بنت ناس اماني السيد

مريم كانت بتموت في اليوم مية مرة. البيت كان نضيف زي القشطة، والأكل جاهز قبل ما يرجع، وهي مبتقفلش بؤها من الكلمة الطيبة.. لكن طاهر كان بارع في إنه يطلع “القطط الفاطسة”. لو لقى هدمة مش مكوية، يقلب الدنيا ويسمّع الجيران ويسجل لقطات ويبعتها لأختها ويقول: “شوفوا الهانم!”
لحد ما جت الليلة الكبيرة.. طاهر كان واخد قرض باسم مريم عشان يوسع تجارته، ولما جه وقت السداد، اتزنق وطلب منها تبيع دهب أمها اللي شايلاه للزمن. مريم رفضت وقالتله: “ده ريحة أمي يا طاهر، وأنت معاك فلوس في البنك.”
طاهر عينيه اسودت، وضربها علقة لمّت عليها البيت، ورمى حاجتها في الشارع وقال لأهلها: “بنتكوا سرقت فلوس المحل ورفضت تديني الدهب عشان تسدد اللي سرقته!”
البلد كلها صدقت طاهر. الراجل المصلي، صاحب المحلات، اللي مستحمل “ست نكدية وحرامية”. أهله قاطعوها، وأهلها حبسوها في الأوضة وبقوا يبصولها بقرف وعار. أبوها قالها: “هترجعي لجوزك ورجلك فوق رقبتك، وتبوس على إيده عشان ميسجنكيش.”
لما طاهر جه البيت عشان “يملي شروطه”، كان فاكر إنه داس على رقبتها خلاص.
مريم رجعت معاه البيت. وأول ما الباب اتقفل عليهم، طاهر حدف مفاتيحه على الترابيزة وقال بغرور: “ادخلي اعمليلي لقمة، ورجلك متخطيش العتبة دي واحمدي ربنا إن….”
مقطعتش كلامه.. مريم لفت وشها وبصتله، بس النظرة مكنتش نظرة مريم الضعيفة. كانت نظرة ست لغتها من حياتها خلاص.
قالتله وهي بتقلع طرحتها ببرود: “أنا رجعت عشان ابني يا طاهر.. وعشان أبويا الراجل العجوز اللي أنت لويت دراعه بمحلك. بس وحياة دمعة أمي اللي ماتت وهي غضبانة عليا بسبابك، وحياة كل ليلة نمتها مظلومة والناس بتبصلي بقرف.. لأخليك تدور على رضايا ومتلاقيهوش.
البيوت أسرار يا ابن علوان.. وأنت أسرارك كلها معايا، من أول ورق القرض المزور، لحد الدهب اللي أنت سارقه من أختك ومخايف تقولها. الكلام اللي برا ده كله.. بلّه واشرب ميته.. الشغل الجد.. هيبدأ هنا.. جوه البيت ده.”
طاهر حس لأول مرة برعشة في ركبه. الست اللي قدامه مكنتش مريم.. كانت حد تاني خالص، حد هو اللي صنعه بإيديه.
طاهر وقف مكانه، الكلمة لجمته. كان متوقع عياط، انكسار، أو حتى قهر تبوس بيه رجله عشان يستر عليها قدام الناس. لكن النبرة الناشفة دي، والنظرة اللي مفيهاش نقطة خوف، هزت الثقة اللي كان داخل بيها.


