في ليله الدخله

ليلة الدخلة… اللحظة اللي أي بنت في الدنيا بتبني عليها أحلام بالكوم، وبتستنى تكون بداية حكاية دافية وأمان للشركاء، كانت بالنسبة لي أنا بالذات بداية حرب.. حرب صامتة مالهاش صوت، بس نارها كانت بتاكل في قلبي أكل وأنا واقفة قدام باب شقة عمري ما حسيت ولا لحظة إنها هتبقى بيتي.
الشقة كانت في شارع زحمة وداوش في منطقة حدائق القبة، صوت العربيات وآلات التنبيك طالع لحد الدور الرابع زي ما يكونوا قاعدين معانا في الصالة. الزغاريد وصوت الفرح لسه بيرنوا في ودني وبيحسسوني بغربة. بس أول ما الباب الخشب التقيل اتأفل وواربنا الصالون، كل حاجة اتأتقلبت رأساً على عقب! كأن في حد ضغط على زرار ومسح الفرحة والنور من الشقة في ثانية واحدة.
إبراهيم لف بظهره وبص لي نظرة باردة زي التلج، مفيهاش لا شغف، ولا حنية، ولا حتى شوية مجاملة يداري بيها اللي جواه. ومن غير ما ينطق ولا كلمة، مسك فوطة مطبخ قديمة صفرا ومبقعة كانت مرمية على الترابيزة، ورمى بيها في وشي بقسوة! الفوطة خبطت في خدي ووقعت على الأرض.. كانت ريحتها زيت بايت وعرق يقلب البطن.
وقال لي ببرود يقتل: ـ نورتي البيت يا عروسة.. يلا، ورينا شطارتك وهمتك من أولها كدا، البيت عايز ينضف.
في اللحظة دي، حسيت إن الزمن وقف بيا. مش عشان الإهانة كانت جديدة عليا، لا.. عشان كانت صريحة زيادة عن اللزوم، ومن أول دقيقة! كأنهم قرروا يخلعوا القناع الملون ويوروني وشهم الحقيقي من غير ما يستنوا حتى الصبح يقلع.
ورا ظهره، كانت أمه “الحاجة زينب” قاعد على الكنبة القماش ، حاطة رجل على رجل، ومبتسمة ابتسامة صفرا مش مفهومة.. لا هي شماتة صريحة، ولا رضا كامل، بس كانت ابتسامة بتقول في سرها: “هو ده حجمك الطبيعي هنا.. وده اللي هتعيشي فيه”.
وأنا؟ أنا كنت واقفة بفستاني الأبيض المنفوش اللي تقل على جسمي، بكحل عيني اللي بدأ يسيح من حرارة الجو، وبقلب كان لسه لحد الدقيقة دي مصدق إنه داخل حياة جديدة وهيتبنى فيها بيت. بس الحقيقة كانت بتتكشف قدام عيني بوضوح مرعب.. هما مش شايفيني عروسة، هما شايفيني خدامة جابوها بفلوسهم، شايفيني امتداد لذل قديم كانوا عايزين يذلوني بيه.
وبدل ما أعيط، أو أصرخ، أو أعمل مناحة زي ما أي بنت هتعمل.. حصل العكس تماماً. هديت.. هدوء غريب يخوف، كأن في مفتاح أمان اتأفل جوايا فجأة. وطيت بهدوء تام، جِبت الفوطة من على الأرض، بصيت لها ثواني، وبعدين رفعت عيني لإبراهيم وقلت له بنبرة ثابته تهز: ـ حاضر.. اللي تؤمر بيه.
ودخلت أوضة النوم وقفلت الباب ورايا بالمفتاح..
ساعتها بس، “أماني” البنت الحالمة اللي كانت بتتمنى شقة صغيرة وورد وجوازة هادية.. اختفت تماماً. وطلع مكانها واحدة تانية خالص، واحدة بتفكر بعقل حديدي، واحدة مش هتقعد تستنى لما تاخد الضربة التانية على وشها.
وقفت في نص الأوضة وبصيت حواليا؛ الشنط لسه متفتحتش، علب الدهب مرصوفة على التسريحة، الجهاز والهدوم لسه في الكراتين والشنط مقفولة.. كأن ربنا كان كاتب لي فرصة ذهبية أهرب بيها قبل ما أتربط بسلاسل وأغراس جوا المكان ده.
بدون أي تردد أو لحظة ضعف، مسكت شنطتي الكبيرة وبدأت ألم كل حاجة تخصني بلمح البصر. هدومي، دهبي، والفلوس اللي بابا الله يرحمه كان مخبيها لي على جنب وقال لي يومها: “دي تشيليها للزمن وليومك الأسود يا بنتي”.. والنهاردة بس عرفت هو كان يقصد إيه باليوم الأسود!
حتى المكياج المرمي على التسريحة حطيته، وحتى الدبلة اللي في صباعي قلعتها وحطيتها في علبتها على السرير.. مش هسيب لهم القشة اللي يتكلموا عليها أو يقولوا دي بتاعتنا. كل حاجة كانت بترجع لي.. حقي، كرامتي، وقراري.
مسكت التليفون واتصلت بأخويا.. كان صوتي هادي لدرجة تخض أي حد يسمعني، قلت له: ـ طارق.. تعال خذني من هنا حالاً.. دلوقتي. ـ في إيه يا أماني؟ إبراهيم عمل حاجة؟ الفرح لسه مخلصش من ساعتين! ـ مفيش شرح ولا تفاصيل يا طارق.. تعال خذني حالا من الشارع اللي ورا الشقة، ومن غير ما حد يحس بيك.
هو حس بالنبرة اللي في صوتي ومسألش تاني.. فتحت باب الأوضة بالراحة كان في اوضه امه بيتكلموا وما حسوش ولا اخدوا بالهم مني ، ونزلت من السلم زي الحرامية، بس الحقيقة إني كنت بجرى وبأنقذ روحي وحياتي. ركبت العربية مع أخويا، وما بصيتش ورايا ولا بَصة واحدة، ولا حتى بصة وداع.. كأن المكان ده والمخلوقات دي ما دخلتش حياتي أصلاً.
وبعد ساعات.. لما إبراهيم وأمه استغربوا التأخير ودخلوا الأوضة، لقوها فاضية تماماً! لا أنا ولا أي أثر لهدومي أو دهبي، مفيش غير صمت تقيل بيصرخ في وشهم، صمت بيقول إن اللعبة اللي كانوا مرتبين لها انتهت قبل ما تبدأ أساساً.
بس هما طبعاً ما سكتوش.. أول ما الشمس طلعت، التليفون مابطلش رن؛ مكالمات، تهديدات، شتائم، كلام من نوعية: “هنفضحك في المنطقة”، “هنكسر عينك وعين أهلك”، “وهترجعي رجلِك فوق رقبتِك غصباً عنِك”.
بس اللي إبراهيم وأمه ما يعرفوهوش.. إن إبراهيم قبل الفرح بكام شهر، وهو فاكر نفسه أذكى خلق الله وبيحاول يضمن إني ما أخرجش عن طوعه،لكن كنت عارفه كل شغله الشمال وكل ورقه شمال زيه لميتها وانا ماشية كان متفق مع واحد وبيزوروا فواتير علشان تتقدم للحكومة والضرايب بس كنت فاهمة كل حاجة ومستنية اللحظة المناسبة.
لما بدأوا يهددوني بالتليفون ويكبروا موضوع الفضيحة، ابتسمت.. دي كانت أول مرة أبتسم فيها بجد من ساعة ما الفوطة الزفرة خبطت في وشي. بصيت لأخويا وقلت له بثقة: ـ دلوقتي جه دورنا.. يلا نلعب على مياه نضال.
أخويا في الأول اتوتر وخاف، كان مرعوب من كلام الناس وشوشرة المنطقة والفضيحة، بس لما شافني ثابته ومش بترعش، ولما حس إن أخته مش مكسورة، وقف جنبي وقال لي: ـ أنا معاكي في أي حاجة تؤمري بيها، واللي يمس شعرة منك أكل بأسناتي.
بدأت أحرك الموضوع قانونياً بهدوء شديد.. من غير صريخ في الشارع، ولا فضايح، ولا قلة أدب. مجرد بلاغات رسمية، ورق، توقيعات، ومواعيد محامين. وفجأة.. إبراهيم هو اللي بقى بيتصل تليفونياً، صوته اتغير 180 درجة، النبرة الناشفة بقت تحايل وترجي: ـ يا أماني يا بنت الحلال.. عيب اللي بيحصل ده، خلينا نحل الموضوع ودي ونستر على بعض، إحنا أهل في الآخر!
بس اللعبة كانت كبرت خلاص.. الموضوع ما بقاش فلوس ولا قضايا، كان كرامة ودرس عمره ما هينساه. أنا ما كنتش ناوية أدمر حد، بس كنت ناوية أفهمهم إن بنت الأصول لما تتظلم، ردها بيبقى بحساب، والخطأ له تمن غالي.
وفي النهاية، وبعد شد وجذب ومحاكم ومحاولات صلح، جابوا ورا وتنازلوا عن كل حاجة. اتكتب الطلاق الرسمي في المكتب، وأخدت اعتذار غير مباشر قدام الكبار، ومبلغ مالي محترم كتعويض عن كل اللي حصل. خرجت من الحكاية دي مش مكسورة ولا متأذية، بالعكس.. خرجت أقوى بمراحل، عرفت إن السكوت مش ضعف، وإن الهدوء ساعات بيبقى أشد وأخطر من ألف خناقة وزعيق.
وبعد شهور.. بدأت أرجع ألملم نفسي وأبدأ من جديد. نزلت شغلي، حياتي بدأت ترجع لطبيعتها، والضحكة بدأت تنور وشي تدريجياً. ولما كان حد من صاحباتي يسألني بكل استغراب: ـ ليه مشيتي في نفس الليلة يا أماني؟ ليه ما اديتيش نفسك فرصة؟
كنت بقرر أرد عليهم ببساطة وابتسامة صافية: ـ عشان كنت شايفة النهاية مكتوبة من أول سطر.. واللي أوله شرط وكرامة، آخره نصرة.
والحقيقة إن اللي حصل ده ما كانش نهاية جوازة وخلاص.. ده كان ميلاد “أماني الجديدة”. الست اللي ما بتتجربش مرتين، واللي لما حد يغلط في حقها مرة واحدة بس.. بيكون هو اللي اختار بيده إنه يخسرها للأبد.
بس… اللي محدش فينا كان متوقعه إطلاقاً، إن الحكاية لسه ما انتهتش، وإن كل اللي حصل في الليلة دي كان مجرد الشرارة الأولى لحريق أكبر بكثير!
بعد الطلاق بأيام قليلة، وأنا بحاول أرتب حياتي وأرجع لروتيني الطبيعي، بدأت أحس إن في حاجة غلط ومش مريحة بتحصل حواليا.. مكالمات غريبة بتيجي على خطي في أوقات متأخرة وتأفل أول ما أرد، أرقام مجهولة بتبعث لي رسائل فاضية، وناس بأسلوب مريب بيسألوا عني في الكافيه اللي جنب شغلي.
وفي يوم، وأنا نازلة من الشركة ورايحة لموقف العربيات، حسيت بنفس الخطوات المألوفة ورايا.. نفس السرعة، نفس الانتظام. وقفت فجأة ولفيت بحدة عشان أشوف مين.. ملقتش حد! بس الإحساس ما راحش من قلبي، الإحساس إن في عين مسمومة بتراقب كل تحركاتي، وإن الموضوع خرج من كونه جوازة فشلت، وبقى حاجة تانية أكبر وأخطر بكثير.
ساعتها بس بدأت أربط الخيوط ببعضها، وافتكرت نظرة إبراهيم الأخيرة ليا وأنا باخد ورقة طلاقي من المأذون.. النظرة اللي ما كانتش مجرد زعل أو كسرة نَفس، دي كانت نظرة توعد وتخطيط لشيء أسود..
النظرة دي ما كانتش مجرد زعل أو كسرة نفس، كانت تهديد ساكت.. تهديد صريح بيقول إن الحساب بيننا لسه مخلصش، وإن الخروج من تحت إيديهم مش بالسهولة دي.
قررت المرة دي إني ما أسكتش، ولا أخبي ولا داري. قعدت مع أخويا طارق وحكيت له كل حرف بيحصل معايا، من أول المكالمات المقفولة لحد الخطوات اللي بتلاحقني في الشارع. طارق ما ترددش ولا لحظة؛ النخوة والدم غليوا في عروقه، وبدأ على طول يتقصى ويسأل بذكاء وبطريقته الخاصة، لحد ما وصلنا لمعلومة صدمتنا وقلبت كل الموازين فوق دماغنا!
عيلة المنشاوي ما طلعتش مجرد عيلة بيئية ومتسلطة في بيتها وبس.. لا، دول طلعوا ليهم تاريخ طويل وأسود في حوارات مش نظيفة، فلوس مشبوهة بتدخل وتخرج من تحت لتحت، وتجارة في السكة الغلط، وناس كتير في المنطقة وخارجها بيعملوا لهم ألف حساب وبيخافوا من بطشهم. وإبراهيم نفسه غير الفواتير ليه شغل تاني ؟ اتضح إنه غارق لشوشته في شغل مشبوه وعمليات غسيل أموال صغيرة متغطية بالماركت اللي فاتحه.
التهديدات أخدت شكل تاني خالص، المرادي مش مجرد كلام في التليفون أو أرقام غريبة بتتصل وتقفل.. الموضوع بقى مباشر ومرعب.
في يوم، راجعة من شغلي بالليل، أجي أفتح باب الشقة ألاقي علامة غريبة متخربشة بآلة حادة على الخشب، رسمة جمجمة وتحتها حرف إبراهيم. وفي يوم تاني، صحينا الصبح على صوت ورق بيتسحب من تحت الباب، مسكت الورقة وأيدي بتترعش، لقيت مكتوب فيها بخط ايد تقيل وأحمر: “اللي يلعب مع الكبار.. يتحرق باللي فيه، والورق اللي معاكي تمنه حياتك”.
وأنا؟ كنت بخاف؟ آه طبعاً.. الخوف إحساس بشري طبيعي، وقلبي كان بيفضل يدق زي الطبلة من الرعب، بس الفرق المرة دي إن الخوف ما كانش بيكسرني ولا بيرجعني لورا، بالعكس.. كان بيتحول جوايا لبنزين بيولع إصراري، ويخليني متأكدة إن معايا كارت الموت اللي مرعبهم ومخليهم يترعشوا من مجرد فكرة إني استخدمه!….يتبع للجزء الاخير
في ليلة من أصعب الليالي، دخل عليا أخويا طارق الأوضة، وجهه كان شاحب والتوتر باين في عينيه. قعد قدامي وقال بصوت مبحوح: ـ “أماني.. لحد كدا وكفاية. الموضوع كبر وبقى خطر على حياتك وحياتنا كلنا. لازم ننهي الموال ده ونمشي من المنطقة، أو نسلمهم الورق اللي معاكي ونخلص من شرهم قبل ما يقع الفأس في الرأس.”
بصيت له بثبات، وقفت وحطيت إيدي في وسطي وقلت له بنبرة مفيهاش ذرة تردد: ـ “لأ يا طارق.. أنا مش ههرب المرة دي. أنا اللي بدأت الحكاية دي بصمت، وأنا اللي هخلص اللعبة دي بيدي! الهروب مش خيار، ولو خفنا دلوقتي هنفضل طول عمرنا نلتفت ورا ضهرنا.”
وبدل ما ندخل معاهم في خناق وشوارع ومواجهة مباشرة مالهاش لازمة، بدأنا نلعبها بأعلى درجات الذكاء.. كل مكالمة غريبة بتيجي كانت بتتطبع وتتسجل صوت وصورة، كل تهديد بيوصل كان بيتصور وبيتوثق، كل محاولة لتتبع خطوتي كان طارق بيجيب قرارها وبيعرف مين اللي وراها. وفي ظرف أسبوعين بس، بقينا إحنا اللي ماسكين الملف كامل بيدينا.. ملف يودي عيلة المنشاوي كلها في سكة السجن من غير ما نرفع صباع واحد!
وفجأة.. جت اللحظة الفاصلة! التليفون رن، وعلى غير العادة كان إبراهيم بنفسه هو اللي بتتصل. صوته كان متلخبط وناشف بس وراه رعب مكتوم، طلب إنه يقابلني فوراً عشان “نتفاهم ونصلح اللي انكسر”، وأنا طبعاً كنت عارفة ومتقاطعة إن مفيش حاجة اسمها تفاهم ولا إصلاح مع الأشكال دي.. بس وافقت! وافقت مش عشان أرجع خطوة لورا، لا.. عشان أحط النقط على الحروف وأنهي الكابوس ده للابد.
قابلته في كافيه هادي وبعيد عن منطقتنا.. دخل إبراهيم وهو متوتر، عينيه بتلف في المكان زي اللي خايف من خياله، الثقة والغرور المزيف اللي كانوا في عينيه ليلة ما رمى الفوطة في وشي اختفوا تماماً وحل محلهم كسرة وارتجافة ملحوظة.
قعد قدامي على الترابيزة، فضل ساكت ثواني يمسح عرقه، وبعدين قال بنبرة محروقة: ـ “أنتي مش فاهمة أنتي دخلتي نفسك في إيه يا أماني! أنتي بتلعبي مع ناس ممكن يمسحوا اسمك من الوجود في ثانية!”
ابتسمت بهدوء شديد.. ابتسامة ثقة وباردة هزت كيانه، وقلت له بصوت واطي ومسموع: ـ “لا يا إبراهيم.. أنا فاهمة كويس قوي، ويمكن فاهمة أكتر منك ومن عيلتك كمان.”
ومددت إيدي في الشنطة، طلعت دوسيه أصفر صغير.. وحطيته قدامه على الترابيزة بالراحة. جواه نسخة طبق الأصل من وصلات الأمانة المشبوهة، ومعاها فلاشة مجمّعة عليها كل تسجيلات التهديد بصوته وبصوت رجالة عيلته، ورسائل الابتزاز اللي اتبعتتلي.
أول ما عينه وقعت على الورق وشاف التفاصيل، شفت في عينيه ولأول مرة في حياتي.. الخوف الحقيقي. الخوف اللي بيشل الحركة وبيسكت اللسان.
فضل يبص للورق وليا وهو مش قادر ينطق مش مصدق ازاي الورق دا معايا واخدته وانا ماشية ، وبعدين قال بصوت واطي يادوب مسموع: ـ “أنتي… أنتي عايزة إيه يا أماني؟ تأذينا؟ عايزة كام عشان تقفلي الملف ده؟”
ساعتها بس.. حسيت إن روحي ردت لي، وإن حقي رجع لي كامل مكمل. مش فلوس، ولا ورق، ولا انتصار في محكمة.. كرامتي اللي حاولو يدوسوا عليها ليلة الدخلة، رجعت مرفوعة فوق السحاب.
بصيت له بثبات وقلت له: ـ “ولا حاجة يا إبراهيم.. مش عايزة منكم ولا مليم. كل اللي أنا عايزاه إنك تختفي أنت وعيلتك من حياتي تماماً.. لا أشوف وشك، ولا أسمع اسمك، ولا رجالتك تقرب من سكتي. وأي محاولة طيش أو تفكير في الأذية من ناحيتكم بكرة أو بعده.. الدوسيه الأصلي بالاعترافات دي هيترجم في النيابة العامة بنفس الدقيقة، وهتكون دي آخر غلطة في عمرك.”
سبته مذهول ومش قادر ينطق كلمة واحدة، وقمت وقفت، أخدت شنطتي وخرجت من الكافيه.. أول ما مشيت في الشارع، حسيت بنسيم الهواء بيخبط في وشي كأني بتنفس لأول مرة من شهور. حسيت إني خفيفة زي الريشة، كأن جبل تقيل من الهم والظلم اتزاح من فوق صدري للأبد.
ومن اليوم ده.. الدنيا هديت تماماً. لا مكالمات، لا تهديدات، ولا حتى أثر أو خبر ليهم في المنطقة.. كأن الأرض انشقت وبلعتهم، وكأن الكابوس اتمسح من الوجود.
بس الأهم من كل ده.. إني أنا نفسي اتغيرت. “أماني” الضعيفة الطيبة اللي كانت بتسامح على حساب نفسها ماتت.. وجت مكانها أماني الجديدة؛ أقوى، أهدى، بعرف أقرأ الناس من أول نظرة، ما بدّيش ثقتي لأي حد بسهولة، بس في نفس الوقت.. بقيت ما بخافش من أي حاجة في الدنيا.
بدأت أبني حياتي من جديد وعلى مياه نضال؛ أخدت ترقية في شغلي، وسّعت دايرة معارفي وناس نظاف شبهي، وحتى نفسيتي وبسمتي رجعوا أحسن من الأول بمراحل.
وبعد شهور طويلة جداً.. في يوم عادي جداً، كنت قاعدة في البلكونة بشرب قهوتي الصبح في هدوء، التليفون رن.. رقم غريب مش مسجل عندي. رديت بهدوء: ـ “ألّو؟”
جاني صوت ست كبيرة، صوت مليان كسرة وتعب.. صوت الحاجة زينب، أم إبراهيم. قالت لي بنبرة متقطعة: ـ “أماني يا بنتي.. أنا الحاجة زينب. كنت.. كنت عايزة أقولك إنك طلعتي أقوى مننا كلنا، وإننا ظلمناكي وتكبرنا عليكي.. وأنا أسفة، أنا غلطت في حقك يا بنتي سامحيني.”
سكتت ثواني.. كنت قادرة أرد، وقادرة أقول كلام يوجعها أو أطلع اللي في قلبي، بس ما نطقتش ولا كلمة. قفلت المكالمة بهدوء شديد من غير ما أرد بحرف واحد.. مش ضعف مني، ولا تردد.. لكن لأن بعض النهايات، الأفضل والأشيك لها إنها تفضل ساكتة.
والحقيقة اللي محدش يعرفها.. إن الفوطة القديمة الزفرة اللي إبراهيم رماها في وشي في أول ليلة، كانت أكبر هدية وأعظم نعمة ربنا بعتهالي.. لأنها كانت القلم اللي فايقني بدري قوي، قبل ما أغرق في مستنقع وحياة مش شبهي ولا من ثوبي.
ومن اللحظة دي.. وأنا حاطة قاعدة واحدة بس قدام عيني في الحياة: “اللي ما يحترمنيش ويقدرني من أول لحظة.. ما يستاهلش مني لحظة واحدة بعد كدا.”
تمت.
