته وبايت برّه البيت!
وعمال يصرخ إنه هيتجوز ست أكبر منه!”
عفاف حسّت رجليها هتوقع.
قلبها وقع قبلها.
عرفت إن الحكاية خرجت عن السيطرة.
—
المشهد: المواجهة اللي كانت لازم تحصل
مريم خرجت من أوضتها مرعوبة:
مريم:
ماما… إيه اللي بيحصل؟
مين بيصرخ تحت؟
عفاف تتجمد…
تحس الدنيا كلها بتلف.
تحاول تقول حاجة…
بس مفيش صوت.
وفجأة… الباب يخبط خبط شديد.
مريم تفتح…
وتلاقي زياد واقف.
وشه مرهق…
وعينه حمرا من البكاء.
مريم:
زياد؟
إيه اللي بيحصل؟
انت سايب البيت ليه؟
ومامتك بتتهم مين؟؟
زياد يرفع عينه…
وبصوت مكسور:
زياد:
مريم… إحنا لازم نسيب بعض.
مريم تحس إن الدنيا اتطفت.
مريم:
ليه؟
عملت إيه؟
كان ناقصني إيه؟
انت… بتحب حد تاني؟
زياد يبص ناحية عفاف…
اللي واقفة مرعوبة.
مريم تاخد بالها من النظرة.
وتبص على أمّها…
وبعدين على زياد…
وترجع تبص عليهم هما الاتنين مع بعض.
تراجع خطوة…
خطوة تقطع القلب.
مريم (بصوت مكسور):
لا…
مش أمي…
مش ممكن…
مش ممكن يا زياد!
قولّي إن ده مش حقيقي!
عفاف تنهار…
وتقع على الكنبة.
عفاف:
مريم…
أنا غلطت…
وأستاهل أي عقاب…
بس اسمعيني…
مريم تصرخ:
مريم:
“أنتي كسرتيني…
أكتر كسر في حياتي!”
—
العقاب الأول: هجران البنت
مريم خرجت من البيت وهي بتعيط…
راحت عند واحدة صاحبتها…
وبطلت تكلم أمها تمامًا.
لا تليفون، لا زيارات، لا كلمة واحدة.
والبيت بقى فاضي…
وصوت تقى بس هو اللي بيحاول يحرك أي نفس في الشقة.
—
العقاب التاني: فضيحة زياد
أهل زياد خدوه بالقوة من الشارع.
منعوه يخرج.
سحبوا منه موبايله.
أبوه ض’ربه…
وأمه بكت وقالت إنها تبري منه لو اتجوز “الست دي”.
زياد حاول يقاوم…
بس الجماعة شدّوه وودّوه بيت خاله في بلد تانية…
عشان “يفوق” على قولهم.
اتقطع عنه كل تواصل…
ولا قدر يشوف عفاف…
ولا حتى يعرف عنها حاجة.
—
العقاب الأكبر… اللي كان منتظر
بعد أسبوعين من الضياع…
عفاف بدأت تحس إنها مش بخير.
دوخة… تعب… غثيان…
عملت تحليل.
رجعت البيت…
بصّت في الورقة.
ووقعت على الأرض من الصدمة.
عفاف حامل.
الصرخة طلعت من قلبها مش من فمها.
وأول كلمة قالتها:
عفاف:
“ده عقابي…
ده عقاب ربنا قبل الناس…”
قعدت الليل كله تبكي…
مش على نفسها…
لكن على بنتها اللي كسرتها.
—
المشهد الأخير – النهاية اللي لازم تحصل
بعد شهور…
السر اتكشف.
والناس عرفت.
وكل بيت اتكلم.
مريم رجعت البيت بعد ما سمعت…
لكن مش عشان أمها،
عشان أختها الصغيرة بس.
وقفت قدّام أمها…
بس من غير ما تقرب.
مريم:
أنا مسامحاكي…
بس مش ناسية.
ومش هرجع أكون بنتك زي الأول.
إنتي علمتيني إن الغلط بيكسر…
وبيفضل الكسر مهما اتصلّح.
عفاف – تبكي:
يا بنتي… أنا اتعاقبت…
وخسرتك…
وخسرت نفسي…
وخسرت كل حاجة.
مريم:
ده ثمن اللي عملتيه.
وزياد؟
هو كمان اتعاقب…
بعد ما رجع… أبوه طرده من الشغل…
واتسحب منه كل حاجة.
رفعت مريم عينيها:
مريم:
وربنا كبير…
لكنه عادل.
—
النهاية التي اخترتها لهم
عفاف تربي طفلها الجديد لوحدها…
مش حب…
ده حمل مسئولية وندم.
مريم تبقى قوية…
تكمل حياتها…
وتتعلم إن اللي بيكسرها مرة مش هتكسر نفسها علشانه تاني.
زياد يختفي من حياتهم تمامًا…
ويحاول يصلّح حياته بعيد عنهم.
وما يجمعهم تاني…
ولا حب…
ولا علاقة…
ولا حتى كلمة.
بس يجمعهم درس قاسي:
السر دايمًا ليه ثمن…
وأحيانًا الثمن بيكون أغلى من القلب نفسه.


