جوزى وضرتى بقلم امانى السيد ٢

وبالفعل، من أول ليلة دخلت فيها بيت منصور، حسيت إني اتولدت من جديد. منصور مكنش بس جوز طيب، ده كان بيعاملني كأني ملكة متوجة في بيته، كلمتي هي المسموعة، وطلباتي مجابة من قبل ما أنطقها. وأهله، عمي ومرات عمي، شالوني فوق راسهم، وبقوا يعاملوا بناتي كأنهم حتة من قلبهم، مفيش تفرقة ولا كلمة تضايق، لدرجة إن بناتي بقوا يقولوا لمنصور “يا بابا” من كتر الحنية والأمان اللي غرقهم فيه.
ومرت الأيام والشهور، وربنا أراد يكمل فرحتنا ويزيدنا من فضله، وعرفت إني حامل. منصور وأهله طاروا من الفرحة، وطول شهور الحمل مكنش بيخليني ألمس قشة في البيت، وكان يقولي: “أنتِ وبناتك واللّي في بطنك رزقي اللي ربنا كرمني بيه، وراحتك بالدنيا”.
ولما جه معاد الولادة، ربنا أراد يكتب السطر الأخير في قصة العوض دي.. وولدت وجمعت بين البنات والولد! خلفت ولد زي القمر، منصور سماه على اسم أبويا “عبد الرحمن” اعترافاً بجميله وبوقفته معانا.
يوم السبوع، منصور عمل حفلة كبيرة والبلد كلها كانت حاشرة نفسها عشان تشوف وتتفرج. الكل مكنش وراه سيرة غير قصة “فوزية وعوض ربنا ليها”. الناس في البلد بقت تضرب بيا المثل ويقولوا لبعضهم: “شفتوا فوزية؟ اللي اتظلمت واتعيرت بالبنات وسابت بيت طليقها مكسورة، ربنا كرمها براجل صانها، ورزقها منه بالولد، وخلى طليقها اللي كان بيتبغدد قاعد يندب حظه وخسران شقاه وشغله وبنته معاقة!”.
أبويا كان قاعد في وسط السبوع وشايل عبد الرحمن ودموع الفرحة في عينيه، وبصلي وقالي: “الجميل بيترد لأهله يا بنتي، وأنتِ صبرتي ، فربنا مأخرلكيش العوض”.
أما أنا، فكنت واقفة وسط جوزي ومنصور ماسك إيدي، وبناتي لابسين ومنورين حواليا، وبصيت للسما وحمدت ربنا من كل جوارحي.. حمدته لأنه مبيرضاش بالظلم، ولأنه لما بيدي، بيدي عطاء يفوق كل التوقعات، وينسي العبد كل وجع مر بيه في حياته.
وفي وسط زحمة العقيقة واللمة الكبيرة دي، المفاجأة إن طليقي فوزي جه، دخل وهو مداري في وسط الناس، وشه باهت وهدومه دبلانة، مفيش فيه الحيل بتاع زمان ولا الغطرسة اللي كان داخل بيها فرحي. جه يدخل عشان يشوف الوضع واصل لفين، ووقف بعيد عينه منزلتش من عليا.
شاف بعينه اللي مكنش يتخيله؛ شاف منصور جوزي وهو واقف جنبي وسط أعيان البلد، بيشاور عليا بكل فخر ويقول: “دي وش الخير، دي الملكة اللي نورت بيتي ودنيتي”. وفي وسط الكلام، منصور مسك إيدي وقدام الناس كلها ومن غير أي كسوف، وطى وباس إيدي بحنية وتقدير، وكأنه بيقول للدنيا كلها إن الست دي تاج راسي.
وقتها أنا لمحت فوزي واقف بعيد، وشفت الندم وهو بينهش في جواه بجد، عينه كانت مكسورة وعروق وشه بارزة من كتر القهر والغل على اللي ضيعه من إيده. تيقن في اللحظة دي إن الست اللي كان منيمها مقهورة وسايب أمه تذلها، بقت عند راجل بجد بيعرف قيمتها ويشيل تراب رجليها قدام الأغراب والقرايب.
ومش بس كدة، ده كان واقف وشايف عمي التاني (أبو منصور)، اللي زمان كانوا مستهونين بيه وبشغله، واقف النهاردة لابس الجلباب الصوف الفخم، والكل بيلف حواليه ويبارك له ويهنيه. عمي اللي كان يا دوب بيكفي يومه زمان، وبفضل ربنا ثم شراكته مع أبويا، حاله اتقلب وبقى من كبارات البلد وأصحاب الكلمة المسموعة في السوق كله.
وفي المقابل، حال فوزي وأبوه بقى يصعب على الكافر؛ تجارتهم بارت تماماً، وديونهم كترت، وبقوا يا دوب بيمشوا يومهم بالعافية ومش ملاحقين على مصاريف علاج بنتهم في المستشفيات.
خرج فوزي من العقيقة وهو بيجر أذيال الخيبة والندم، بعد ما شاف بأم عينه إن ربنا عدل، وإنه سبحانه وتعالى رفع اللي اتظلمت وسابع سموات، ونزل اللي ظلموها لأسفل سافلين. حمدت ربنا للمرة المليون وأنا شايلة ابني “عبد الرحمن” وبناتي حواليا، وعرفت إن العوض لما بيجي من عند ربنا، بيجي كامل مكمل يبرد القلب ويداوي السنين.




