حكايات اسماء السيد

لكنه لم ينس الدراسة. كان يقرأ الكتب التي يرميها الناس، ويدرس ليلاً تحت ضوء مصباح مكسـ,ـور، حتى استطاع بعد عامين أن يتقدم لامتحان الثانوية منازل. كان يدرس بينما الآخرون ينامون، ويعمل بينما الآخرون يحلمون. كان كل ما في داخله يصرخ: “سأخرج من كل هذا… سأخرج.” وحين ظهرت النتائج… كان الأول على منطقته. لم يصدّق الناس. ابن الشوارع؟ اليتيم؟ الأول؟ كانت المفاجأة صادمة لدرجة أن الصحف المحلية كتبت عنه، واتصلت به إحدى الجمعيات لتعرض عليه منحة للالتحاق بالجامعة.
تغيّر كل شيء بعدها، لكن التغيير لم يحدث فجأة. لم يستيقظ ليجد الدنيا وردية. بل ظل يعمل نهارًا ويدرس ليلًا، ويأكل أقل مما يأكله طفل، ويوفر كل جنيه ليكمل طريقه. كان يعرف أن العالم لا يعطي أحدًا شيئًا مجانًا، وأن الطريق الذي ينتهي بانتصار… مليء بالمسامير. في الجامعة، لم يكن يملك ملابس كالآخرين، ولا هاتفًا حديثًا، ولا أصدقاء كُثر. لكنه كان يملك شيئًا أقوى: الإصرار. كان الأول في دراسته عامًا بعد عام، حتى حصل على تدريب في شركة كبيرة، ثم وظيفة، ثم ترقّى بسرعة جعلت الجميع يتساءل: من هذا الشاب الذي لا ينهار؟ لا يستسلم؟ لا يتوقف؟
ولم يكن هناك من يعرف قصته إلا القليل، لأنه لم يروها.
لم يكن يحب أن يُعامل بالشفقة، كان يريد أن يُعامل بالاحترام فقط. وفي يوم من الأيام، دُعي لإلقاء كلمة في حفل تكريم المتفوقين. صعد إلى المنصة، بثياب بسيطة لكنها نظيفة، ونظرة هادئة تعلمت الصبر من الجوع، والقوة من الوجع. قال أمام الحضور:
> “كنت أظن أن اليُتم يعني فقدان الأب والأم فقط، لكنني اكتشفت أن اليُتم الحقيقي هو أن يفقد الإنسان من يؤمن به. كنت وحيدًا، كثيرًا. لم أكن أملك مالًا، ولا سندًا، ولا حتى غرفة أنام فيها. لكن شيئًا واحدًا لم يتركني: إيماني بأنني أستحق حياة أفضل، وأن الفقر ليس عارًا، وأن الألم ليس نهاية. إذا كان في داخل الإنسان نـ,ـار لا تنطفئ، فلن يستطيع العالم كله أن يطفئه.”
كان التصفيق طويلًا… لكنه لم يهتم له كثيرًا.
ما كان يعنيه حقًا لم يكن ما يسمعه الآن، بل ما يسمعه صبي في مكان ما، وحيد، يظن أن نهايته قد كُتبت. أراد أن تصل كلما*ته إلى قلب يشبه قلبه حين كان أصغر… حتى يعرف أن النجاة ممكنة. بعد الحفل، جاءه رجل مسن وقال له: “يا بني، لقد نجحت رغم أنك يتيم.”
فأجابه يونس بابتسامة هادئة:
“لا، يا عمّي… لقد نجحت لأنني يتيم.”
