رد المظالم منى السيد 3

الفصل الأخير: نهاية اللعبة.. وحصاد الغرس
الصريخ في شقة المهندسين كان طالع من كل حتة. شريف واكع على ركبه جنب أمه على السجادة، بيزق في كتفها ويبكي بانهيار:
— أمي! ردي عليا يا أمي! بلاش تموتي وتسيبيني لوحدي في المصيبة دي.. يا أمي عشان خاطري فتحي عينك!
الحاجة إلهام كانت مرمية زي الشوال، عينيها لسه مبرقة في السقف وشفاييفها زرقا، بس يدوب بتسحب النفس بالعافية وصوت حشرجة طالع من صدرها. الغل والخوف والكسرة عملوا جلطة في ثواني، والست اللي كانت بتمشي في الدنيا تنهي وتأمر، بقت مش قادرة حتى ترفع صباعها الصغير.
وفي وسط الرعب ده، صريخ التوأم في الصالة كان واصل لسابع سماء. عيال مكملوش أسبوعين، جعانين وعايزين يغيروا، ومفيش حد في البيت فاضي لهم ولا حد طايق يبص في وشهم. السكوت بتاع الشقة اتمسح وبقا بداله صوت الهلاك اللي بيقرب.
فجأة، جرس الباب رن. دقات قوية ورا بعضها، كأن اللي برة عايز يكسر الخشب.
شريف اتنفض من مكانه، وشه بقا خالي من الدم.
— عمي فاروق!.. جه!
شريف قام يجر رجليه، فتح باب الأوضة وبص على الصالة، وبعدين مشي لحد الباب الخارجي وفتح وإيديه بترتعش.
الحاج فاروق الكاشف كان واقف برة، بطوله وعرضه، ولابس جلبابه الصعيدي الشيك وعبايته السودا، ووراه اتنين رجالة من قرايبهم، وشوشهم تقطع الخميرة من البيت. أول ما الباب اتفتح، الحاج فاروق زق شريف بإيده ودخل الصالة وعينيه بتطلع شرار.
— فين أمك يا شريف؟ وفين مرتك؟ —الحاج فاروق زعق بصوت هز الحيطان.
— عمي.. الحجني يا عمي.. أمي جرى لها جلطة وميتة جوة على السرير! —شريف قالها وهو بيبكي زي العيال الصغيرة ومسك في عباية عمه.
الحاج فاروق بص له بقرف وزق إيده:
— جلطة؟ ده من عمايلكم السودا! اخلص يا واد قولي الكلام اللي سمعته في البلد ده صح ولا كدب؟ الدكاترة في مستشفى الشروق باعتين كلام يخرب بيوت! قولي العيال دول ولادك ولا لأ؟
شريف هبط على الأرض من كتر التعب والخوف، ومقدرش ينكر. الورقة بتاعة مروة كانت لسه في إيده، مدها لعمه وهو بيترعش:
— مروة.. مروة هربت يا عمي. أخدت الفلوس والذهب وسابت العيال.. وقالت إنها.. إنها مغفلاني والعيال مش ولادي!
الحاج فاروق خطف الورقة وقراها بسرعة. عينيه وسعت، وجسمه كله تزلزل من الغضب. بص لعربية الأطفال اللي فيها التوأم بيصرخوا، وبص لشريف اللي راكع تحت رجليه.
— يا دناوة نفسك يا بن إبراهيم! —الحاج فاروق تف في الأرض بقرف— تشتري عيال حرام وتكتبهم باسم عيلتنا عشان تداري خيبتك؟ وتتبلى على بنت الأصول الدكتورة نادية وتقول مابتخلفش عشان تحمي رجولتك المزيفة؟ أنت مش راجل ولا تشرفنا تكون من عيلة الكاشف!
الحاج فاروق لف للرجالة اللي معاه وقالهم بقسوة:
— اطلبوا الإسعاف تاخد الست دي على المستشفى، وشيلوا العيال دول.. هاخدهم معايا المعمل المركزي نخلص تحليل الـ DNA، والورقة دي والتحاليل القديمة هسلمها للمحامي بتاع العيلة عشان نرفع قض*ية إنكار نسب وتزوير. والواد ده.. —بص لشريف بنظرة موت— من اللحظة دي ملوش قعد لقمة ولا مليم في ورث عيلة الكاشف، واسمه يتشطب من السجلات ومن كل الشركات! أنت برة العيلة وبرة حياتنا يا شريف.. عيش بقا في فضيحتك لوحدك!
في نفس اللحظة دي، وعلى الناحية التانية من القاهرة.. وتحديداً في كافيه هادي ورايق يطل على النيل في الزمالك.
الدنيا كانت مغرب، والشمس بتودع السما وبتسيب وراها خيوط حمرا بتنعكس على مية النيل الهادية.
نادية كانت قاعدة على الكرسي الخوص المريح، لابسة فستان حمل شيك وواسع بلون السما، وحاطة إيدها على بطنها البارزة شوية وهي مبتسمة براحة وعينها مليانة سلام لأول مرة من سنين.
الدكتور كريم كان قاعد قدامها، لابس قميص كاجوال وبيقفل لابتوب الشغل بتاعه. بص لها بحنان وقال وهو بيمد إيده يمسك إيدها على الترابيزة:
— سرحانة في إيه يا نادين؟ الضحكة دي وراها سر كبير.
نادية تنهدت نفس طويل ونظيف، وبصت للنيل وقالت:
— سرحانة في تدابير ربنا يا كريم. بفتكر من ست شهور بس، كنت قاعدة في نفس المكان ده، ودموعي مش راضية تقف، وكنت شايفة إن حياتي انتهت بعد ما اطلقت وبقيت في عيون الناس “الست المعيوبة” اللي ملهاش لزمة عشان مابتخلفش. كنت حاسة بظلم يهد جبال.
كريم ضغط على إيدها بحنية:
— واديكي شايفة أهو.. ربنا مبيسيبش حد مظلوم. الظلم ده هو اللي جابك عندي العيادة، وهو اللي خلاني أشوف الست الجدعة المحترمة اللي تمنيت أعيش معاها طول عمري.
نادية ابتسمت وعينيها دمعت فرحة:
— الحمد لله يا كريم. لما افتكرت اللي حصل الصبح في المستشفى، حطيت إيدي على بطني وحسيت إن ربنا طبطب عليا قدام الدنيا كلها. الستر الحقيقي مش إننا نداري العيب بالكدب والظلم، الستر الحقيقي هو النظافة من جوة، والرضا.
كريم ضحك وقال بنبرة مليانة فخر:
— تليفوني مش راضي يقف من الصبح. زمايلنا في المستشفى بيكلموني، والخبر انتشر في الدقي والزمالك كلها زي النار في الهشيم. شريف وأمه بقوا سيرة على كل لسان، والحاج فاروق الكاشف بنفسه كلم المستشار عدلي وقال إن العيلة اتبرت من شريف بعد ما الـ DNA أثبت إن العيال ملهمش أي علاقة بيه، ومروة طارت بالفلوس والذهب برة مصر. شريف دلوقتي عايش في المحاكم وقضايا التزوير، والحاجة إلهام جالها شلل نصفي ومش قادرة تنطق كلمة تظلم بيها حد تاني.
نادية سكتت شوية، وبصت لكريم وقالت بصوت هادي:
— أنا مش شمتانة فيهم يا كريم.. والله العظيم ما شمتانة. أنا بس صعبان عليا العيال الغلابة اللي ملهمش ذنب في اللعبة القذرة دي. بس اتعلمت إن الواحد لازم يركز في غرسة إيده.. وأنا غرسة إيدي أهو.. —وحطت إيد كريم معاها على بطنها.
كريم عينيه لمعت بالحب، وقام من مكانه، وطى عليها وباس جبينها قدام كل الناس اللي في الكافيه، وقالها بصوت دافي:
— وغرستك هتكبر يا دكتورة نادية. ابننا هيطلع للدنيا يلاقي أب بيعشقه وأم الدنيا كلها تشهد بأصلها وشطارتها ونضافتها. انسي اللي فات كله يا حبيبتي.. اللعبة انتهت، والصفحة القديمة اتقطعت واترمت في النيل أهو.. وإحنا دلوقتي بنكتب أول سطر في كتابنا الجديد.
نادية ضحكت من قلبها، وحست بحركة الجنين جوة بطنها بتزيد، كأنه هو كمان بيشاركهم الفرحة وبيعلن إن بكرا أحلى وأجمل، وإن شمس الحقيقة مهما غابت.. لازم تطلع وتنور الدنيا في الآخر.



