فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت ج١ و
#الفصل_الأول
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت
تُحلق الطيور في كبد السماء متجهة إلي أعشاشها الواهنة ، فالشمس أنذرتهم بالمغادرة وهي تلملم أشعاتها الذهبية، فتنعكس حُمرة الشفق علي عيون بللون الغيوم المُلبدة، تراقب السرب المُحلق من بين قضبان نافذة شاحنة الترحيلات، بداخلها الظالم والمظلوم ولكل منهم حكاية، ومن بينهم هذا الذي ما يزال يحدج في الخارج من النافذة، يستمع لإحدهم وهو يغني بكلمات قد زادت علي جرح فؤاده أكثر ليزداد النزيف ويذرف القلب دماء الحزن والشجن.
_ آه يابا… آه يابا
ليه سبتني يابا في وسط الدنيا الغابة
تفتكر الي من دمك حبايب ويطلعو ضباع وديابة
عاشق بس الزمن رماني بكل قسوته في النار
إكمن قلبي الطيب مديله الأمان ونسيت إنه غدار
آه يابا… آه يابا
يبدو إحدهم قد مل وتملك منه الإنزعاج المنبلج علي ملامحه الإجرامية، فصاح فيمن يُغني:
_ ما كفايه إكده يا أبو عمو، مش ناجصين ولوله وعويل عاد.
صمت الذي يغني وقال له بتهكم:
_ لو مش عايز تسمع يا بلدينا عندك صوابع يدك حطها في ودانك.
حدجه الآخر بشرٍ وبتهديد قال:
_ ما أنا بدل ما أحط صوابعي في وداني أرشجها في خشمك وأطلع حنچرتك في يدي! .
أندفع نحوه في وضع الهجوم لكن دفعه العسكري يصيح فيهما:
_ چري أي منك ليه؟ ، جسماً بالله لو ما أتلميتو لأفرغ رصاص البندجية ده فيكم چتكم البلا.
أجاب الشخص الأول:
_ دماغنا مصدعه والباشا مفِكر إننا في رحلة مش رايحين نتعرضو علي النيابة.
_ واه! ، ما خُلصنا يا جنيدي، وخليك في حالك.
عاد هذا الجنيدي بجوار المُكبل معه يتأفف من الضجر، فوقف بجواره وقال:
_ أنت يا أبو عمو، شايفك عتبحلج من الشُباك و واجف أكتر من ساعة، شكل حكايتك واعرة جوي.
ألتفت له و نظر إليه بصمت ثم عاد ببصره نحو النافذة بدون أن ينبس بحرف واحد، فأردف الآخر بضيق:
_ بس أني خابرك زين، شكلك واد ناس مش وش إچرام عاد.
تنهد وأستدار له قائلاً بسخرية:
_ وعتفرج أي، واد ناس ولا ولد غلابة، أني في نظر الجانون تاچر مخدرات، دليل وشهود وأديني مترحل علي النيابة.
تعجب الآخر وقال:
_ واه يا أبوي! ، تاچر مخدرات مرة واحدة! ، طب لافيني سوجارة وحياة أبوك، صاحبك خرمان و ولد الصرمة الي كان بيغني هناك ده چابلي صداع في نفوخي .
أرتفعت شفتيه بسأم وقال:
_ مليش في الدخان.
رمقه عاقداً حاجبيه بسخط فقال:
_ عچيبة، ملكش في الدخان وتاچر مخدرات ده حتي عيبة في حجك يا چدع، ولا كيف ما بيجول المثل باب النچار مخلع.
أجاب بأقتضاب وبدأ ينبلج علي ملامحه الملل:
_ مبحبش السچاير.
لم يكُف عن طرح أسألته المزعجة:
_ مجولتليش إسمك أي؟.
زفر وأخذ يستغفر ربه في نفسه، فأجاب:
_ فارس، في أي أسئلة تاني يا أخ…..
قاطعه قائلاً بإبتسامة سمجة:
_ چنيدي، محسوبك چنيدي الدوكش.
جلس فارس بعد أن شعر بالتعب من الوقوف، فتبعه چنيدي وجلس بجواره ليكمل ثرثرته:
_ أني خابر إنك مش طايجني، بس أني أستريحتلك لله في لله، أصل صاحبك خبرة وبعرف الواحد كيف هو من نظرة واحدة، عندك مثلاً الي جاعد هناك.
أشار نحو الجالس مقابلهما وأردف:
_ ده تهمته الجتل، أني عارفه أصله من عيلة أبو حطب كان حداهم تار من عيلة چبلاوي، و ولد البومة وهو بياخد بتاره، كان معدي مأمور القسم بتاع بلدهم چت الرصاصة فيه و ملحجش التاني يهروب والعساكر جبصته من جفاه.
_ و الي هناك ده تجدر تجول عليه خُط الصعيد، كان عايش في الچبل ويا المطاريد ولما الحكومة طاردتهم هو والي معاه، أتدلي علي بلد و دخل بيت عيلة وجتل كل الي فيه رچالة وحريم حتي معتجش الأطفال، وأجطع دراعي لو كان الواد ده بيشرب أو مچذوب.
رد فارس بسخرية معقباً علي حديثه:
_ وليه متجولش إنه شيطان والإچرام بيچري في دمه.
ضحك الآخر قائلاً:
_ الشيطان جاعد هناك علي شمالك، خابر ده تهمته أي؟.
نظر له منتظراً فأردف:
_ الله يحرجه كان عاشج مرات أخوه الكبير، وهي طلعت مره خاينة وخسيسة إتفجت وياه يجتل أخوه ويمثلو إنه مات في حادثة قضاء وقدر، يجوم ربك كاشف سترهم والواد الصغير إبنها كان سامعهم وفتن عليهم للبوليس لما راحو يحججو، دنيا غداره ومتچيكش الضربه غير من الأجرب ليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت الشاحنة فجاءة بعد أن أعطي الضابط أمر صارم للسائق بأن يتوقف حيث توقفت سيارة نقل أمامهم و علي مقربة، وبداخل الشاحنة كثرت الثرثرة بين السجناء وأرتفعت الأصوات متسائلين عن سبب الوقوف فصاح بهم الأمين بأن يلزموا الصمت.
وبالعودة إلي مقدمة الشاحنة، ترجل الضابط وبرفقته المساعد، فقال:
_ أنت يا سطا الي موقفك بعرض الطريق؟.
لم يجيب عليه سائق السيارة الأخري، فكرر سؤاله ولا رد، فأثار ضيق الضابط وقرر الذهاب إليه ويريه كيف يتجاهل سؤاله، و عند إقترابه كانت الصاعقة، أرتمي الغطاء الذي كان بصندوق السيارة وظهر من أسفله رجال ملثمون ذوي بنية جسدية قوية، يحملون أسلحة قامو بإطلاق ذخيرتها للتو، لم يمهلو الضابط ومن معه فرصة الدفاع.
صاح بهم قائدهم بصوته الغليظ:
_ يلا بينا يارجالة عشان نطلع المعلم من المخروبة دي.
قتلو أي فرد من الشرطة وقامو بكسر وخلع الباب الحديدي عبر إطلاق الرصاصات وبعد أن حذرو من بالداخل، صرخ السجناء ورفعو أيديهم إلي أعلي بإستسلام سوي سجين واحد ذو ملامح صارمة و نظرات أعين مخيفة، أرتسمت إبتسامة إنتصار علي ثغره حينما رأي رجاله.
قام إحدهم بفك أصفاده وقال له بثناء مبجل:
_ حمدالله علي سلامتك يا معلم.
أجاب الآخر و هو يحمل منه سلاحاً نارياً:
_ عفارم عليكم يا رچالة.
ورحل جميعهم علي الفور، و أستغل السجناء تلك الفرصة الذهبية وهرب كل منهم بعد أن تخلصو من أصفادهم.
بينما كان فارس يتجادل مع جنيدي:
_ أنت أتچننت عايزني أهروب وأثبت عليا التهمة؟.
قال الآخر ساخراً:
_ ما تفتح مخك الي كيف الحچر الصوان، التهمة كيف الخلچات أنت لابسها وماهتجدر تخرچ منها لأن هو ده الجانون، روح أتاوي لك في مُطرح لأن الحكومة عتطلج دبابيرها علينا في كل مكان وما عيهدلهومش بال غير بعد ما يجبضو علينا كلاتنا.
كان يفكر في كلماته، ورأي أن لديه حق فذهابه إلي النيابة لإستكمال التحقيق ومنها إلي المحكمة والقاضي لم يرأف به و سيحكم عليه بالقضاء في السجن لمدة قد تصل لخمس وعشرون عاماً يفقد فيها شبابه و آماله، فعليه بالهروب والبحث عن دليل براءته لاسيما الذي حدث معه في الزنزانة أكد له من وراء دخوله إلي السجن.
وأخيراً وافق علي الهروب فقال:
_ والكلابشات كيف نخلصو منيها؟ .
أشار له جنيدي نحو الأمين المسجي علي الأرض وغارقاً في دمائه، فهو من يحمل مفاتيح الأصفاد، ألتقط فارس المفاتيح و حاول إدخال إحدهم ونجح في فتح الأصفاد.
أبتسم جنيدي وهو يزفر بحرية قائلاً :
_ يلا بينا علي أجرب مزلجان للجطر، هنتسطحو علي الي رايح نواحي بلاد بحري ونتدلي علي مصر، وهناك أرض الله واسعه.
ذهب كليهما بعد ركض مسافة ميل وأكثر حتي وجدوا مزلقان يبدو مهجوراً، وظلا ينتظران قدوم القطار المتجه إلي محافظات الدلتا، ونجحا بالقفز إليه والصعود إلي سطحه وتمدد كل منهما فوقه، ولأنهما علي معرفة أن الرحلة ستستغرق أكثر من ثماني ساعات، فأستسلم جنيدي للنوم بينما فارس ظل يحدق في السماء، يتأمل النجوم التي تذكره بمعشوقته وتمني لو يراها لو لدقيقة واحدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_( قبل مرور أسبوعان )
في مطار القاهرة الدولي يخرج من البوابة يسحب حقبيتيه خلفه، ينتظره سائق والده الحاج قاسم القناوي عمدة نجع الشيخ نور الدين الذي يتميز أهله بالطيبة والسماحة ، ولقد كانو يحبون عمدتهم الذي يتصف بالعدل و يجلب للمظلوم حقه ويعاقب الظالم علي جرائمه بلا هواده، فشعاره الكل سواسية.
_ حمدالله على السلامة يا فارس بيه.
قالها السائق بإبتسامة مرحبة وهو يري من كان صغيراً وتربي أمام عينيه أصبح رجلاً في الثلاثين ورث عن والده الطيبة والدماثة وبعض ملامحه كالبشرة المائلة للسمرة قليلاً والبنية الجسدية القوية ، و من والدته قد ورث منها لون عينيها الرمادية وخصلات شعرها مثل لون خشب الماهوجني.
بادله بإبتسامة من ثغره المحاط بشارب ولحية مشذبة وقال:
_ الله يسلمك يا عم چابر، كيف حالك يا راچل يا طيب؟ .
أجابه الآخر ويأخذ من يده الحقائب ويضعها خلف السيارة:
_ الحمدلله زين، وكيفك أنت يا ولدي؟ .
_ كيف ما أنت شايف، بخير الحمدلله، ياه يا عم چابر مصر عتوحشتني جوي، چوها وناسها والنچع و الأكتر من كل ده أبوي الحاچ قاسم وأنت والخالة هنادي.
_ وإحنا كمان يا ولدي، عتوحشتنا جوي، والي صبرنا علي غربتك وفراجكك لما كنت بتحدت ويانا صوت وصورة في المحمول.
_ وأني كمان، كنت بصبر نفسي، لحد ما الحمدلله ما صدجت أخد أچازة كبيرة لأجل أجعد وياكو، ولأجل أتچوز بنت عمي.
_ واه، أحلي خبر عاد، الحاچ قاسم أول ما عيعرف هيطير من الفرحة، كان مستني اليوم ده علي أحر من الچمر.
_ ما أني كنت عاملها مفاچاءة جولت أخبركو لما أنزل.
_ طب يلا يا ولدي خالتك هنادي موصياني أرچعك جبل المغرب، بتحضرلك كل الواكل الي بتحبه.
_ والله وفكرتني بواكل الخالة عمري ما دوجت ولا هادوج زيه، يلا بينا يا راچل يا طيب.
دخل كليهما السيارة وأنطلق جابر في طريقه إلي محافظة قنا، أخرج فارس هاتفه الذي ترك شاشته علي صورتها التي لا تفارقه إينما ذهب، فهي حب طفولته ومراهقته وشبابه، وقبل أن يسافر منذ ثلاث سنوات قام بخطبتها وأراد أن يعقد قرانه بها لكن رفض شقيقها و لم يبوح بالسبب، يعلم فارس أن رافع يحمل بداخله ضغينة وحقد وكراهية هذا لربما بسبب والده طالما وضعه مقارنة به في التعليم والعمل.
ففارس قد تخرج من كلية الهندسة بتقدير إمتياز وبسبب تفوقه أراد أن يكمل تعليمه بالخارج والحصول علي الماچيستير في مجال الإتصالات والبرمجة وبالفعل حصل عليه ولكن توقف بعد ذلك بسبب حصوله علي وظيفة مرموقة في إحدي فروع شركات ميكروسوفت العالمية في الولايات المتحدة، وحاز علي إعجاب رؤساءه بسبب ذكاءه وسرعة بديهته في العمل، بينما آنذاك كانت زينب إبنة عمه وزوجته المستقبلية مازالت تدرس نظم وحاسبات، أرادت أن تدخل كلية هندسة مثله وكان يحثها علي ذلك لكنها لم تحصل علي المجموع المناسب الذي يؤهلها للدخول حيث في وقت الإمتحانات توفت جدتها أم والدتها وكانت متعلقة بها بشدة وبكت وحزنت كثيراً علي فراقها مما أثر علي أدائها في الإمتحانات.
وبعد تخرجها قرأت إعلان يقدمه مركز تكنولوچيا المعلومات التابع للمحافظة عن حاجتهم عدة تخصصات في البرمجة والحاسبات، وبرغم وقوف شقيقها أمامها وعارض هذا بأن الفتاة لا عمل ولا خروج لها سوي الذهاب إلي بيت زوجها، تفكيره الذكوري المتسلط و ربما غيرته البغيضة بأن شقيقته الفتاه أعلي منه تعليماً وشأنناً برغم تصغره عدة سنوات، لكنها لجأت إلي عمها الحاج قاسم وقام بإقناع والدها الذي وافق بصعوبة.
وبالعودة في السيارة، قرر الإتصال بها فهو لم يخبرها بعودته وأراد أن يفاجئها، فلم يتحمل أكثر من ذلك يريد أن يسمع صوتها الذي يطرب فؤاده بأجمل الألحان، ضغط علي علامة الإتصال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ في غرفتها تتمدد علي مضجعها تغط في النوم كعادتها بعد العودة من عملها، خصلاتها الفحمية كالحرير المنسدل علي الوسادة، يبدو من إبتسامتها الخافتة تري حلماً جميلاً فقاطعها رنين هاتفها بالنغمة المخصصة له فقط، كادت تتجاهل الرنين لكن عندما أنتبهت إلي نغمة الرنين دقات قلبها تسارعت وأستيقظت،أمسكت بالهاتف ونظرت إلي الشاشة لم تصدق عينيها، رقمه المحلي وليس الدولي الذي كان يهاتفه منه في أمريكا، بلي إنه هذا الرقم الذي يمتلكه منذ سنوات وهي تحفظه عن ظهر قلب.
أجابت بللهفة وشوق وحنين:
_ الو يا فارس جلبي.
_ مهجة الفؤاد أتوحشتك.
أبتسمت بخجل، فأردف لها وكأنه يراها:
_ أني خابر خدودك دلوق بجو زي التفاح الأمريكاني، لساتك عتستحي مني يا جلبي؟ .
_ ما أنت خابر بجي عادتي يا إبن عمي.
_ إبن عمك!، رايد تنادمي عليا بالأسم الي بعشجه من شفايفك.
صمتت لكن صوت أنفاسها يتعالي وقد وصل لأذنيه، فقالت بصوت خافت:
_ فارس جلبي.
_ الله الله، كل يوم بعشج إسمي، عشان إكده لما نتچوز هخليكي تجوليه وأنتي في حضني.
أزدادت خجلاً مما جعلها تبدل الحديث فقالت:
_ مجولتليش أنت وصلت ميتي وليه مخابرتنيش من جبلها؟.
_ كنت عاملهالك مفاچاءة، وأطمني لستنا أنا وعم چابر متحركين من قدام المطار يعني كلها ست لسبع ساعات ونوصل بإذن الرحمن.
_ توصل بالسلامة يا حبيبي، عتلاجيني مستنياك، خد بالك علي روحك زين.
_ حاضر، وأنتي كمان.
وقبل أن تجيب لاحظت ظل أسفل الباب فعلمت من صاحبته التي دائماً تسترق السمع عادتها السيئة.
فقالت بصوت منخفض:
_ في حفظ الله يا جلبي، مع السلامة.
وأغلقت المكالمة وبدون أن تشعر الأخري، تسحبت علي أطراف قدميها وفتحت الباب لتتفاجئ الأخري بفزع:
_ واه، في أي يا زينب؟.
حدجتها بإزدراء وقالت:
_ أني برضك الي في أي!، واجفه قدام أوضتي وعتتصنتي عليا وأني بتحدت في التلفون.
قالت بتوتر وبإستنكار:
_ مين جالك أني بتصنت عليكي!،أني كنت معديه من أهنه رايحة أچيب خلچات لأخوكي الي بيتسبح چوه.
وأشارت نحو المرحاض الموجود في آخر الممر
رمقتها بعدم تصديق فقالت:
_ هعمل حالي مصدجاكي يا نواره، لكن وربي لو جبصتك مرة تانية، ما هجولك هعمل فيكي أي،فهماني يا مرات أخوي!.
_ مالك منك ليها واجفين إكده كيف الضراير!
قد أتاهم صوت شقيقها الأكبر وقد خرج لتوه من المرحاض يرتدي جلبابه ويجفف وجهه بالمنشفة، ألتفتت له زوجته وأبتسمت بتصنع:
_ ممفيش ياخوي، زينب كانت بتسألني عن حاچة.
ألقي عليها المنشفة وقال:
_ ياريت تسيبكم من حديت النسوان واللت والعچين وروحي حضري لي لجمة عشان خارچ.
سارت خلفه وتساءلت:
_ علي فين رايح؟.
أجابها بضيق:
_ ملكيش صالح، مين متي بجولك رايح فين ولا معاود منين!.
قالت بحزن وإستياء من أسلوب حديثه الغليظ:
_ إكده يا رافع!،حجك علي معدش أسألك تاني واصل.
_ يبجي أريح.
بينما زينب تركتهما وذهبت تبحث عن والدتها فوجدت والدها يشاهد التلفاز، فقالت:
_ أمي فينها يا أبوي؟.
أشار لها بيده قائلاً:
_ راحت تشجر علي خالتك سعاد، الظاهر إنها عيانه.
عادت إلي غرفتها لتعد الثياب التي سوف ترتديها عند إستقباله، فتحت الخزانة وأخذت تمسك بثوب وآخر حتي وقع الأختيار علي ثوبٍ بللون الزمرد وحجاب بللون الرمال، فهو من أهداها إياه.
وفي غرفة شقيقها دخلت نوارة تحمل صينية الطعام و تفكر كيف تتودد إلي زوجها الذي دائماً يعاملها بجفاء، ولأن الحماقة من شيمها السيئة قررت تخبره بأمر تعلم إنه سيثور بعدها وظنت سيقربها له، فقالت:
_ سي رافع؟.
كان يرتدي عمامته البيضاء أمام مرآة الزينة، أجاب:
_ أي؟.
وضعت الصينية فوق الطاولة وأقتربت منه تساعده في إرتداء عباءته التي يرتديها فوق جلبابه:
_ كنت عايزة أجولك علي حاچة.
ترددت فقال:
_ قصري وجولي يا نوارة.
أبتلعت لعابها بتوتر وقالت بصوت منخفض:
_ عجولك…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ و في دار القناوي تقف الخالة هنادي مع الخادمة يعدان عدة أصناف من الطعام من أجل هذا القادم.
وفي إحدي الغرف يقف الحاج قاسم أمام صورة زوجته المتوفية يتأملها بشوق وحنين قائلاً :
_ عتوحشتيني يا غالية يا أم الغالي، كان نفسي تكوني عايشة وتشوفي ولدك بعد ما بجي مهندس أد الدنيا في بلاد الخواچات، و كمان عيبجي عريس، ومارته عتكون كيف ما وصيتيني يتچوز زينب بت عمه وكأن جلبك كان حاسس إنه ولدك عيعشجها.
زفر بأريحية وتمدد علي تخته وهو يشعر بالدوار فجاءة، مد يده نحو الكمود وتناول علبة دواءه ليأخذ قرص صغير الخاص بعلاج القلب، كانت يديه ترتجف ولم يستطع بإمساك العلبة فوقعت من يديه.
رن جرس الباب ويتبعه طرقات متتالية، فقالت الخالة هنادي:
_ عتلاجيه الواد حسنين چاب اللحمة المفرومة للرجاج.
قالت لها الفتاة:
_ عروح أخدها منيه أني يا خالة؟.
أجابت الخالة:
_ لع، عاروح أني وأنتي روحي طُلي علي الحاچ.
و قامت بمسح يديها في المنشفة وذهبت لتفتح الباب، وجدت الغفير حسنين ذو الضحكة البلهاء:
_ أتفضلي يا خالة المفروم كيف ما طلبتيه.
أخذت الكيس من يده وقالت:
_ تسلم يدك يا حسنين.
_ أي خدمات يا ست الكل؟ .
_ متشكرين، لو أحتاچت حاچة عنادم عليك.
_ ألحجيني يا خالة، دخلت علي سيدي قاسم لاجيته واجع علي الأرض ومبينطجش .
صاحت بها الفتاة بملامح مذعورة خائفة، شهقت الخالة بخوف قائلة:
_ ياستير يارب.
وذهبت مسرعة إلي الغرفة فوجدت الحاج قاسم متمدد علي الأرض في حالة إغماء، صاحت في الفتاة:
_ بت يا ورد، أخرچي بسرعة جولي للغفير حسنين يتدلي علي الحكيم بسرعة.
أجابت ورد:
_ أمرك يا خالة.
وذهبت مسرعة لتخبر الغفير الذي أنتفض خوفاً علي رب عمله، وذهب إلي الطبيب وجلبه علي الفور.
دلف الطبيب فوجد الخالة هنادي تجلس بقلق و خوف، بعد محاولات عديدة لإفاقة الحاج قاسم.
فقال:
_ السلام عليكم يا خالة.
أجابت و الخوف يعتري ملامحها:
_ وعليكم السلام، ألحجنا يا دكتور، كنا مهملينه الصبح زين ويا دوب ساعتين وجولت للبت ورد تطمن عليه، دخلت لاجته واجع علي الأرض وعلبة دوا الجلب جاره واجعه، شكلها وجعت منيه وملحجش ياخدها.
أخرج الطبيب أدواته الطبية من الحقيبة وقال:
_ إن شاء الله خير يا خالة.
قام بفحصه لمدة دقائق، ثم غرز في ظهر كفه إبرة الكانيولا وقال:
_ أنا هعلقله محاليل، عشان واضح عنده هبوط فلازم يفوء الأول وبعد كده ناخده علي المستشفي.
قالت الخالة وهي تنظر للحاج بحزن:
_ مشتشفي! ، چيب العواجب سليمة يارب.
– و بخارج الدار، تحديداً في الخلف تتلفت الخادمة ورد يميناً ويساراً حتي تأكدت من خلو المكان من أي شخص ما، فأخرجت هاتفها من طيات جلبابها لتهاتف إحدهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وفي منزل آخر، فوق السطح تحمل تلك الفتاة وعاء مليئ ببواقي الطعام وتلقيه إلي الدجاج والبط، و ملأت لهما أوعية الفخار بالماء، وبعدما أنتهت من عملها كادت تلتفت لتهبط الدرج فتفاجأت به واقفاً خلفها، شهقت بخوف:
_ بسم الله الرحمن الرحيم.
حدجها بنظرة سخط تحولت إلي أخري ماكرة:
_ شوفتي عفريت إياك؟ .
قالت وهي تتراجع إلي الخلف:
_ مجصدش ياسيدي، أني بس معرفاش إنك أهنه، فأتخضيت.
أقترب منها ونظراته تتجول علي جسدها قائلاً :
_ معلش، المرة الچاية عبجي نكح لأجل متتخضيشي.
انهي كلماته واضعاً يديه علي خصرها يجذبها إليه وهم بتقبيلها فأوقفه صوت والدته التي صاحت:
_ زكريا؟ .
أبتعد عن الفتاة التي قامت بصفع وجنتها وبخوف قالت:
_ يا مُري ستي چليلة.
رمقتهما جليلة وبغضب قالت:
_ واجفه عندك بتهببي أي؟.
أبتلعت لعابها وأجابت بتوتر:
_ والله ياستي كنت بواكل الطير كيف ما جولتيلي و…..
قاطعتها الأخري بصرامة:
_ خلاص يلا أتدلي من أهنه وچهزي الواكل.
أومأت لها متجنبة نظراتها الحادة:
_ أمرك ياستي.
و ذهبت مسرعة، فألتفتت جليلة إليه فوجدته يقف ينظر لأسفل، فقالت بحده:
_ كم مرة نبهتك وحذرتك عن عمايلك العفشه دي؟.
أجاب بإستنكار:
_ معملتش حاچة.
_ واه!، والي حوصل دلوق كان أي يا ولد بطني؟.
تحمحم وحك ذقنه قائلاً:
_ كنت بجولها حاچة.
قالت بسخرية:
_ أوعي تكون يا واد فاكرني داجة زرازير إياك!، أني خابرة زين الي بتعملو سواء مع البت عبير ولا ورد الي بتجابلها في السر، وبجول بكره يعجل وربنا يهديه ويتچوز لكن لساتك كيف ما أنت و….. وعتفضل إكده، ولأخر مرة بحذرك يا زكريا لأن المرة الچاية عيكون ليا تصرف معيچبكش واصل.
وقف أمامها بتحدي وقال:
_ الحديت ده تجوليه لبكر أخوي الصغير، لكن أني راچل وحر أعمل كيف ما أني رايد و مفيش مخلوج في الدنيا يجولي تعمل ولا ما تعملش.
هوت بكفها الغليظ علي وجهه:
_ بتعلي صوتك علي أمك! .
تابعت بللهجة حادة:
_ياريتك كنت كيف أخوك في أخلاجه، لكن أنت كيف الشيطان ڤاچر ولا تعرف عيبة ولا حرام.
حدجها بنظرات نارية فهم بالذهاب قائلاً:
_ و الڤاچر عيهمهلهالك وما عتشوفي خلجتي واصل.
وتركها ورحل، بينما يهبط الدرج جاءه إتصالاً هاتفياً، أنتظر حتي أصبح خارج المنزل، فأجاب:
_ عايزة إيه أنتي كمان؟.
_ أتصلت عليك كتير جوي، كنت عايزة أجولك فارس بيه راچع من السفر وچاي في الطريج، وسيدي قاسم تعب فچاءة وعنده الحكيم.
وقبل أن يجيب لمح المقبل عليه فقال:
_طيب أجفلي دلوق وهبجي أتصل عليكي، سلام.
_ أي الي موجفك إكده في عز القياله؟.
قالها رافع، فأجاب الآخر:
_ أني رايح علي المطُرح بتاعي نواحي المعبد الجديم.
قهقه رافع وقال:
_ عمتي عملتها معاك وطردتك إياك؟.
زفر بحنق وقال:
_ أني الي مهمل الدار.
أقترب رافع و ولكزه في كتفه وسأله بخبث:
_ ليكون جبصتك مع البت عبير الخدامة؟.
أشاح بيده و بضيق قال:
_ وهي أول مرة عاد!، شكلها حاطني في دماغها لأچل تچوزني لبت عمتي الي لساتها عيله صغيره.
_ وماله يا أخوي، ماتتچوز وأعمل الي أنت رايده، كيفي إكده.
_ أني كيف الطير بيحب يحلج ويعيش حر، بلا چواز بلا هم.
زفر رافع بتأفف:
_ علي جولك، لسه مهمل نوارة و زينب ماسكين في خناج بعض، والأولي كيف تنتجم مين خايتي چاية تخبرني إنها سمعتها بتتحدت ويا فارس واد عمك وبتجول راچع و خيتي عتروح تجابله.
أبتسم زكريا واضعاً كفه علي كتف الآخر، فقال:
_ ما أني كنت عخابرك نفس الحديت، لساني عارف من البت ورد، وكمان عمك قاسم تعبان جوي والحكيم عنده شكله والله أعلم بيودع.
ضيق رافع عينيه وقال:
_ ياريت الي في بالي يوحصل، وجتها هيكون الوجت مناسب جوي.
رمقه الآخر بعدم فهم وسأله:
_ تجصد أي؟.
صوب بصره نحو الفراغ وقال بنبرة ذات مغذي:
_ عتعرف كل شئ في أوانه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وبعد مرور عدة ساعات، مازال الحاج قاسم ممدد علي فراشه بعدما أستيقظ من إغماءه، حاول الطبيب إقناعه بالذهاب إلي المشفي لكن الآخر أصر علي بقائه في الدار ولم يغادر فراشه سوي علي قبره.
توقفت السيارة بالخارج، ترجل منها فارس بللهفة يطرق الباب، فتحت له ورد:
_ حمدالله علي السلامة يا سيدي.
نظر لها مبتسماً:
_ الله يسلمك يا ورد، فينها خالة هنادي والحاچ.
أجابت:
_ الخالة عند سيدي قاسم چوه.
وطأطأت رأسها بحزن، مما دفعته قائلاً :
_ ماله أبوي؟ .
وركض إلي غرفة والده بقلق وخوف، فوقعت عينيه عليه راقد علي مضجعه في حالة يرثي لها من التعب والوهن، يتصل بيده أنبوب المحلول.
أبتسم والده حينما رآه مقبلاً عليه:
_ حمدالله على السلامة يا ولدي.
أنحني فارس علي يد والده وقبلها:
_ مالك يابا؟.
تحدثت الخالة هنادي:
_ تعب فچاءة والحكيم جال لازم يتنجل علي المشتشفي، وهو معاند ومش رايد يتحرك من السرير.
رمقه فارس بعتاب:
_ ليه إكده يا أبوي؟ .
تفوه بصعوبة قائلاً:
_ خلاص يا ولدي، شكلها هي دي نهاية رحلتي في الدنيا، كنت بدعي ربنا إن عشوفك جبل ما أروح له.
أزدرد الآخر ريقه ويمنع عبراته فقال:
_ بعد الشر عليك يابا، متجولش إكده، أني هاخدك علي المستشفي الدكتور يطمن عليك ونعاود علي الدار، أني خابر كرهك للمستشفيات.
رفع يده المرتجفة علي وجه نجله يلمس ذقنه بحنان وكأنه يتأمل ملامحه:
_ ريح جلبي يا فارس، وأسمعيني زين.
ألتفت برأسه نحو الخالة وتابع قائلاً :
_ جربي يا هنادي.
أقتربت ووقفت بجوار فارس:
_ أمرك يا حاچ؟ .
أشار بيده إلي الدورق:
_ لافيني بوج ميه.
أسرعت بسكب الماء في الكوب، فحاول فارس مساعدته في نهوض جذعه قليلاً ليتمكن من إرتشاف الماء حتي أنتهي وعاد إلي التمدد مرة أخري، تابع وقال:
_ الي هجوله دلوق وصيتي ليك يا ولدي، أولاً الخالة هنادي وكل الي بيخدمو في الدار أمانة في رجبتك.
أندفعت الخالة وبدأت تبكي:
_ متجولش كده يا حاچ، بعد الشر عل…
رفع يده وقاطعها:
_ متجاطعنيش جلبي مش حمل مناهده عاد، خليني أكمل وصيتي لأجل أكون مرتاح.
عاد بالنظر إلي فارس وأردف:
_ عمك خميس وعمتك چليلة، أني خابر كرههم وحقدهم ليا وليك وعذرهم الله يسامح چدك معاملته الجاسيه ليهم والتفرجه بيني وبينهم ، خلت جلوبهم مليانة سواد ومع إكده عمري ما أتخليت عنيهم لأنهم أخواتي مهما سو، متجطعش الود وياهم يا ولدي و أتچوز زينب وأعملها فرح يتحاكي بيه النچع كلاته، وحطها چوه عينيك، ثاني هام وهي وصيتي ليك في أهل البلد أحكم بينتهم بالعدل ولو چالك مظلوم أنصفه وچيبلو حجه، وإياك والظلم يا ولدي.
أنسدلت من عينه عبرة فقام بإزاحتها وقال:
_ كفياك حديت يا أبوي، وغلاوتي عندك تعالي نروحو المستشفي.
أعتدل في نومه وينظر إلي شئ ما لايراه سواه قائلاً :
_ أني شايفها كيف البدر، عتستناني، وأنا رايح لها.
أغمض عينيه في سلام وطمأنينة، أنتفض فارس وأتسعت حدقتيه بشدة غير مصدق، وضع يده علي عنق والده:
_ أبا؟، أبا؟ .
أخذت الخالة تبكي وتعالي صوت بكاءها بنحيب:
_ سيدي قاسم.
صاح فارس بصراخ:
_ أبا! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ في مشهد تدمع له العيون وتدمي له القلوب، يقف أهل النجع جميعاً في المقابر، الرجال في المقدمة يشاهدون مراسم الدفن والنساء خلفهم بين صراخ وعويل علي موت هذا الرجل الذي كان محبوباً من أكبرهم لأصغرهم.
بينما كان حال نجله المسكين تنتفض له خلايا الجسد، يحمل مع الرجال كفن والده ليضعوه بداخل المقبرة التي تعلو التربة، فالمقابر لديهم أعلي سطح الأرض ويعلوها قباب أو شواهد.
وهناك يقف رافع وبجواره زكريا يتصنعان الحزن علي عمهما، لكن في صدورهم كانت تتراقص السعادة، فأخيراً ستكون العُمدية من نصيب خميس القناوي لكن كيف وهناك فارس! .
تقدم رجل ضخم البنية ذو ملامح مخيفة، أقترب من رافع وأنحني نحو أذنه وأخبره شيئاً ما، فربت الآخر علي كتفه وقال:
_ عفارم عليك يا ديبكي، روح أنت وحضر للعزا مع الرچالة.
رحل ديبكي، فأقترب زكريا من رافع هامساً:
_ سويت أي يا واد خالي، أنا خابرك لما بيظهر دبيكي بيكون وراه مصيبة واعرة.
أجاب الآخر بنبرة إنتصار مليئة بالسعادة:
_ كلها ساعتين وعاتيعرف، ولو الفضول جاتلك جوي أبجي أسأل عشيجتك ورد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وفي منزل القناوي، تلملم أشياءها بداخل تلك الحقيبة المتهالكة، وقبل أن تغلقها أمسكت بظرف أبيض وقامت بفتحه لتطمأن علي المال وتحدق فيه بفرح، سمعت بأصوات في الخارج يبدو أنهم قد أنتهو من مراسم الدفن، أسرعت بدفس الظرف بين ثيابها وأغلقت الحقيبه مسرعة.
ألقت وشاحها الأسود علي رأسها وركضت إلي الخارج ثم غادرت من الباب الخلفي قبل أن يراها أحد، فكما أمرها هذا الديبكي بأن ترحل من النجع بأكمله وإلا سوف يقتلها ويرمي جثتها في الصحراء إلي الذئاب الجائعة.
دلفت الخالة هنادي تبحث عنها تنادي بصوتها الباكي الحزين:
_ ورد؟، بت يا ورد.
لا إجابة، جففت ماتبقي علي وجنتيها من عبرات وقالت:
_ راحت فين البت دي؟ .
وذهبت نحو غرفتها لعلها تكن بالداخل، فأوقفها صوت الغفير حسنين قائلاً :
_ خالة هنادي، سي فارس بيجولك أفتحي الدار لأچل الحريم الي چايين يعزو.
_ و في دار خميس القناوي، تصرخ وتبكي:
_ آه يا عمي، كنت ليا الأب والسند ياعمي.
في ذلك الحين ولج رافع يخلع عباءته قائلاً :
_ كفاياكي عويل و ولوله، أبوكي وأخوكي لسه عايشين، عتبكي علي مين إياك.
رفعت وجهها وحدجته بنظرات كراهية:
_ ملكش حديت معايا واصل، تجفل عليا باب الأوضة بالجفل لأجل ما أروحش الدفنه.
قال بتهكم:
_ عتروحي الدفنه ولا عتشوفي حبيب الجلب وتواسيه!، حطي الكلمتين دول حلجة في ودانك فارس ده صفحة وأتجفلت أو نجول أتجطعت.
نهضت وباغتته بهجوم صارخه في وجهه:
_ ليه بتكرهه جوي إكده! ، إكمنيه أحسن منك، چدع ومهندس والناس كلاتها بتحبه وأنت كيف الشيطان لو حد شافك يستعيذ بالله منك ومن شرك.
لم يتحمل كلماتها القاتلة، فلم يشعر بحاله وهو يهوي علي وجهها بكفيه، فكانت تتهاوي يميناً ويساراً من قوة صفعاته، وفي تلك الأثناء عاد والديهما ونوارة، صاحت السيدة رسمية وهي تمسك به تمنعه عن صفع شقيقته:
_ عتعمل أي يا واكل ناسك.
توقف عن صفعها ويلتقط أنفاسه يرمقها بشر ولم يحيد بعينيه عنها قال:
_ بترفع صوتها وتجل أدبها علي أخوها الكبير، وجسماً بالله ما أنتي عتعتبي باب الدار واصل.
_ والله عال يا ولدي، بتضروب خيتك وتجمر وتنهي وأني لساتي عايش.
صاح بها خميس، ألتفت له رافع وبخجل تطأطأ رأسه قائلاً :
_ حجك علي يا أبوي، مجصديش، كل الحكاية الهانم خرچتني عن شعوري لما غلطت فيا.
نظر نحوها والدها ليجدها ترتجف وتبكي بين زراعي نوارة التي تربت عليها، فبرغم خلافتها معها لكنها شعرت بالشفقة فهي تعلم قسوة زوجها عندما يفقد أعصابه وتثور أغواره.
قال خميس:
_ صوح الي جاله أخوكي يا زينب؟.
أجابت ببكاء و ترمق شقيقها بكراهية شديدة:
_ أيوه، جولت له إن فارس برجبته و الكل شايفه شيطان رچيم.
زجرها رافع بنظرة مرعبة قائلاً :
_ سامع يا ابوي! .
رمقتها والدتها بإمتعاض وقالت:
_ كيف بتجولي علي أخوكي الكبير شيطان! .
صاح خميس بأمر:
_ إعتذري لأخوكي يا زينب.
صاحت برفض تام:
_ لع يا أبوي.
زفر خميس بغضب وقال:
_ إكده عتكسري كلامي؟، يبجي منك ليه والي عيجولك عليه أخوكي عتنفذيه بالحرف الواحد، أني رايح العزا، أبجي حصيلني يا رافع.
فقالت رسمية:
_ وأني رايحة ويا چليلة خيتك دار القناوي.
_ خديني وياكي يا خالتي.
قالتها نوارة، فقال رافع بأمر حازم:
_ مفيش مرواح، عتقعدي ويا المحروسة عجبال ما نيچي، ولو خطت خطوة برة الدار عتكوني أنتي المسئولة قدامي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بعد أن عاد من المقابر ولج إلي غرفة والده يتأمل كل ركن وكل أثاث تحتويه، فهنا علي الكرسي المقابل للتخت كان والده يجلس ويتلو آيات القرآن الكريم و في ركنٍ آخر كان يؤدي فريضته، وأسفل التخت كان ملاذه عندما يخطأ ووالدته تركض خلفه وتريد معاقبته فيختبئ بالأسفل ويأتي والده يقول له:
_ ما تخافش يا فارس، أطلع من عندك.
يخرج وينظر ببراءه إلي والده ويقول:
_ أني معملتش حاچة يا أبوي، رافع واد عمي هو الي جص حبل الخلچات الي أمي لساتها غسلاهم وراح جالها فارس الي عملها.
جذبه والده بين زراعيه وأحتضنه بحنانه الذي يغمره به دائماً وقال:
_ مصدجك يا ولدي، هو طالع كيف أبوه يعملو المصيبة ويلزجوها لغيرهم، ربنا يهديهم.
أشتد الصغير من عناق والده وقال:
_ أنا بحبك جوي يا أبوي.
أجاب عليه بعناق أقوي:
_ وأنا كمان يا غالي يا ولد الغالية.
_ تذكر ذلك المشهد وكأنه حدث للتو، لم يشعر بالعبرة التي أنسدلت منه رغماً عنه، أتجه إلي الخزانة ففتحها وأخذ جلباب والده الذي ما زال متعلق به رائحة عطره المكون من المسك والعود، أستنشقه بشده وأجهش بالبكاء كطفل صغير و أخذ يردد:
_ ليه سبتني لوحدي يابا! ، ملحجتش أترمي في حضنك وأتحدت وياك، أحكي لك عن أيامي في الغربة، آه يابا، آه يابا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تخطو غرفتها ذهاباً وأياباً تريد أن تذهب وتلقاه، تعلم كم يحتاج إليها في هذا الوقت، لابد إنه يحتاج إلي عناقها ويفيض ما بداخله من حزن وآسي علي فقدان والده.
خرجت من غرفتها بدون أن تصدر أي صوت تبحث بعينيها عن نوارة فوجدتها تجلس علي الكرسي أمام التلفاز وتغفو رغماً عنها، فها هي فرصتها في الهروب لدقائق فقط، أرتدت الحجاب علي عجلة من أمرها وذهبت لكي تفتح باب المنزل فوجدته موصداً من الخارج بالمفتاح، زفرت بتأفف، حتي توصلت إلي فكرة الهرب من نافذة غرفتها التي تطل علي حديقة فلم تكن بالإرتفاع الذي ستتأذي إذا قفذت منها.
وبالفعل نجحت في القفز، وتسللت إلي الخارج عبر بوابة الحديقة التي يبدو أنهم قد نسو إغلاقها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– ظل هكذا لدقائق حتي بدأ يهدأ، طرقات علي باب الغرفة فقال:
_ أتفضلي يا خالة هنادي.
دلفت هنادي تحدجه بحزن علي حالته، فقالت بصوتها الحنون الهادئ:
_ لساتك عتبكي يا ولدي؟ .
أجاب وهو يواري وجهه عن عينيها:
_ لاء مفيش حاچة يا خالة.
أقتربت منه وربتت عليه بحنانها المعتاد وقالت:
_ طب يلا أخرچ فيه ناس رايدين يجبلوك.
قال برفض تام:
_ وأنا ما رايدش أجابل حد عاد.
فجاء صوت أنثوي رقيق يقف لدي باب الغرفة:
_ حتي أني يا فارس! .
ألتفت لصاحبة الصوت فها قد جاءت في أشد الأوقات إحتياجاً لها، رمقها بنظرات حزن وألم وهي كذلك بل كانت نظراتها مليئة بالشوق الجارف، خرجت الخالة هنادي لتتركهما في هذا اللقاء القوي، وبالفعل لم يشعر بساقيه وهو يركض نحوها ليرتمي بين زراعيها وقال ببكاء مرير:
_ أبوي مات يا زينب، الحب والحنية وكل حاچة حلوة راحت ومش راچعة.
ربتت عليه وقالت:
_ متجولش إكده يا واد عمي، أني وياك.
نظر في وجهها وملامحها التي يحفظها عن ظهر قلب ويعشق كل تفاصيلها الدقيقة، كم أغرقت ذهبيتيها لُب فؤاده عند التحديق بداخلهما، رفع يده وأخذت أنامله تلامس وجنتها المياس، تلاقي إبهامه عبره تنحدر ببطئ، فقام بإزالتها وقال:
_ المفاچاءة الي كنت عجولك عليها، هي إن عنتچوز في خلال أسبوعين، وبعد الفرح اخدك وياي ونسافرو علي أمريكا، لكن كيف ما أنتي خابره وشايفه.
بداخلها يتراقص من السعادة لكن لم تظهر ذلك مراعاة لمشاعره، فقالت:
_ ولا يهمك يا حبيبي، عمي قاسم الله يرحمه كان عمي وأبوي ما في حد في حنيته وطيبته، و مفيش مشكلة لو أچلنا جوازنا لحد الأربعين، بعدها نكتبو الكتاب و نسافرو وياك، معوزاش فرح، فرحتي هي أكون حدك وچمبك ولا حاچة تفرجنا.
ومن شيمه التي تعلمها لم يستطع الرد علي كلماتها التي تأسر حواسه بل كان يجيب عليها بأفعاله، فجذبها إلي صدره وعانقها بقوة لايعلم ما ذلك الشعور وتلك الإنقباضة التي تسري بداخله، يخبره حدسه بأن هذا العناق ربما لم يتكرر، وكلما زاد إحساسه بالخوف كلما يشتد من إحتضانه لها وتفوه بكل ما يُكن إليها من مشاعر عشق و تيم:
_ بعشجك جوي يا زينب.
دفنت وجهها في عنقه، تشعر بالخجل وتختبأ بين زراعيه، وما لبثت تلك المشاعر الجامحة إلا دقائق معدودة ليقاطعها طرقات قوية علي باب المنزل، أنتفضت مُبتعده عنه وبخوف فقال لها:
_ مالك خايفه إكده؟ .
تمسكت في زراعه كالطفلة وقالت بملامح مرتجفة:
_ عتلاجيه رافع أخوي، لو خابر أني إهنه ممكن يجطعني.
قطب حاجبيه بضيق فقال وهو يربت عليها:
_ متخافيش وخليكي أهنه، محدش يجدر يجربلك وأنا وياكي.
خرج من الغرفة وأغلق الباب وذهب ليري من الطارق، فوجد الخالة أقبلت عليه بتوتر قالت:
_ ده، ده.
_ في أي يا خاله ماتنطجي؟ .
أتاه صوتاً غليظ من خلفها قائلاً :
_ حمدالله علي السلامة يا باشمهندس فارس.
كان ضابط المخفر التابع للنجع، أجاب فارس:
_ الله يسلمك يا حضرة الظابط، أتفضل.
تحمحم الضابط بإحراج وقال:
_ أنا عارف الظرف الي عندك، والحاج قاسم الله يرحمه كان عزيز علينا كلنا، بس للأسف ده شغلي، جايلي أوامر بتفتيش البيت.
رمقه فارس بإمتعاض وقال:
_ كيف يعني تفتشوه، چري أي يا مچدي بيه! .
أخرج الضابط من سترته ورقة و أعطاها له:
_ ده أمر من النيابة يا باشمهندس.
ألقي فارس نظرة علي محتواها، زفر بضيق وأعطاها له قائلاً :
_ أتفضلو.
أشار الضابط إلي العساكر ليدلفو إلي الداخل وأنتشروا في أرجاء المنزل، كاد إحدهم يفتح باب غرفة والده، صاح به فارس:
_ وجف عندك.
فأنفتح الباب وخرجت زينب تنظر لهم بقلق، ركضت نحو فارس وتشبثت به كطفلة صغيرة وقالت :
_ الي بيُحصل يا فارس؟ .
حاوطها بزراعه ليطمأنها وينظر إلي الضابط في آن واحد، قال:
_ مفيش، الظاهر إكده حد مجدم بلاغ كيدي.
خرج عسكري من غرفة فارس يحمل حقيبة جلدية:
_ تمام يا مچدي باشا، أني لاجيت الشنطة دي تحت سرير الباشمهندس.
وضعها أعلي المنضده وقام بفتحها فظهرت أكياس تحتوي علي المخدرات، شهقت زينب و ضربت كفها علي صدرها بصدمة:
_ يا مُري.
وكانت الصدمة تلجم لسان فارس الذي يحدق في محتوي الحقيبة غير مصدق، فقال الضابط بتهكم:
_ أي ده يا باشمهندس؟، واضح الي قدم فيك البلاغ كان متأكد.
هز رأسه بالنفي وقال:
_ مليش صالح بالي قدامك ده، ولا أعرف كيف وصلت لأوضتي.
فقالت الخالة بدفاع:
_ يا حضرة الظابط، جسما بالله فارس ما خطاش أوضته عاد، كان راچع من السفر وأتدلي علي أوضة الحاج قاسم الله يرحمه وملحجش حتي يغير خلجاته و يا دوب لساته راچع من دفنة أبوه.
رد الضابط بحزم:
_ الكلام ده يبقي يقوله في المحضر.
صاحت زينب بتوسل:
_ فارس عمره ما يعمل إكده، ده بالتأكيد حد دسله الشنطه تحت سريرو.
لم يكترث الضابط لكلماتها بل أعطي أمره إلي العساكر:
_ هاتو معاكو الحرز وهاتوه علي البوكس.
أمسكو به وأتجهو إلي الخارج في ظل صرخات الخالة وزينب التي تركض خلفهم، صعدوا إلي داخل صندوق السيارة، وقبل أن تذهب صاح فارس:
_ خدي زينب يا خالة هنادي و روحيها علي بيت عمي.
أجابت وهي تبكي علي إبنها التي لم تنجبه:
_ أطمن يا ولدي، عاتصل بعبدالمچيد المحامي وعجوله يحصلك علي القسم.
_ فارس برئ يا حضرة الظابط، فارس برئ.
أخذت زينب ترددها وتتلوي بين يدي الخالة التي منعتها من الركض خلف السيارة وهي تنطلق.
لم تتحمل ما حدث وفاة عمها الذي كان بمثابة والدها وأكثر أم ما حدث للتو، تلفتت من حولها وجدت أهل النجع يتجمعون مرددين بعض عبارات الأسف والحزن علي ما يحدث.
ما زالت تبكي وتنادي بأسمه:
_ يا فارس، يا فارس.
وقعت جاثيه علي ركبتيها وعبراتها تتساقط علي الأرض، فتوقفت عن البكاء عندما وجدت حذاء صاحبه يقف أمامها بطوله الفارع، رفعت رأسها لتري آخر وجهه تتمني رؤيته الآن.
جذبها من زراعها بعنف وقال من بين أسنانه:
_ أي الي خرچك من الدار يا فاچرة؟.
حاولت التملص من قبضته وهي تضربه بكفيها:
_ بعد عني.
_ حجك علي أني يا رافع بيه، هي چت تسألني علي حاچه وكانت راچعه لكو تاني.
قالتها الخالة فأجاب الآخر بحديه:
_ أخرسي أنتي يا وليه، محدش جالك تدافعي عنها، وأنا خابر أعلمها كيف متسمعش كلامي وتكسرو لأجل عيون حبيب الجلب الي هيشرف السچن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ و بداخل مكان يسوده الظلام سوي بقعة ضوء خافته مسلطة علي هذا المقيد من معصميه لأعلي بسلاسل من حديد صدأ، يذرف دماء من أنفه وفمه، يردد بصوت خافت:
_ عطشان، عطشان.
توقف عندما سمع صوت الباب الحديدي يصدر صريره المزعج وخطوات أقدام تدلف المكان، لم يتمكن من رؤية أصحابها، لكن هناك ما دب في أوصاله الرعب وتمني الموت قبل أن يري صاحب ذلك الصفير الذي يدوي صداه في الأرجاء، من سواه له تلك العادة عند لقاء ضحيته!.
دقات قلبه تكاد تصم أذنيه من الخفق بقوة خوفاً قاتلاً، يا ألهي فلقد أقترب و وقف أمامه، وقعت عينيه علي حذاءه الأسود يخشي أن يرفع بصره، لكن صاحب الحذاء قال بهدوءه المرعب موجهاً حديثه إلي إحدي رجاله:
_ ها، لسه ما قالكوش مين الي سرق البضاعة؟.
أجاب الرجل بصوته الغليظ:
_ لاء ياباشا، برغم إننا جربنا معاه كل حاجة.
لاحت إبتسامة علي شفتيه فقط، فقال:
_ خلاص كفايه الي عملتوه، هزرنا معاه كتير.
أشار للرجل، فأسرع الآخر بإحضار حقيبة كبيرة سوداء و وضعها فوق المنضدة:
_ أتفضل يا باشا.
وما أن فتح الحقيبة ظهر بريق أدوات الجحيم التي بداخلها، ألتقط منها قفازاً مطاطياً وأمسك بهاتفه وأخذ يضغط حتي صدح صوت موسيقي هادئة، وضعه جانباً ثم ألتقط سكين ذو حافة مُدببة وشفرة حادة، وبدون أن ينظر للرجل المقيد المسكين قال:
_ زمان في أوروبا لما كانو عايزين يعرفو معلومة صاحبها مُصر علي الكدب زيك كده، فبيلجأو معاه لكذا طريقه يالحرق يا يحطوه علي أي آلة تعذيب يا.
أقترب من أذنه وقال بنبرة جعلته يتبول رغماً عنه:
_ بيسلخو جلده ولحمه عن عضمه.
وما إن رأي الآخر يده ترتفع وبها السكين نحو صدره ، أخذ يصرخ و يقفز برعب في مكانه:
_ هقول علي كل حاجة، هقول علي كل حاجة.
وقبل أن تخترق سن السكين جلده المتعرق من الخوف، توقف الآخر مستمعاً لأعترافه:
_ رافع القناوي هو الي أمر رجالته بسرقة البضاعة من مخازن المينا.
تراجع إلي الخلف وترك السكين في الحقيبة، أخرج من جيب سترته سيجاره الخاص وقداحة ليشعلها وقام بوضعها بين شفتيه ثم زفر دخاناً كثيفاً، وبنظرات شيطان قد جاء من قاع الجحيم ردد بتوعد:
_ رافع القناوي!.
#الفصل_الثاني
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ يجلس مغمض العينين في محاولة إستيعاب ما يحدث له من مصائب تتوالي فوق رأسه، و عليه بالصبر علي تلك الإبتلاءات.
نهض إحدي المساجين بعد أن تأمل ملامحه وعلم بهويته، جلس بجواره قائلاً :
_ فارس ولد الحاچ قاسم؟.
فتح عينيه وأستدار له بجسده، مجيباً:
_ أيوه أنا.
أنبلجت إبتسامة علي وجه هذا الشاب وقال:
_ أني منصور ولد عمك عبدالفتاح صاحب أبوك، مش فاكرني إياك؟ .
صمت لثوان يتذكره، فقال:
_ أيوه أفتكرتك، كيفك وكيف عمي؟ .
أطلق تنهيده ثم قال:
_ أبوي تعيش أنت بجي له سنتين، وأني كيف ما أنت شايف مسچون بجي لي أسبوع وأكتر وباينهم عيعرضوني علي النيابة.
_ تهمتك أي؟.
أجاب منصور:
_ خايف أجولك تزعل مني.
_ وهزعل ليه؟.
حدجه بتوتر وقال:
_ أصل سبب دخولي السچن زكريا واد عمتك الله يحرجه، كنا شاغلين في مخازن الخشب الي نواحي المعبد الجديم، وكنت مزنوج في جرشين لأجل عملية القلب لأمي، وهو كيف الشيطان جومها في دماغي وخلاني أخد من فلوس العهدة وأرچعها لما نجبض علي آخر الشهر ويدبر لي باجي المبلغ، و حظي المهبب عملو چرد تاني يوم ولاجو الفلوس ناجصة عشرة آلاف جنيه، كنت وجتها مع أمي في المستشفي ودخلت العمليات، أتصلو علي جاله لي تعالي المخازن ضروري، روحت لاجيت الدنيا مجلوبة، وما حستش بحالي غير وأني أهنيه، وخالي وعمي أتخلو عني كالعادة.
ربت فارس عليه بمواساة:
_ ربك كريم وعيفرچها من عنده، بس أنت غلطت لما مديت يدك علي الأمانة، وبعدين من ميتي وبتسمع كلام زكريا!،ما حرمتش من أيام المدرسة لما كان بيعمل مصايب ويوجعك أنت فيها وكانو عيرفدوك لولا أبوي أتوسطلك عند المدير!.
زفر بسأم وقال:
_ ياما دجت علي الراس طبول يا واد عمي، سيبك مني دلوق جولي بتُعمل أي أهنيه؟.
أجاب بنبرة مليئة بالشجن:
_ لساتني راچع من أمريكا كنت چاي نتچوز بنت عمي، مجرد دخلت الدار لاجيت أبوي تعبان جالي وصيته ومات.
_ واه، حاچ قاسم مات!، لا حول ولاقوةالابالله، البقاء لله.
تجمعت عبراته بداخل رماديتيه وأكمل حديثه:
_ مش مصدج لحد دلوق إنه مات، مش عتصدجني لو جولتلك أني محتاچ لحضنه جوي.
ربت منصور عليه وقال:
_ وحد الله يا فارس، ما يتعزش علي الي خلجه، ربنا يرحمه هو وأبوي وچميع موتانا.
_ أنا بدعي ربنا يلحجني بيه.
_ تف من خشمك يا چدع، ربنا يديك العمر والصحة، أنشف إكده، أني خابر هو كان ليك كل حاچة لكن ده أمر الله يا أخوي وكلنا هنموت.
_يارب.
أخذ يجفف عبراته ويستعيد رباطة جأشه، فأردف:
_ ملحجتش أفوج من موته، لاجيت البوليس چاي لنا الدار ولاجو شنطة مخدرات في أوضتي.
صاح الآخر بصدمة:
_ مخدرات!، كيف دي؟.
_ كيف ما سمعت، وإحساسي بيجولي إن فيه الي ماصدج أبوي مات وجال يتخلص مني.
نظر له منصور يفكر في أمر ما:
_ عجولك وتصدجني؟.
رفع وجهه ونظر إليه بترقب:
_ أنت عارف حاچة؟.
أبتلع لعابه ثم قال:
_ عجولك، بس بالله عليك ما تچيب سيرتي واصل.
أومأ له فارس وقال:
_ ما تخافش أوعدك ما هاچيب سيرتك.
_ في ليلة كنا سهرانين قدام المخازن أنا وزكريا، وچه رافع واد عمك وجعد ويانا وشربو سچاير حشيش لحد ما تسطلو، زكريا كان بيتحدت وياه عنك أنت وأبوك، فجاله رافع أنه محضرلك مصيبة واعرة عتوديك ورا عين الشمس، ومستني إنك ترچع من بره، ولما حسو بيا وأنا جاعد وياهم هددني رافع وجالي لو چيبت سيرة لحد ما عيطلع عليا نهار أنا وأمي، وأنت خابر إحنا غلابة ومالينا غير ربنا، ورافع واد عمك الشر بيچري في دمه.
عاد بظهره إلي الحائط في صمت يعلم ما قيل له ليس كذباً أو إفتراءً، طالما رافع يكرهه ويكيد له المصائب منذ الصغر، وعندما سأله في مرة لما هذا كل الحقد والكراهية، أجابه الآخر لأنه إبن قاسم، لم يفهم مغذي إجابته إلا عندما كبر وعلم من الخالة هنادي بأن عمه وعمته أشقاء والده من الأب فقط حيث والدتهما الزوجة الأولي و والده من الزوجة الثانية التي تزوجها جده الحاج قناوي عندما سافر إلي المنصورة ورآها هناك في حفل زفاف إحدي معارفه، كانت شديدة الجمال والصبا، لم تتجاوز الخامسة عشر آنذاك ، وبعدما تزوجها أنجبت قاسم الذي ورث معظم صفات والده وملامحه، فكان قناوي ظالماً لزوجته الأولي تركها بمفردها تربي نجلهما وأكتفي بإرسال المال فقط لهم وحرمهم من حنانه وعطفه الذي كرسه لقاسم فقط و والدته، وعندما كبر قاسم كان والده يريد تزويجه من بنات العائلة لكنه أحب إبنة خالته التي تشبه والدته كثيراً، تزوجها بعدما أنتهي من قضاء خدمته العسكرية في الجيش وأنجبت له فارس، كان الحفيد المفضل كوالده لدي جده الذي أوصي بأن العُمدية سيتوارثها فارس من بعد والده مما أثار ضغينة خميس وولده وكذلك أيضاً جليلة التي حُرمت من حنان والدها ولم تتلق سوي قساوة وحقد أمها من ما فعله والدها معها من ظلم وأنانية.
فلم يتعجب فارس عندما يعلم بأن من زج به إلي السجن رافع الذي ورث الكراهية والضغينة من والده وجدته.
_ فارس قاسم القناوي.
نادي بها العسكري الذي دلف للتو، لكزه منصور عندما لم يجب:
_ كلم يا فارس، بينادم عليك.
أنتبه فارس وصاح:
_ أيوه.
أشار له الآخر:
_ جوم يا ولدي، عبد المچيد المحامي مستنيك في مكتب المأمور.
نهض فارس وذهب معه، داعياً ربه بأن يظهر براءته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تجلس خلف القضبان الحديدية التي قام بوضعها شقيقها علي نافذة غرفتها بعدما علم كيفية هروبها، تنظر إلي السماء و الكروان يحلق مُغرداً وكأنه يطمأن قلبها علي من يتلوع ألماً من القلق عليه، رفعت كفيها لأعلي وقالت:
_ يارب نچيه كما نچيت سيدنا يونس من بطن الحوت، فارس غلبان وملهوش غيرك وأنا، وأني ما رايدشي غيره يكون زوچي وأبو عيالي.
طرقات علي الباب يتبعه صوت زوجة أخيها:
_ زينب أنتي صاحية؟.
_ ما واكلشي يا نوارة، رچعي الصينية المطبخ.
فتحت نوارة الباب ودلفت تحمل صينية الطعام وضعتها علي المنضدة القريبة من التخت، ثم ذهبت وجلست بجوارها قائلة:
_ أني حاسه بيكي وبالنار الي في جلبك وجلجك علي فارس، أصلي زيك إكده عاشجة لكن الفرج الي بينتنا إن الي بتحبيه بيحبك ويمكن أكتر كمان، لكن أني الي بحبه جلبه كيف الحچر جاسي، يمكن الحچر حنين عنيه.
تنهدت زينب وقالت:
_ رافع أبوي ملي جلبه جسوه ومن إحنا لسه عيال صغيرين، غرس چواه إن الحب ده للنسواين والي جلبهم ضعيف لكن الراچل لازم يكون جلبه جوي وميهزوش حاچة واصل.
_ إكده كيف الي معندوش جلب عاد.
_ وطالما أني معنديش جلب، أتچوزتيني ليه؟.
أنتفضت نوارة تنظر إلي صاحب الصوت، فوجدته واقفاً يرمقها بنظرة توعد، أزدردت ريقها بخوف، وقالت بتوتر:
_ أني، أني كنت بحط الواكل لزينب.
لم تجد مبرر لجملتها التي سمعها، فغادرت الغرفة تحت نظراته، زفر بملل وهو ينظر إلي الطعام الذي لايمس فقال:
_ إحمدي ربك إني كنت ماسك نفسي عنيكي، لولا أمك حلفتني أني ما أچيش چمبك كان زمانك مرميه في المشتشفي بين الحياه والموت.
رمقته بإبتسامة ساخره وقالت:
_ الي عيسمعك ميشوفش وأنت حابسني في أوضتي وحاطط حديد علي الشُباك وموجف رچالتك بره كمان.
تقدم عدة خطوات حتي وقف أمامها وبكل قسوة وجبروت ينظر لعينيها التي تتجمع بها عبراتها، فتحدث بفحيح :
_ عتبكي عليه!، وفري دموعك لأن عخليكي تجري الفاتحة علي روحه وتبكي بدل الدموع دم.
جزت علي فكها تحاول أن تتماسك، تشد علي قبضتها حتي أبيضت مفاصل أناملها:
_ ياه، للدرچدي!، حارجك جوي وعايز تجتله!، سوي فيك أي عشان تكرهه إكده؟، ده أنت حتي ماشوفتش منيه غير كل خير، ياما وجف وياك لما كان أبوي بيجسي عليك ويطردك بره الدار من غير خلچات، كان بياخدك علي دارهم ويعطيك خلچاته وينيمك في فرشته، نسيت كل ده يا ولد أبوي؟.
لم تلمس كلماتها قلبه بل زادته حقداً ، كشر عن أنيابه بملامح مخيفة، قبض علي عضدها بقوة ومن بين أسنانه زمجر قائلاً:
_ بكرهه لأنه السبب في كل الي چرالي علي يد أبوي، أيوه مانسيتش وجفته چمبي لكن مانسيتش أني كنت بتضرب وبتطرد بسببه، عشان أكون كيف فارس ولد زهرة متعلم و بجي مهندس وأني الچاهل الفاشل، عرفتي بكرهه ليه!.
حاولت جذب عضدها من قبضته لكنها فشلت بسبب قوته، فلاحظ علي ملامحها الألم، ترك زراعها.
_ ما أنت بجيت تاچر حديد كبير في السوج وعنديك مصنع ماشاء الله من أكبر المصانع في جنا كليتها.
صاح بإمتعاض:
_ خردة، جصدك تاچر خردة، الحاچة الوحيدة الي فلحت فيها بعد ما كل البيبان أتجفلت في وشي، حتي البنت الوحيدة الي كنت رايدها ما أتچوزتهاش.
_ ومالها الخردة، مش عيب ولا حرام، وبالنسبة لحبك الجديم فاطمة، أنت الي خسرتها لما مشيت ورا أخوها الفلتان زكريا وتروحو تسهرو ويا الغوازي وبنات الليل، فاكر بعد ما تعيش دنيتك في الحرام عتوافج تتچوزك !، أني لو منيها كنت عاعمل زيها وأكتر، لأن دي إسمها خيانة.
شعر بغليان دماءه في عروقه عندما واجهته بالحقيقة التي ينكرها دائماً، فأراد أن يقلب دفة الحديث عليها، قال:
_ ومين جالك إن حبيب الجلب ماكنش عايش حياته ويا الخواچات هناك في البلد الي كان فيها!، معجول عيشوف حريم من غير خلچات وخمر كيف الرز و ما عيغلطش!، ملاك نازل من السما إياك .
نظرت له بتحدي وقالت بثقة تُحسد عليها:
_ فارس ما عيملش إكده واصل، خابر ليه؟، لأنه راچل و چدع وما يجبلش الحرام ولا يجرب له، وعارف ربنا وبيخافه، مش كيف واحد كان عايش وغرجان في الحرام.
أمسك برسغها يعنفها قائلاً:
_ أسمعي يابت أنتي، لو سمعتك تچيبي سيرته تاني علي لسانك، عخليكي تحصليه ولا يهمني حد واصل.
أستشفت من كلماته إنه بالفعل ينوي التخلص منه، أتسعت عينيها بخوف، كاد يذهب من الغرفة فأوقفته:
_ رافع؟.
ألتفت إليها قائلاً:
_ أي؟.
أقتربت منه وتنظر له بتوسل ورجاء تثنيه عن ما ينوي عليه من شر نحو فارس، أمسكت يده وبترجي قالت :
_ لو ليا عنديك خاطر أبوس يدك هملو لحاله، ماتچيش چمبه، كفايه المصيبة الي واجع فيها، غير موت عمي الي ملحجش ياخد عزاه.
ظل صامتاً يحدق في داخل عينيها ويري صورة ألد أعدائه، ومدي خوفها وحبها له، قال لها:
_ موافج.
تنفست الصعداء ولكنه أكمل قائلاً:
_ بشرط تنسيه واصل.
رمقته بصدمة وقالت:
_ كيف أنساه؟.
بسمة دهاء أعتلت شفتيه ولم تصل لعينيه، أجاب:
_ تنسي خطوبتك منيه.
أرادت أن تساير طلبه المجنون هذا، فهو أكثر الأشخاص يعلم بمدي حبها إلي فارس قلبها، فكيف يطالبها بنسيانه!.
_ أني موافجة.
_ وعتثبيتي لي موافجتك دي بالفعل مش بالجول، أني مش عيل صغير تتضحكي عليه.
خفق قلبها بخوف، فتساءلت:
_ وعايزني أثبتلك كيف يعني؟.
أمسك طرف ذقنها يرمقها بنظرة زادت من خوفها أكثر:
_ عاتعرفي لما تبدلي خلچاتك وتيچي وياي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كيف يا عبد المچيد الي عتجوله ديه؟ .
قالها فارس بغضبٍ، فأجاب عليه محاميه قائلاً :
_ إهدي بس يا فارس بيه وأسمعني، دلوقتي أطلعت علي المحضر بالكامل مكتوب فيه ضبط شنطة المخدرات من أوضتك ومن تحت سريرك وكمية مش هينه، ده حوالي عشر كيلو كوكايين بودرة، يعني أقلها تأبيدة والمصيبة إن فيه تلاته من المساجين الي تهمتهم حيازة مخدرات شهدوا إنك بتاجر فيها وبيتعاملو معاك بقالهم أكتر من سنة، وعشان أقدر أطلعك من كل البلاوي دي أقلها شهر، ده غير المفروض إعلان الوراثة بتاع الحاج قاسم الله يرحمه وكونك وريثه.
زفر فارس وقال بصوت مختنق :
_ خد كل الفلوس بس خرچني من إهنه، ده أني ملحجتش أخد عزا أبوي، ملحجتش أبكي عليه.
حدجه بنظرة شفقة لايدري ماذا يفعل، قال:
_ وحد الله يا فارس يابني، دي إبتلاءات من ربك إستغفره وأدعي يفك كربك ونلاقي مخرج من القضية الصعبة دي.
ردد الإستغفار بصوت منخفض، و جلس علي أقرب كرسي له يزفر مابين كفيه.
_ عايز أعرف الي عيحوصل دلوق؟ .
أجاب الآخر بقلة حيلة:
_ دلوقت هاتفضل محبوس لحد ما تترحل علي النيابة، يعني حوالي عشرة ل 15 يوم.
_ نيابة!.
ردد الكلمة غير مصدق و زم شفتيه يشعر بالألم، ليس ألم جسدي بل نفسي معنوي، وكأن روحه تزهق من الشعور بالظلم وحزنه علي والده، الآن أصبح وحيداً شريداً، فماذا تخبئ له الأيام من مصائب جماً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ عاد من عمله بعد غياب يومين، فتوقف بسيارته أسفل بناء مسكنه الذي يقع في حي المعادي، نزل من السيارة يحمل أكياس مليئة بالطعام الجاهز والفاكهة، أستقبله حارس العقار بترحاب يحيه:
_ حمدالله علي السلامة يا أكرم باشا، هات عنك.
وحمل منه الأكياس، فأجاب الآخر:
_ تسلم يا عم خضر.
و ولج إلي داخل الفناء، سبقه الحارس وفتح له باب المصعد ليدلف بداخله وتبعه بالدخول معه قائلاً:
_ الحاجة كوثر عاملة أي، أمانة عليك سلملي عليها كتير.
أبتسم أكرم وقال:
_ الحمدلله بخير وبتسألني عليك ديماً.
_ الله يبارك لها ويديها الصحة والعافية يارب.
ربت أكرم عليه وقال:
_ الله يخليك، هات الحاجه بقي خلاص وصلت.
توقف المصعد فخرج كليهما، قال خضر:
_ عيب ياباشا. والله لهوصلهم لك لحد الشقه.
ضغط زر جرس منزله ثم وضع المفتاح وقام بفتح الباب، فقال له الحارس:
_ أي خدمات يا باشا؟ .
هم بأخذ الأكياس منه وقال:
_شكراً ياعم خضر.
وأخرج من جيب بنطاله مبلغ من المال و وضعه في جيب قميص الآخر:
_ حاجة بسيطة كده للأولاد.
أرتسمت سعادة عارمه علي ملامح الرجل البسيط، فهلل بفرح:
_ الله يباركلك ويعمر بيتك يارب، وأشوفك لواء أد الدنيا.
رحل الرجل، و دلف أكرم إلي الداخل، وضع الأكياس علي الطاولة الرخامية المطلة علي الردهة الشاسعة، يبحث عن زوجته وإبنته الصغيرة، فأخذ ينادي علي صغيرته:
_ لارا ، لارا.
ذهب إلي غرفتها و دخل فوجدها تغط في النوم ويبدو من ثيابها كانت مع والدتها بالخارج في مناسبة أو حفل زفاف، دثرها جيداً وقام بتقبيل وجنتها، ثم غادر الغرفة وذهب نحو غرفة النوم فوجدها تخرج من باب المرحاض المجاور للغرفة ترتدي معطف قطني، أنتفضت حين رأته ولكن تجاهلته وتابعت سيرها نحو غرفتهما، دلفت و وقفت أمام مرآة الزينة، أمسكت بفرشاة الشعر لتصفف خصلاتها الكستنائية.
تبعها و وقف خلفها محاوطاً خصرها ويضمها إلي صدره، ذقنه فوق كتفها، ينظر إليها عبر المرآة قائلاً بنبرة إشتياق ولهفة:
_ وحشاني أوي.
تركت الفرشاة علي الطاولة وأبعدت يديه بتأفف قائلة:
_ لو سمحت يا أكرم إبعد عني.
جز علي أسنانه يحاول أن لايغضب كعادته معها ويفسد محاولة إعتذاره لها، فقال:
_ والله كان غصب عني يا حبيبتي، كانت مهمة صعبة أوي ومينفعش نأجلها عشان دي تعليمات من الوزارة نفسها.
رمقته بإمتعاض وقالت:
_ وأيه الجديد! ، من ساعة ما أتجوزنا هو يا دوب أسبوع أجازة وقضيناه نستقبل فيه الي جاي يبارك و كنا لسه هنسافر نقضي الهني مون زي أي أتنين عرسان يجيلك تليفون من الشغل تقوم فاصل أجازتك وترميني باليومين والتلاته لوحدي من غير ما تتصل حتي تطمن عليا.
يبدو أن كلماتها لم ترق إليه فزفر بملل كالمعتاد، جلس علي طرف التخت وقال:
_ والله يابنت الناس أنا قبل ما أتجوزك وحكي لك ظروف شغلي وإن وقتي مش ملكي وأنتي عارفه ده من أيام الخطوبة، فملهاش لازمة أسطوانة كل مرة أرجع فيها من مهمة ولا مأمورية بدل ما تخففي عني تعب الشغل وأرفه، تزودي عليا هم أكتر، الواحد فيه الي مكفيه ومش ناقص أرف.
ألتفتت له وبصدمة صاحت:
_ أنا أرف يا أكرم! .
_ أستغفر الله العظيم، مش هنخلص.
قالها بصوت منخفض، ثم أردف بآخر مسموع:
_ ممكن أفهم دلوقتي أي سبب زعلك ولاويه بوزك عليا كأن قتلت لك قتيل؟.
أجابت بحدية:
_ فيه إن يا حضرة الرائد قايله لك ومأكده عليك علي خطوبة نرمين بنت عمتي من قبلها بشهر، وأتصل عليك من الصبح وقافل موبايلك والكل عمال يسألني فين جوزك.
_ والله أهلك عارفين طبيعة شغلي، مش جديد عليهم، و لعلمك أنا كلمت باباكي الصبح وباركت له وأعتذرت ليه إن مش جاي بسبب ظروفي والراجل أحترم وقدر ده.
_ أوك براحتك.
وأستدارت لتكمل تمشيط شعرها، فنهض وأقترب منها، أمسك من يدها الفرشاة وتركها علي طاولة الزينة، فعانقها بحنين وعشق يهمس علي عنقها ويقبله بشغف:
_ مش عايزك تزعلي مني أبداً ، أنا بعشقك أوي يا ندا.
رفع وجهه ليحدق بزرقاوتيه في عينيها ذات لون حبات القهوة، ثم أنزل بصره ليهم بإرتشاف قطرات العسل من شفتيها الوردية، لكن غضبها منه كان مسيطراً علي مشاعرها، قامت بدفعه في صدره وقالت بتأفف:
_ هو أنت مفيش عندك غير الموضوع ده تصالحني بيه كل ما تيجي تزعلني! .
تعالت أنفاسه بغضب، فصاح بصوت مرعب:
_ أنا أبقي إبن…. لو عبرتك تاني، و من هنا ورايح مش هاتشوفي مني غير معاملة زي الزفت.
أخذ دثار و وسادة وترك الغرفة، وهي جلست علي الكرسي أمام المرآة وأجهشت في البكاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وصل بسيارته الفارهة أمام مقر الشركة التي يعمل محامياً لدي صاحبها وليس هذا فقط بل هو صديقه وشاهد علي كل ما يقترفه، ترجل من سيارته ودلف إلي الداخل، يبتسم لكل الموظفين والموظفات كعادته، ولج إلي المصعد و ضغط علي الزر، وصل بعد عدة طوابق، وسار في رواق طويل ثم دلف غرفة كبيرة فأستقبلته تلك الحسناء ذات الشعر الأحمر الناري وعدسات لاصقة باللون السماء:
_ أهلاً وسهلاً يا صلاح بيه، عاش من شافك.
بادلها بإبتسامة ماكرة و أنحني إليها يتفوه بنبرة لعوب:
_ أي؟ ، وحشتك يا ماجي؟.
ضحكت بدلال سافر وقالت:
_ الي يسمعك وأنت بتقولي أنك وحشتني، يفتكرني واحدة من عشيقاتك.
مد يده بخفة ممسكاً بإحدي خصلاتها وقال:
_ وافقي بس وأنا هعيشك معايا أجمل أيام حياتك.
_ ما لسه بدري يا متر!.
صاح بها صديقه بعد أن فتح باب مكتبه الداخلي، أبتعد صلاح عنها وأبتسم له قائلاً :
_ ديماً بتيجي في الوقت الغلط.
رمقه الآخر بنظرة تحذيرية بدون أن يتفوه، فقال صلاح قبل أن يذهب إليه:
_ عن إذنك يا My Love.
وغمز بعينه إليها و دلف إلي الداخل، فوجده ينتظره بملامج متجهمة قائلاً :
_ لآخر مرة بحذرك ياصلاح، حركاتك السخيفة دي أنت حر تعملها برة الشركه لكن جوه الشركة لاء.
جلس في الكرسي المقابل له وأجاب بتهكم :
_ أوامرك دي تروح تقولها لواحدة من خاضعاتك يا سليم باشا.
ضرب سليم سطح المكتب بقبضته:
_ أنا مش بهزر ياصلاح.
أجاب الآخر بصياح أيضاً :
_ ولا أنا كمان بهزر ياسليم.
تمالك سليم أعصابه وتظاهر بالبرود فهو يعلم صديقه جيداً ، يستمتع بإثارة غضب الآخرين خاصة هو.
فقال بهدوء مضاد ما بداخله:
_ عملت الي قولتلك عليه؟ .
وقبل أن يجيب عليه، تناول علبة السيجار المصنوعة من خشب الأبنوس ومرصعة بالأحجار الكريمة، قام بفتحها وألتقط منها واحدة وأشعلها، يسحب نفساً عميقاً ثم زفره لأعلي في الهواء:
_ عايزك بس طول ما أنت قاعد تشكر ربنا إنه رزقك بصاحب ومحامي زيي، يقدر يجبلك أي معلومة عن أي مخلوق حتي لو كان عايش في قلب المحيط.
زفر بنفاذ صبر وقال:
_ إنجز ياصلاح.
أخرج من جيب سترته علبة مخملية وقدمها إليه، رمقه الآخر بإستفهام، فأخبره:
_ أفتحها وهاتعرف.
قام بأخذها من يدها وفتحها فنظر لما تحتوي قائلاً :
_ للدرجدي الجربوع ده عامل لي فلاشه! .
قهقه صلاح وهو يزفر دخان السيجار:
_ الجربوع ده صاحب مصنع أكبر مخازن خردة في الصعيد وده الظاهر، إنما الي في الخفاء وعرفته بمصادري السرية، عنده مصنع في الجبل لإنتاج السلاح بس ده غير يملك حوالي فدان بيحول يزرعو كوكايين لكن الحكومة كل مرة تيحي تعمل كبسة علي الأرض وتحرقها ويخلي واحد من رجالته يقول إنه صاحبها ويشيل الليلة، يعني من الآخر أدامك خصم مش سهل.
_ ولما هو طلع شبح وجامد أوي كده، أي الي خلاه يسرق شحنة الكوكايين من المينا؟ .
رفع كتفيه دليلاً علي عدم معرفته:
_ السؤال ده بقي تسأله ليه، بس بعد ما تعزيه في عمه العمدة الي مات.
زفر بأريحية ثم دفس السيجار في المنفضة، نهض وقال:
_ دلوقتي مهمتي أنتهت، أسيبك أنا عشان عندي ميعاد مهم مع عميلة أهم.
و أنهي جملته بغمزة من عينه، عادة ملازمة له.
وبعد مغادرته، فتح سليم حاسوبه الخاص وأدخل الجهاز الألكتروني في الفتحة الخاصة به، أرتدي نظارة طبية وبدأ في تصفح المعلومات ليجد في أول صفحة صورة لرجل ذو ملامح صارمة برغم وسامته، بشرته تميل إلي قليل من السمرة وعينين حادتين يعلوها حاجبان كثيفان، وأنف مستقيم حاد كصحابه، يمتلك شارب ولحية مشذبان وخصلات شعرها سوداء كثيفه.
بجوار الصورة مدون:
_ رافع خميس القناوي.
_ ٣٣سنة.
_ حاصل علي شهادة الإعدادية.
_ متزوج من إبنة خالته وليس لديه أبناء.
_ مقيم في محافظة قنا بنجع الشيخ نور الدين.
أخذ يقرأ بقية المعلومات و وجدها كما أخبره صديقه، وظل يكمل قراءة باقي الصفحات حتي توقف لدي صورة فتاة محجبة ذات بشرة حنطية و وجه ملائكي مستدير وعينيها بللون الذهب، ملامحها المنمقة تجعل كل من يراها يقع أسير سحر جمالها برغم بساطته، وما زادها جاذبية ذلك الحجاب الذي يخفي خصلاتها، مما أثار فضوله علي معرفة كيف يكون شكلها بدون هذا الوشاح.
ذهب ببصره نحو المعلومات المدونة بجوار الصورة.
_ زينب خميس القناوي.
_ ٢٦ سنة.
_ خريجة نظم وحاسبات.
_ تعمل في مركز تكنولوجيا المعلومات التابع لمحافظة قنا.
_ مخطوبة لإبن عمها فارس قاسم القناوي.
ظل يقرأ تلك الجملة ويرددها مراراً وتكراراً، ونظرات عينيه الحادة مليئة بالغموض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كيفك يا ست الحسن رچعتي في إتفاجك إياك؟ .
قالها رافع بسخرية، فألقت نظرة علي واجهة المخفر ثم نظرت إلي شقيقها بتوسل قائلة:
_ أنا أفديه بعمري كله، لكن الي عتطلبه مني وكأنك بتعطيني سكينة وتجولي أدبحي نفسك.
رفع زواية فمه بسخرية وقال:
_ ما أنتي لو ما نفذتيشي الي جولتلك عليه بالحرف الواحد، عيكون هو الدبيحة يا جلب أخوكي.
_ حسبي الله ونعم الوكيل.
قالتها بقهر وألم وهي تكتم عبراتها، أخرج من جيب جلبابه سلاحاً نارياً وأشهره في وجهها قائلاً:
_ كلمة كمان وعفرغ رصاص الفيرفر ده في دماغك، جومي فزي وأنزلي، خلينا نُخلصو بدل ما عخلصلك عليه.
أذعنت لأمره القاتل، فترجلت من السيارة و ولجت إلي داخل المخفر برفقة هذا الشيطان.
وبعد أن أخبرو مأمور المخفر بمقابلة فارس لأمر هام، ذهب العسكري لجلبه من الزنزانة، بينما هي تجلس أمام المكتب تنظر إلي خاتم الخطبة المحاوط بنصرها في يدها اليمني، تتأمله لآخر مرة قبل أن تقترف ما أمرها به شقيقها بتهديد.
دلف العسكري أولاً وقدم التحية إلي المأمور وقال:
_ تمام يافندم.
ثم ذهب بعد إشارة من الآخر، و دخل فارس ليتفاجئ بمن ينتظرانه، فكان رافع يرمقه بإبتسامة نصر وكأنه يخبره بكل وقاحة إنه المسئول الأول عن ما يحدث معه، لكنه توقف فجاءة في مكانه عندما رآها ورفعت وجهها لتنظر له بعينيها الذابلتين من كثرة البكاء، وكأنها شمس أصابها خسوف كلي جعلها معتمة فقدت بريقها الذهبي فأصبحت كظلام الليل الحالك.
_ طيب أستأذنكو ربع ساعة مش أكتر و ده عشان خاطرك يا رافع بيه.
قالها المأمور وهم بالذهاب، فأجاب رافع بإمتنان:
_ الله يباركلك يا حضرة المأمور، چميلك علي دماغي من فوج.
وبمجرد مغادرة المأمور أنحني نحو شقيقته يهمس إليها بصوت لايسمعه سواها:
_ أچمدي إكده وأعملي كيف ما جولتلك إلا وقسماً بالله ما عخليه يطلع عليه صبح واصل.
وبعدما أنتهي من همسه نظر إلي فارس الذي مازال واقفاً في مكانه يبدو علي مظهره التعب، ولحيته كبرت قليلاً مما جعلت ملامحه أكثر بؤساً.
_ كيفك يا باشمهندس؟.
قالها رافع بسخرية، فرمقه الآخر بإمتعاض وقليل من الإزدراء قائلاً بتهكم:
_ كيف ما أنت شايف بعينيك، ولد حرام حب يتخلص مني راح لفج لي تهمة إن بتاچر في المخدرات، لكن جريب جوي عظهر براءتي و عخرچ لأچل أطلع روحه في يدي.
قهقه رافع بإستهزاء وقال:
_ وأني أوعدك أول ما عتلاجيه عطخوهولك عيارين، واحد في جلبه والتاني في راسه.
رمقه فارس بسخط بعدما تفهم مغذي كلماته فقال له:
_ متشكرين يا واد عمي، خلي سلاحك يمكن ينفعك وجت زنجة.
وقف الآخر أمامه يحدجه بتحدي وبنبرة أقرب إلي تهديد:
_ ماتخافش يا أبو الفوارس، عيندي سلاح وذخيرة يجضو علي بلد بحالها.
زفر فارس في وجهه وقال:
_ مش ناوي تجولي أي سبب زيارتك؟.
نظر رافع نحو شقيقته ثم إلي فارس وقال:
_ زينب الي چايه لك، رايده تتحدت وياك في موضوع مهم جوي، صوح يا بت أبوي؟.
لم ترد بل كانت عينيها معلقة بمن تهواه، فصاح بها أخيها:
_ زينب؟.
ألتفتت له بذعر فأردف وهو ينظر إليها بتحذير:
_ أني خارچ برة عستناكي، ما تتأخريش.
نهض وظل ينظر إلي فارس لثوان ثم قال:
_ مع السلامة يا ولد قاسم القناوي.
غادر ولم يأبه فارس إلي كلماته قدر ما بداخله من مئات الأسئلة، يريد أن يلقيها علي التي تنظر له بصمت، ألقي بكل هذا خلف ظهره ولم يتمني سوي شئ واحد، أقترب منها فنهضت تتمني الهروب من تلك اللحظة المقبلة، لكنه أوقفها بإمساكها من ساعديها وسألها بصوته الحاني كعادته عندما يتحدث معها:
_ علي فين يا جلب فارس؟.
وفي تلك اللحظة لم تستطع التمسك أكثر من ذلك فأرتمت علي صدره وتشبثت في جذعه وأخذت تبكي، رفع وجهها وحاوطه بين كفيه، ينظر لعينيها الباكيتين:
_ كفياكي بُكي أبوس يدك، السچن عيندي أهون مليون مرة عن أني أشوف دموعك.
تفوهت بصوت مبحوح من البكاء:
_ مجدراشي، لو كان بيدي كنت خطفتك من إهنيه وهروبت أني وأنت علي أي مطرح.
أحتضنها بقوة وقال:
_ خابر يا جلبي، وخابر كمان الي عايزه تجوليه وما جدراشي تنطجيه.
أبتعدت عن صدره و خدجته بصدمة، فأردف وهو يمسح عبراتها بإبهاميه:
_ إسمعي كلام أخوكي هو رايد مصلحتك، دلوق كيف ما أنتي خابره الله أعلم عيُحصل أي معاي، المحامي جالي الجضية واعرة وكلها كام يوم ويرحلوني علي النيابة، ومن هناك علي المحكمه، وحكم بالسچن لسنين ربي الي عالم كيف عتمر عليا لحد ما أظهر براءتي، فأني الي بجولهالك يا زينب، شوفي حالك يا بت عمي بعيد عني.
أتسعت عينيها لم تصدق ما يقوله:
_ أنت خابر بتجول أي؟.
أومأ لها وأعتصر عينيه بألم وقلبه ينزف بحور من الدماء، يشعر بروحه وهي معلقه في حلقه عندما قال لها ذلك.
_ خابر ومش بيدي، ملكيش ذنب تبجي علي ذمة واحد في نظر الجانون والناس مچرم و يا عالم هجضي كم سنة في السچن.
صاحت به:
_ وأني راضية وعستناك حتي لو عيحكمو عليك العمر كله في السچن، أني ماريداشي غيرك يا واد عمي، أنا عيوني فتحت عليك، ما عرفتش يعني أي حب غير علي يدك، كيف بتطلب مني أباعد عنيك!.
كلماتها كانت كالسياط الذي يهوي علي قلبه، يشعر وكأنه وقع بين شقي الرحي، الأول
وقع بين شقي الرحي، الأول السجن الذي لايعلم إلي متي سيستمر وكيف يظهر براءته، والآخر هو لايريد أن ينال الأذي محبوبته، فهو يعلم جيداً ماذا يفعل معها شقيقها من المؤكد يضغط عليها بكل السبل لتركه، فمنذ البداية غير راضياً عن خطبتهما وطالما قرأ هذا في عينيه التي تمقته وتكرهه بشدة.
أخذ يربت عليها بحنان لتهدأ وتكف عن البكاء، فقال لها بنبرة عاشق متيم الموت له هين عن البعد عن التي تسكن قلبه وروحه:
_ وأني كمان ما عرفتش الحب غير علي يدك، جلبي مدجش غير ليكي، لما ببص في عيونك ببجي رايد أخبيكي چوه حضني عن عيون الناس، بعشجك يا زينب وعاشج كل حاچة فيكي ومنِكي، حتي النفس الي عتتنفسيه بعشجه، خابره أنا نفسي في أي دلوق يا جلبي؟.
أزدرد ريقه وهو يحدق في شفتيها التي ترتجف من البكاء، رفع عينيه لينظر بداخل ذهبيتيها، فأدركت مايريده، أمسكت بيده و وضعتها علي وجنتها تمسدها في كفه وأخذت تقبل باطنه، ترمقه بدعوة إلي تحقيق أمنيته حتي لو كانت تخالف مبدأها فطالما كانت تقول له دائماً إنها ليست خطيبته فقط بل زوجته أمام الله.
تعالت أنفاسه وهو يميل بوجهه وشفاه تقترب نحو خاصتها، وأخذهما في قبلة عميقة كانت الأولي لهما فأخبره قلبه ربما تكون الأخيرة، فأحتضنها بقوة وكأنه يريد أن يدخلها بين ضلوعه، وما زال يقبلها بنهم وكأنها قُبلة المحياه التي ستجعله قادراً علي مواجهة الصعاب والشدائد.
بينما هي كانت غارقة في محيط عشقه، توقف الزمان لديها في تلك اللحظة، وحين تذكرت إتفاق شقيقها وهو البعد عنه أم قتله، أنتفضت وأبتعدت تلتقط أنفاسها.
رمقها بإعتذار وصدره يعلو ويهبط:
_ آسف يا زينب، غصب عني ماجدرتش أ….
قاطعته بوضع سبابتها علي شفتيه:
_ ما تعتذرش يا فارس، أني الي آسفه.
نظرت نحو خاتم الخطبة في بنصرها، فأنسدلت من عينها دمعة سقطت فوق الخاتم، تقوم بخلعه ببطئ وكأنها تنزع قلبها.
قالت بصوت مختنق:
_ عمري ما خلعته من وجت خطوبتنا، عمري ما تخيلت يچي الوجت الي عخلعه غصب عني.
_ اللي بينتنا يا زينب مش مچرد خاتم، الي بيني وبينك أكبر من إكده، الي كيف أخوكي ما عيفهمه ولا خابرو، و عايزك تعرفي عمري ما عنساكي واصل مهما حوصل لأنك أهنيه.
أشار نحو قلبه وأردف مشيراً مرة أخري نحو رأسه:
_ وإهنه.
قاطعهم طرق علي الباب يليه دخول المأمور ومعه رافع، فكان ينظر إليهما بتفحص حتي زفر بأريحية عندما رأي إصبعها خالي من الخاتم، و عينيها المنتفخة من البكاء أكبر دليل إنها نفذت مطلبه.
قاطع أفكاره المأمور قائلاً:
_ أي خدمات يا رافع بيه؟.
أجاب الآخر وهو ينظر إلي فارس بتشفي:
_ مُتشكر ياحضرة المأمور ما نچيلكش في حاچة عفشه واصل، يلا يا زينب.
هم بالمغادرة وتتبعه وعينيها لاتبرح عيون فارسها الذي كان يرمقها بنظرات بل بآلاف الكلمات لايفهمها سواهما.
صاح المأمور منادياً:
_ يا عسكري طُلبه.
دلف وقال:
_ أمرك يا باشا.
_ خد فارس ورجعه الزنزانه.
خرج فارس مع العسكري وكان إتجاه سيره عكس إتجاه سير زينب الممسك بزراعها رافع ويدفعها بعنف عندما رأي تنظر خلفها، قائلاً:
_ بُصي قدامك.
وقبل أن تنعطف ألقت نظرة أخيرة عليه وهو يختفي في نهاية الرواق، فجذبها رافع بقوة من رسغها إلي الخارج.
#الفصل_الثالث
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ يجلس الأطفال في حلقة بداخل المسجد يستمعون إلي صوته العذب، يلقي عليهم إحدي الدروس الدينية وتفسير بعض الآيات:
_ و في سورة المسد عنعرف كيف كان أبو لهب راچل ظالم لنفسه وغيره، كان بيأذي الرسول صل الله عليه وسلم بالجول والفعل برغم إنه كان من سادات جوم قريش وعنديه ماله وتچارته لكن جلبه مليان سواد وغل حتي مارته كانت بتروح في كل مكان بيمشي فيه سيدنا محمد وترمي شوك لأچل يأذيه….
توقف عن الحديث عندما رأي تلك المُنتقبة تقف أمام باب المسجد وتشير إليه، فأغلق كتاب التفسير الذي يحمله و وضعه جانباً:
_ دجيجة وراچع، ما تتحركوش.
وذهب ليري ماذا تريد، وقف أمامها يتحاشي النظر لعينيها ذات اللون الرمادي المختلط باللون السماء ليصنع خليطاً جعل عينيها ساحرتين، وهو كعادته يغض بصره حتي لو كانت التي أمامه منتقبة، فهو يخشي ربه ويسير علي منهج والده الشيخ واصف إمام المسجد، يشبهه كثيراً في أخلاقه الحسنة التي تربي عليها منذ الصغر.
_ آسفة يا سيدنا الشيخ جطعت عليك الحديت.
قالتها الفتاة بصوتها الفاتن، تحمحم وأجاب:
_ أولاً أني ولا سيدنا ولاشيخ عاد، إسمي بكر، وأني أهنيه كيف ما شوفتي بحفظ قرآن للولاد وبعطيهم تفسير وفقه علي قد سنهم، تؤمريني بأي حاچة؟ .
كانت تتأمل ملامحه التي جذبتها، كثيراً ما سمعت من بنات خالها عن أخلاقه وعن ملامحه الرجولية الوسيمة، يمتلك بشرة تميل إلي السُمرة قليلاً وعينيه بني قاتم يعلوها حاجبان كثيفان، لديه لحية وشارب خفيفان، وخصلات شعره سوداء كما هو سائد ومتوارث في رجال عائلته.
قاطع شرودها الذي لاحظه:
_ يا آنسه؟.
أجابت بتوتر:
_ معلش.
_ ولا يهمك، مجولتيش حضرتك عايزة أي؟ .
ردت بصوتها الذي تخلل أذنه وكأنه سيمفونية حالمة:
_ كنت چاية أخد عمر عبد الحق.
_ تجربي له أي؟، ماتضيجيش مني يعني أصل أبوه هو الي بيچي ياخده، وأني أول مره أشوفك.
أجابت بخفوت:
_ أبجي له بنت خاله.
أستدار بكر وقام بمناداة الصغير:
_ عمر؟، تعالي أهنيه.
نهض الصغير وركض إليه، وحين رآي إبنة عمته تهللت أساريره قائلاً :
_ شوفتي يا قمر، عمي بكر عطاني ملبس عشان سمعت سورة البينة الي جعدتي تحفظهالي.
ربتت عليه وقالت:
_ شاطر يا عمر.
نظرت إلي بكر الذي مازال ينظر إلي أسفل:
_ شكراً يا أستاذ بكر.
_ الشكر لله، دي حاچة بسيطه يكفي الثواب الي عكسبه لما يحفظو حرف من القرآن.
_ چزاك الله كل خير، عن إذنك ممكن يروح معاي.
_ طبعاً أتفضلو.
أمسكت بيد الصغير:
_ يلا يا عمر.
ذهبت تاركة إياه في حالة لم يشعر بها من قبل، لايعلم ما هذه الهالة الغريبة التي تحاوطها، وكأنه سحر يجذبه نحوها، توقف عن التفكير بها وأخذ يستغفر ربه، وعاد إلي إلقاء الدرس علي الصغار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وجف إهنه.
قالتها زينب إلي شقيقها فأوقف السيارة.
_ رايحه فين؟ .
أجابت وهي تشير من النافذة:
_ عاروح لفاطمة بت عمتك چليلة.
أنتبهت حواسه جميعا حينما سمع إسمها فقال:
_ كيفها فاطمة؟ .
أجابته بإقتضاب:
_ زينه.
أنتبه إلي لهفته المبالغ فيها فقال:
_ جصدي عيزاكي في أي؟ .
أجابت متحاشية النظر إليه:
_ ما عرفاش.
زفر بحنق يعلم إنها ترواغه فقال:
_ طويب أنزلي وأني عستناكي أهنيه.
_ ليه يعني، عيله صغيره إياك! .
أجاب بحده:
_ من أهنيه ورايح رچلي علي رچلك فين ما تروحي، وبعدين ملكيش صالح همي يلا وأبجي سلميلي عليهم.
ترجلت من السيارة، و وصلت أمام منزل عمتها، ضغطت علي الجرس وبعد ثوان أنفتح الباب، فظهرت لها صديقة دربها والأقرب لها في تلك العائلة بعد عمها وفارس، بسمة أعتلت محياها ذو البشرة الخمرية، تُزين وجنتها اليمني شامة صغيرة، تفوهت بشفتيها الممتلئة:
_ عاش من شافك يا بت خالي.
أخذتها زينب بالعناق وقالت:
_ أتوحشتك جوي يا فاطمة.
بادلتها الأخري العناق بتعجب فهي تعلم زينب عندما يملأ قلبها الحزن والهم ويبدو من نبرة صوتها كانت تبكي كثيراً.
_ كيفك يا زينب عتبكي ليه؟ .
_ ماجدراشي يا فاطمة، أني بموت.
ربتت عليها وقالت:
_ أدخلي چوة أوضتي.
تركتها الأخري و ولجت إلي الداخل، فكادت فاطمه تغلق بوابة الدار، توقفت عندما تلاقت سواديتيها بخاصته الحادة، يرمقها بدون تعابير تدل علي مايشعر به من شوق ولهفة، بادلته بنظرة إزدراء و صفقت البوابة في وجهه.
أراد أن يذهب إليها ويحطم رأسها لكنه يعلم إذا وقف أمامها لايضمن نفسه ماذا سيفعل، لذا يتجنب رؤيتها أو اللقاء بها، حتي زيارته إلي عمته توقف عنها منذ أكثر من عامين.
_ و في غرفة فاطمة، تجلس زينب علي الأريكة الخشبية ويعلوها وسائد من القطن، دلفت فاطمة إليها تحمل كأس عصير.
_ خدي عصير الليمون دي، عيخليكي تروجي إكده وتبجي مليحة.
_ بالله عليكي يا فاطمة ما جدراش أشرب حاچة واصل.
رمقتها بقلق وقالت:
_ حوصل وياكي أي عاد؟.
أجابت الأخري وهي تجفف عبراتها:
_ مخابرشي الي حوصل بعد وفاة خالك قاسم الله يرحمه؟.
نظرت بعدم فهم وسألت:
_ ما أنتي خابراني أنا في حالي أهنيه ومليش صالح بحاچة.
هدأت قليلاً وقالت:
_ فارس في السچن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تنظر بشرود في شاشة الحاسوب بعد أن أرسلت له إعتذاراً وتخشي إنه يقابله بالرفض فهي تعلم طباعه جيداً، العند سيد خصاله التي تعاني منها، فبرغم حبه وعشقه لها منذ الطفولة، لم تكن زوجته فقط بل كانت إبنة الجيران التي تربت أمام عينيه، كان شاهداً علي كل لحظة سواء كانت سعيدة أو حزينة مرت بها ما عدا أمرٍ واحد فقط لايعلمه إحداً سواها.
_ ندا؟ ، يا ندا؟ .
كان صوت صديقتها في العمل، أنتبهت لها فأجابت:
_ نعم يا مروة، معلش كنت سرحانة شوية.
_ سرحانة ومش دريانه بالدنيا المقلوبه في الشركة.
أستدارت إليها بإنتباه وقالت:
_ أي الي حصل؟ .
نهضت الأخري وجذبت مقعدها بجوارها، وتلفتت يميناً ويساراً حتي تتأكد من عدم سماع إحدهم لها، فقالت بصوت خافت:
_ جه قرار فوري بنقل مستر ناجي و جه واحد بداله بيقولو عليه ألعن منه، كلامه كله أوامر وإنف ومغرور كده في نفسه، و كل الحاجات دي بس مز إبن اللذينه آه لو طلع سنجل ده يبقي من حظي.
ضحكت ندا وقالت:
_ عندك ست وعشرين سنه بس عقلك وتفكيرك مخرجوش من مرحلة المراهقة.
تنهدت مروة و هي تسند وجنتها علي يدها:
_ هو فيه أجمل من المراهقة والجنان، قوليلي ياختي عملك أي العقل والنضوج، أتجوزتي الي بتحبيه وكل يومين في خناق، الله يكون في عون لارا بنتكو البت زمانها جالها عقدة نفسية من جنانك أنتي وسيادة الرائد جوزك.
صاحت بتحذير:
_ مروة، يلا خدي الكرسي بتاعك وعلي مكتبك وسبيني أخلص من الهم الي المفروض أسلمه بكره ولسه مخلصتش، وأهو مستر ناجي مشي والله أعلم بالي جه جديد ده هيعمل فيا أي.
دلف زميلهم وهو يلتقط أنفاسه:
_ الله عليكو عملين ترغو ولا علي بالكو.
قالت مروة:
_ عارفين يا أخويا بالبعبع الجديد الي جه مكان مستر ناجي.
_ طيب جهزو نفسكو بقي عشان لسه باعت إيميلات لينا كلنا بإن فيه إجتماع بعد نص ساعة، يعني الي عنده حسابات وتقفيل وأي حاجه مخلصتش ياريت يخلصها عشان هيقدمها له علي الملأ.
تأففت ندا وقالت:
_ هي كانت نقصاه هي كمان، ده أي الأرف ده.
وبعد قليل، بداخل قاعة إجتماع الموظفين، يقف الجميع وكل منهم يمسك بملفات ورقية، ينتظرون هذا الذي يتحدثون عنه منذ الصباح، والكل يترقب كيف سيكون معهم.
ها هو قد وصل وخلفه سكرتيرته الخاصة علي يمينه وعلي يساره المدير التنفيذي للشركة، ساد الصمت القاعة، وقف يحدق في وجوههم وكأنه يبحث عن شخص ما، وبدون أن يبدأ بتعريف نفسه إليهم سألهم:
_ أنا مش بعت للكل إن عندنا إجتماع؟.
قالت مروة بهمس:
_ يخرب عقلك يا ندا شكله هينفوخك من أولها.
تحدثت إحداهن:
_ أستاذة ندا في مكتبها وزمانها جاية يافندم.
تنهد بأريحية و ينظر نحو الباب بتوعد قائلاً:
_ خمس دقايق وهنبدأ الميتينج ولو ماجتش قو……
قاطعه دخولها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة تقول وهي تمسك بالملفات التي بيدها وترتبهم:
_ معلش يافندم حصل عطل في الأسانسير وأتضريت أطلع السلم.
رفعت عينيها لتقابل عينيه، يحدجها بإبتسامة تخبرها بكل ما هو قادم وستواجهه الأيام المقبلة، تقف كالصنم لا تتحرك إنشاً و وقع كل ما في يديها عندما تحدث قائلاً:
_ أحب أعرفكو بنفسي أنا علي عبدالعزيز الحُسيني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يعلو مكتبه لافتة من الخشب محفور عليها بالخط الذهبي « الرائد/ أكرم محمد عمران»
، يجلس شارداً يمسك بالقلم ويرسم دوائر مفرغة بداخل بعضها البعض و دون بداخلها (سليم العقبي).
دوي صوت تنبيه رسالة واردة في هاتفه، أمسك به وضغط علي الزر الجانبي فوجد محتوي الرسالة يتوسط الشاشة
( أكرم حبيبي أنا آسفة… كنت تعبانة إمبارح و محستش بنفسي وأنا منفعله عليك… أنا بحبك أوي ومقدرش علي زعلك… هستناك علي العشا بالليل هعملك الكوردن بلو والسيزر سلاد الي بتحبهم والحلو تشيز كيك بالكريز… بحبك أوي)
وأسفل الرسالة صورة مرفقة لها وهي ترسل له قبلة في الهواء.
أبتسم بسخرية وقال في نفسه :
_ لاء يا ندا، مش أنا العبيط الي يتضحك عليه بالأكل، لازم أعلمك قبل ما تنطقي أي كلمة تفكري فيها ألف مرة.
طرق علي الباب، فقال:
_ أتفضل.
دلف العامل يحمل صينية مستديرة يعلوها فنجان قهوة وكوب ماء، وضعها فوق المكتب قائلاً:
_ أتفضل يا أكرم باشا.
_ تسلم يا عم جادالله.
_ العفو يا باشا، آه صح قبل ما أنسي طارق باشا عايز حضرتك تعدي عليه قبل ما تمشي، أي أوامر يا باشا.
_ شكراً يا عم جادالله، أتفضل أنت.
_ وبعدما أنتهي من إرتشاف قهوته، ترك القدح علي المكتب ونهض، يمسك بسلاحه يضعه في جراب جلدي متعلق بحزام يلتف علي زراعه أسفل سترته.
غادر الغرفة متجهاً إلي غرفة معلق علي بابها « المقدم /طارق المنسي»، طرق الباب ثم ولج إلي الداخل، فوجده بإنتظاره:
_ أتفضل يا سيادة الرائد.
جلس أمام مكتبه بجدية وقال:
_ بلغني إن حضرتك كنت عايزني.
أمسك بملف ورقي قائلاً :
_ عايزك في موضوع مش عارف يمكن ليه علاقة بسليم العقبي.
أعتدل في جلسته ينظر إلي الملف الذي قام المقدم طارق بفتحه علي صور فوتوغرافية لجثة مجهولة مشوهة بشكل لا تتحمل النظر إليه، حدق أكرم في الصور ب ردة فعل طبيعية فهو معتاد علي تلك الجرائم البشعة.
فقال ويتفحص تشوهات الجثة بالصورة:
_ واضح جداً إن القاتل مستخدم أدوات جراحية لسلخ الضحية ومن شكل وش الجثة برغم التشوهات الفظيعة فيها كأنه بيصرخ ده دليل إنه كان بيتسلخ وهو حي، هي الجثة متحفظ عليها في أنهي مشرحة؟.
أجاب الآخر بنظرات إستفهام وقال:
_ مش هينفع تروح.
_ ليه يعني؟ .
_ عشان التحقيق في القضية دي إختصاص ياسر مدكور.
تجهم وجه أكرم، فزفر بضيق وقال بتهكم:
_ وطبعاً هيأيد القضية ضد مجهول زي الخمس قضايا الي فاتو وكلهم كانو بنفس النمط جثة يا صاحبها مسلوخ وهو هي يا إما محروق يا إما بقايا جثة متحلله في حمض وكلهم سبحان الله الي قتلهم مجهول.
_ أهدي يا أكرم ومتخلنيش أندم إني قولتلك علي حاجة، و عايزك تاخد بالك ومتخبطش في ياسر علي الأقل عشان تلحق الترقية الجديده ومتلاقيش الي يقف لك فيها.
تنهد وأخذ يستغفر ربه، وقال:
_ يعني عاجبك الي بيحصل؟.
_ لاء مش عاجبني أومال أنا ببلغك بأي جديد ليه، أنا عايزك تهدي وتفكر بالعقل وبلاش التهور الي يودي في داهية، أنا وأنت عارفين كويس إن ياسر ليه ناس تقال أوي في وسط رجال الأعمال والسياسة ليهم كلمة في الداخلية، وياما جرايم حصلت وهو كان مكلف بالقبض علي الجاني فيها وفجاءة نلاقيها يا أتقفل ملفها يا إما قيدت ضد مجهول ولا ناسي قضية الرحاب الي من تلات سنين بتاعت العيلة الي لاقوهم كلهم مقتولين وجثثهم متحلله وتم التعتيم عليها في الإعلام والصحف والمجلات، وأتقفل ملف التحقيق فيها.
_ و دي قضية تتنسي، لولا إنك حذرتني إن متكلمش وقتها كان زماني محطوط في الليسته السوده ويا عالم كنت زماني عايش ولا ميت.
مال طارق للأمام نحوه وقال:
_ الله ينور بصيرتك، فكل الي بطلبه منك أشتغل في سرية تامة و قبل كل ده قبل ما تمسك حاجة علي ياسر أحذر من الي حواليه وأولهم سليم العقبي.
ألتمعت عينيه بنظرات توعد وإنتقام قائلاً :
_ سليم العقبي ده بالذات ليه تخطيط تاني بس الصبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ معجوله كل دي يوحصل لفارس واد خالي.
صاحت بها فاطمة بتعجب
أجابت زينب بحزن بالغ:
_ الدنيا كلتها چاية عليه يا فاطمة، حتي أني مارحمتهوش.
جلست بجوارها وربتت عليها:
_ ما تعمليش في نفسك إكده، هو خابر أنك مچبورة من أخوكي الله ينتجم منيه، من زمان وهو كاره فارس وكاره الدنيا حتي نفسه.
رمقتها زينب بتردد وقالت:
_ أخوي بجي جاسي جوي بعد ما رفضتيه قدامنا وجولتي له أني مش هاتچوز واحد مأمنشي علي نفسي وأني وياه.
نهضت فاطمة و وقفت بالقرب من النافذة تنظر إلي ثمار الذرة المتفرعة من الأعواد الخضراء:
_ أنتي معرفاش حاچة واصل يا زينب، أني أكتر واحدة فيكو خابره رافع زين يمكن أكتر من نفسه، جبل ما يجول خابره عبيفكر في أي.
وقفت زينب لتقف جوارها تنظر إليها بدهشة:
_ واه يا فاطمة، لما أنتي كيف ما بتجولي إكده ليه رفضتيه لما أتجدملك وليه لما بعدتي عنيه رافضة أي واحد غيره يطلب يدك.
ألتفتت لها وقالت:
_ برفض الي بيطلب يدي أحسن ما يچري له حاچة ولا ما يطلعش عليه نهار، وأني مش ناجصة أشيل ذنب حد واصل.
نظرت بإستفهام وحيرة:
_ تجصدي الي عيجتله يكون…
أومأت لها فاطمة وزواية فمها مرتفعه بشبه إبتسامة ساخرة:
_ أديكي عرفتي لما هددك بفارس لو مانفذتيش الي جالك عليه.
زفرت والقلق يساورها تخشي ما تفكر به فقالت:
_ الله يهديك يا أخوي ويعمي بصرك عن فارس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ حل المساء علي نجع نور الدين، فعم السكون الذي يقاطعه أصوات الطبيعة كصوت صرصور الحقل المُزعج وبعض الضفادع التي تعيش بداخل الترع والمصارف.
وهنا في تلك المنطقة المتطرفة علي حدود النجع يوجد منزل قديم مبني من الطوب اللبن، يبدو من الخارج كبيوت الأشباح وهذا ما يريح صاحبه بأن ذلك لايجعله عرضه للصوص، بل البعض كان يطلق القصص الخرافية عنه ويقول إن هناك جن يمكث به ويقتل كل من يتجرأ الدخول إليه، لايعلم أحداً من أطلق هذه الإشاعة ومن يكون سواه! .
وصل بدراجته النارية أمام منزله الذي يشاهد كل لياليه الماجنة وسهراته المليئة بالفجور، كم من فتاه وامرأة جاءت برفقته هنا ليكن اللقاء المحرم يطلق فيه غريزته الحيوانية بدون رقيب أو رادع، لايعلم مهما تخفي بأفعاله عن أعين الخلق فأن هناك الخالق الذي لايغفل ولا ينام.
ركن الدراجة خلف شجرة عتيقة بجوار المنزل، أخرج مفتاحه الخاص وقام بفتح الباب و دخل فوجد الظلام يسود الأرجاء، بحث بيده عن زر الإضاءة ليكتشف إن التيار قد أنقطع، زفر بتأفف:
_ جطعو النور الله يحرجهم.
أخرج هاتفه وضغط علي علامة برنامج الإضاءة الموجودة به، فأضاءت له الردهة، ذهب إلي البراد ليأخذ زجاجة مياه باردة يروي بها ظمآه.
وبعد أن أرتشف أنقطع ضوء هاتفه ليعلن عن إتصال هاتفي وارد، أمسك به وأجاب بسعادة:
_ كيفك يا جمر الليالي؟ .
_ فينك يا زكريا مختفي ليه كل ده؟ .
_ حبة ظروف إكده، عبجي أجولك لما أشوفك.
_ أنا عندي حفلة في الأقصر بكره أي رأيك تقابلني هناك وأهو نقضي الهني مون الي نفضتلي عليه.
أبعد الهاتف قليلاً ليتمتم بتهكم:
_ هني مون الله يرحم أبوكي.
_ ألو؟ .
عاد ليتحدث:
_أيوه يا جلبي وياكي، كنا بنجول أي؟ .
_ بنقول نعوض شهر العسل يا عينيا ولا عامل نفسك من بنها؟ .
أجاب بسخرية:
_ لع وأنتي الصادجه عامل نفسي من قنا، وبطلي شغل الغوازي دي عاد، أحسن عجلب عليكي يا سمر وربنا لا يوريكي شر جلبتي.
أطلقت ضحكة رقيعة وقالت بتهديد و وعيد:
_ نعم يا روحي! ، الظاهر نسيت أنا مين يا زكريا، لاء فوء يا حبيبي وأتكلم معايا عِدل، ده أنا سمر والدلع سماره الي تجيبك من آخر الدنيا بإشارة، وربنا لايوريك أنت كيد العوالم يا عينيا.
تراجع في حديثه معاها فأصبح ليناً، يتجنب لسانها الحاد:
_ أباه عليكي يا سمورتي، هو الواحد ما عيعرف يهزر حداكي واصل؟ .
_ أيوه كده إتعدل، وأرجع زيكو حبيبي الي بموت فيه وفي كلامه الي دوبني في هواه من أول نظرة.
_ صبرك علي لما عچيلك، عخليكي تدوبي كيف الآيس كريم.
أطلقت ضحكة مغناج وبدلال مبالغ قالت:
_ تعالي أنت بس وأنا هخليك تعيش ليالي شهريار ولا هارون الرشيد في زمانه، يلا أسيبك دلوقت عشان يا دوب ألحق أوضب شنطتي، مع السلامة يا روحي أنا.
_ سلام يا أم عود كيف الكامنچا.
أغلق المكالمة، وعاد التيار الكهربي وكاد يهلل بفرح لكن أنتفض بفزع عندما رأي التي تخرج أمامه من الغرفة.
_ ورد! ، كيف دخلتي أهنيه؟.
أجابت وهي تخرج المفتاح من طيات ثيابها:
_ بده يا سي زيكو، مش ده برضك دلعك الي بتنادم عليك بيه الغازيّة!.
أجاب عليها بضيق يرمقها بنظرة حادة:
_ ملكيش صالح، وما تچيبيش سيرتها علي لسانك.
أقتربت منه و وضعت يديها في خصرها، بتهكم قالت:
_ مانشبهاش إياك!، ولا عشان هي بترجص من غير خلچات قدام الرچالة!.
أثارت كلماتها غضبه، فأمسكها من عضدها وصاح بها:
_ إسمعي يا بت أنتي، كلمة كمان وعكلم دبيكي يچي يخلص عليكي.
أنبلج علي ملامحها الخوف فقالت بتوسل:
_ لا والنبي ياسي زكريا، حجك علي.
إبتسم بمكر وقال:
_ أيوه إكده، صنف يخاف ما يختشيش، وبعدين تعالي أهنه، مش رافع جالك بعد الموضوع إياه تاخدي خلچاتك وتختفي من النچع؟.
حدجته بتوتر ثم نظرت إلي يديها وقالت بتردد:
_ كنت ناوية أدلي علي البلد لكن حوصلت حاچة لو رچعت وأهلي عرفو بيها عيجتلوني.
رمقها بترقب و قلق حيث أدرك الإجابة، لكنه أراد أن يتأكد من حدسه:
_ حاچة أي أُنطجي؟.
أبتلعت لعابها وبخوف وتوتر قالت:
_ أني، أني.
صاح بغضب أفزعها:
_ جصري حرج أبو الي چابك.
أجابت بإقتضاب:
_ أني حامل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خرج من الشركة للتو وسط موكب من رجال الحراسة الخاصة به ، له كثير من الأعداء.
ركض السائق مسرعاً يفتح له باب السيارة، فقام الآخر بفك زر سترته و دلف إلي الداخل.
أنطلقت السيارة ويتبعها سيارتين من طراز الدفع الرباعي.
وفي السيارة الأولي ينظر إلي ساعة يده ذات الماركة العالمية، فقال إلي رجل الحراسه الذي يجلس بجوار السائق:
_ إتصلي بصلاح أيوب.
قام الحارس بما أمره به:
_ أتفضل ياسليم باشا.
أخذ الهاتف وأجاب وهو ينظر من زجاج السيارة المعتم:
_ أنا هعدي عليك دلوقت، تكون جهزت حالك بسرعة عشان عندنا مشوار سفر.
_ أجلها لبكره أكون خلصت الشغل الي معايا.
قال بأمر وجدية:
_ نص ساعة وهاكون عندك، وهاخدك زي ما أنت حتي لو كنت نايم حضن الي جمبك .
زفر بتأفف وقال:
_ طيب ممكن تقولي هنسافر فين؟ .
أجاب بإقتضاب:
_ قنا، سلام.
وأغلق المكالمه، تعجب الآخر وقال:
_ قنا! ، الو، الو.
نظر في شاشة الهاتف ليجده قد أغلق المكالمة، فسألته تلك التي تداعب صدره بأناملها:
_ ده سليم العقبي ؟ .
نهض بجذعه وأنحني ليلتقط سرواله من الأرض بجوار التخت ليرتديه أسفل الدثار:
_ أيوه هو، أومي أنتي ألبسي هدومك وأنزلي علي المكتب، مش عايزك تروحي غير لما تخلصي أوراق قضية كامل عرفة.
_ أوك، هترجع أمتي؟ .
قالتها و لفت جسدها بالدثار ونهضت تلتقط ثيابها المبعثرة علي الأرض.
أجاب و هو يدلف إلي المرحاض:
_ مش عارف، هابقي أكلمك عشان أتابع معاكي الشغل.
_ وبالعودة إلي سليم في السيارة، كان يتأمل شاشة الهاتف بإبتسامة مُردداً:
_ زينب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بت يا نوارة روحي شوفي مين بيرن الچرس.
قالها خميس، فأجابت وهي ترتدي وشاحها:
_ حاضر ياعمي أنا چاية أهه.
فتحت الباب فوجدت والدتها، صاحت بفرح:
_ أماه، أتوحشتك جوي.
عانقتها بسعادة، أبتعدت الأخري عنها ورمقتها بإمتعاض:
_ واضح إني أتوحشتك جوي، بأمارة لما كنت راجدة أفتكرتي ليكي أم تجولي لما عاروح أشجر عليها ولا أشوفها محتاچة حاچة، أخص عليكي.
نظرت بخجل وقالت:
_ حجك عليا ياماه والله أتلهيت ويا خالتي في العزا وكنت ناوية أچيلك.
دفعتها سعاد ودلفت إلي الداخل:
_ طول ما أنتي دايره كيف الرحا ورا چوزك عاتيچي لي ميتي!.
_ ما أنتي خابره ياماه، خايفه ليتچوز عليا، بجي لنا سنتين بلف علي الحكماه وكلاتهم يجولولي معنديش أي حاچة، وبتحايل علي رافع يروح يكشف أو يحلل يتنرفز ويمد يده.
تلفتت يميناً ويساراً وقالت:
_ ما أنا چايه لك عشان إكده، بس جولي لي خالتك وبنتها أهنه؟.
أجابت:
_ خالتي عند چارتها في الدار الي چارنا، وزينب حابسه حالها في أوضتها، و عمي خميس بيشرب دخان في المضيفة، ورافع چاله تليفون شغل وجالي إنه عيتأخر.
_ تعالي.
وأمسكتها من يدها ودلفت بها إلي غرفة إبنتها ، وأغلقت الباب خلفهما
تعجبت نوارة وقالت:
_ في أي ياماه؟.
_ وطي حسك وإسمعيني زين، الوليه أم علوان الي چاري بتها محبلتش أول ست شهور لما أتچوزت وحماتها كانت بتسم بدنها بكلام يحرج الدم، فولاد الحلال دلوها علي شيخ سره باتع في البر التاني بيجولو عليه واصل جوي مع اللهم أحفظنا الأسياد، العاقر بتحبل علي يده والعانس بتتچوز والي معمولو عمل بيفكو في وجتها.
صاحت نوارة بإعتراض:
_ واه ياماه!، عايزني أروح لدچال تاني ناويه علي طلاجي إياك.
_ أجفلي خشمك الله يحرجك عتفضحينا.
_ يعني ناسيتي لما روحنا للشيخ بركات ورافع خد خبر يوميها ولما رچعت فضل يدوج فيا لولا خالتي وزينب حاشوني من يده كان زمانك بتجري عليا الفاتحة دلوق.
_ ومين بس الي عيعرفه.
_ يا مُري وكمان عايزاني أخرچ من غير ما يعريف، عشان يموتني، أبوس يدك بعديني عن حديتك المخبل دي.
_ أخس عليكي يابتي، أنا بجول حديت مخبل!، خليكي جاعده كيف الأرض البور لما عيچي يوم وتلاجي چوزك داخل عليكي بضرة وعلي يدها عيل ولا أتنين.
_ ده أني كنت أروح فيها عاد.
أقتربت منها وربتت عليها بحنان:
_ يبجي تسمعي الي بجولك عليه، أنتي بس جولي لچوزك أنا رايحة أجعد ويا أمي يوم أطمن عليها و راچعة، وأول ما تچيني عاخدك ونروح للشيخ ولا من شاف ولا من دري، ياعالم يابتي يمكن تحبلي المره دي وربنا يفرح جلبك بحتة عيل.
_ يسمع منك ربنا ياماه.
طرقات قوية متتالية علي الباب يتبعها رنين الجرس.
قالت سعاد:
_ مين الي عيخبط إكده كيف المصروع.
أجابت نوارة بتعجب:
_ معرفاش، لما نروح نشوفو مين.
خرج خميس من الغرفة علي صوت تلك الطرقات التي أفزعتهم، فتحت نوارة الباب وهي تمسك بطرفي حجابها، وجدت أمامها مجموعة من الرجال متشحين بالسواد، تقدم من بينهم صلاح بإبتسامة رسمية:
_ رافع بيه موجود؟.
أجابت نوارة وهي تخفي نصف وجهها بطرف الحجاب بخجل:
_ نجولو مين؟، وعايزين منيه أي؟.
خرجت زينب من غرفتها ترتدي الحجاب لتري ما هذه الجلبة، فتساءلت:
_ مين يا نواره؟.
رفع صلاح عينيه نحو صاحبة الصوت العذب وقبل أن يجيب دفعه صديقه جانباً وتقدم بهيبة وشموخ قائلاً:
_ سليم داغر العقبي.
#الفصل_الرابع
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
– وبعد إنتهاء الإجتماع وإلقاء التعليمات الجديدة علي موظفيه، وقيام كل منهم بعرض عملهم المكلفون به حتي جاء دورها وكانت الأخيرة، تنظر إلي الأوراق التي بين يديها وساقها تهتز منذ بدء الإجتماع أسفل الطاولة تتجنب النظر إليه طوال الوقت بينما هو كان يحدق بها حتي لفت إنتباه البعض ومن بينهم صديقتها مروة التي همست إليها:
_ ندي، مستر علي من ساعة ما دخلتي وعينيه منزلتش من عليكي، هي أيه الحكايه؟.
أجابت الأخري بإستنكار بعدما رمقته بطرف عينيها فوجدته ما زال يحدق بها:
_ ده بتهيألك، ممكن عشان دخلت بعده.
_ يا خوفي يا ندوش ليكون حطك في دماغه، ده شكله مش سهل وهنقول فينك يا مستر ناجي وفين أيامك.
نهض من كرسيه وأتجه نحوهما فقالت ندي:
_ طيب أخرسي بقي عشان ده شكله جاي علينا.
وقف خلفها وأنحني نحوها وقال:
_ يعني آنسة ندي، أصدي مدام ندي مقدمتش شغلها، ممكن أعرف السبب؟.
شحب وجهها من كلماته المصاحبه بأنفاسه التي شعرت بها، كما تخللت أنفها رائحة عطره المحفورة بداخل ذاكرتها منذ سنوات، قالت بدون تلتفت إليه:
_ ما أنا كنت لسه هقول لحضرتك إن هقدم الفايل الصبح عشان ملحقتش أخلص، كان سيستم الجهاز بتاعي واقع وأستنيت مهندس البرمجة وصلحو الصبح.
رفع زواية فمه بتهكم ألتمسته من كلماته برغم إنها لاتنظر إليه:
_ و ليه مكملتيش علي أي جهاز تاني، ولا مش لاقيه أي حجه تقوليها! .
وهنا لم تتحمل سخريته وكل زملائها ينظرون ويستمعون إليهما، نهضت وأستدارت و رفعت وجهها له حيث فارق الطول بينهما فقمة رأسها تصل إلي منتصف عضده فهي كالعصفور أمامه.
_ مكملتش علي كمبيوتر تاني، عشان كل شغلي مسيڤاه علي جهازي الي بشتغل عليه، وكمان دي أول مرة تحصل معايا يعني مبتحججش زي مابتقول.
تراجع إلي الوراء ويصفق بيديه قائلاً :
_ براڤو عليكي.
فقام بمناداة السكرتيرة:
_ آنسه مايسه؟.
وقفت قائلة:
_ نعم مستر علي.
حدج ندي بتوعد فقال:
_ يومين جزا لمدام ندي عشان تتعلم تتكلم بعد كده مع مديرها بإحترام.
_ أمرك يا فندم.
أشار بيده للموظفين قائلاً :
_ الإجتماع خلص، إنصراف.
غادر الجميع وما زالت تقف تنظر له بذهول فقالت بصوت مرتفع وحاد :
_ علي فكرة ده يبقي ظلم وإفترا وأنا مش هقبل بيه.
أشار علي للسكرتيرة بأن تغادر:
_ روحي أنتي يا مايسه علي مكتبك وأقفلي الباب وراكي.
وبعد أن غادرت الأخري، أقترب من ندي و بنبرة فحيح قال:
_ أول وأخر مرة صوتك يعلي عليا لأن لو أتكررت مضمنش ردة فعلي وقتها عليكي، وبعدين أنا عمري ما كنت ظالم ولا مفتري يا مدام وأنتي أكتر واحدة عارفة كده ولا نسيتي؟.
أبتلعت لعابها وأرتسمت القوة علي ملامحها و وقفت بشموخ:
_ لو فاكر إنك جاي الشركة عشان تنتقم مني يا علي يا حسيني يبقي أنت غبي أوي.
أمسكها من زراعها ودفعها نحو الحائط ليحاوطها بجسده، تفوه من بين أسنانه بحنق:
_ أتكلمي بإحترام أحسن لك يا ندي، ولا لسه فكراني علي الأهبل بتاع زمان، ها؟، وأيوه أنا جاي مخصوص بس عشان مش أنتقم منك وبس، ده أنا زي ما عيشتك أجمل أيام حياتك زي ما كنتي بتقوليلي وقتها، هخليكي تعيشي أسود أيام حياتك، هخليكي تبوسي إيدي عشان أرحمك.
_ أنت شكلك أتجننت ونسيت أني متجوزة، وجوزي يبقي مين.
أمسك كتفيها ليعنفها قائلاً بغضب كالنيران:
_ لاء مش ناسي يا مدام أكرم عمران، الي كان بيديلك علي دماغك وسابك تتعذبي وجيتي أترميتي في حضني تعيطي وأول ما حن عليكي روحتي بعيتي الي كان بيحبك أكتر من نفسه، عارفة ليه، عشان أنتي واحدة معندكيش كرامة.
صاحت وهي ترفع كفها لتصفعه:
_ أخرس.
أمسك يدها بقبضة قوية كادت تسحق أناملها:
_ أقسم بالله لو كان أيدك جت علي وشي كنت هادفعك تمن القلم ده غالي.
تبدلت ملامح وجهها من القوة المصتنعة إلي علامات الإمتعاض والألم فقالت بصوت مختنق علي وشك البكاء:
_ سيب إيدي يا علي وأبعد عني، و عشان ترتاح مني بكرة الصبح هتكون ورقة إستقالتي علي مكتبك.
نفض يدها في الهواء بإزدراء وأبتعد قليلاً، يقهقه من ما تفوهت به للتو، أقترب مرة أخري وأستند علي الحائط بيديه، وبنبرة تهديد ووعيد قال:
_ عارفة لو ده حصل، في نفس الوقت الي هاشوف فيه إستقالتك ، هيكون سيادة النقيب بيتفرج علي صوري أنا وأنتي ده غير ريكوردز مكالمتنا الغرامية وأد أي كنتي مخدوعة فيه ولاقيتي الدفا والحب في حضني أنا، وياسلام بقي لو عرف إنك جيتي ليا برجلك الشقة وأنا لولا كنت بحبك وبخاف عليكي كان زماني أستغليت حالتك وقتها وعملت الي أي واحد كان عمله لو مكاني ساعتها، علي الأقل مكنتيش تفكري تسبيني وترجعيلو.
أجهشت في البكاء بعد تهديده الصريح لها، أعتراه شعور بداخله لايتمني العودة إليه، ود لو يأخذها بين زراعيه ويربت عليها لتكف عن البكاء، وبالفعل كاد يقترب منها ويعانقها لكن صاحت به وهي تجفف عبراتها بقوة:
_ أنت حيوان وجبان وأضعف إنك تقدر تواجه أكرم بالحاجات الي معاك، لأن هقوله إنك كداب والصور متفبركة والريكوردز الي بتتكلم فيها دي مش أنا.
لعن نفسه بأشد اللعنات علي شعوره بالذنب نحوها، فأخذ يقهقه ساخراً وقال:
_ بذمتك مصدقة الهبل الي بتقوليه ده! ، طيب يا ندا إحنا فيها، أتصلي بيه وقوليله دلوقت.
تسمرت مكانها ماذا ستقول لزوجها حقاً ، لقد وضعها الآخر في موقف ضعيف للغاية، أراد أن يثبت لها كم هي جبانة.
_ شوفتي بقي إنك بوء علي الفاضي، كان نفسي تشوفي شكلك ولا نظرة الخوف والرعب في عينيكي لما جبتلك سيرة جوزك.
زفرت وهي تشعر بالإختناق، تريد الصراخ لكن هناك غصة تقف في حلقها، فأخرجت كلماتها بصعوبة:
_ والمطلوب مني أي دلوقت؟ .
دنا نحوها قائلاً :
_ عايز حقي.
تحاول فهم وإدراك ما يرمي إليه:
_ حقك الي هو إزاي؟.
أنبلجت علي محياه إبتسامة إنتصار، فأجاب بكل ثقة:
_ تتطلقي منه.
صاحت بإعتراض جلي:
_ نعم! .
_ زي ما سمعتي كده بالظبط، تطلقي منه بمزاجك أحسن ما هخليه يطلقك هو، و مضمنلكيش وقتها هيعمل فيكي أي، أقل حاجة هيحرمك من لارا بنتكو .
أبتعدت من أمامه وأستعادت رباطة جأشها، فصاحت:
_ أعلي ما في خيلك أركبه يا علي، وأنا بحب أكرم وعمري ما أطلق منه عشان واحد زيك مجنون ومريض، عايز يرضي غروره وينتقم لكرامته.
وفي لحظة كان أمامها يقبض علي جيدها بقوة حتي كادت تشعر بالإختناق، ينفث في وجهها كلماته كألسنة اللهب:
_ وربنا لأندمك علي كل كلمة قولتيها، وهخليكي تعيشي في كابوس أسود ، النوم حتي مش هاتشوفيه، عايزك تجمدي قلبك علي أد ماتقدري عشان تقابلي كل الي جاي.
فك قبضته وتركها تلتقط أنفاسها مولياً ظهره إليها، تتحسس موضع عنقها فوق وشاحها، دلفت السكرتيرة بدون أن تطرق الباب:
_ مستر علي جالنا إيميل من…….
قاطعها بصراخ مدوي:
_ مش قولت متجيش غير لما أقولك!.
ركضت السكرتيرة بخوف علي مكتبها وقامت ندي بإستغلال الموقف وهربت من الباب الآخر الذي كان خلفه، تركض بكل قوتها حتي وصلت إلي غرفة مكتبها وأخذت كل متعلقاتها وحقيبتها، سألتها مروة بقلق:
_ ندي، حبيبتي متضايقيش ولا يهمك هو هتلاقيه عمل كده عشان ميبقاش شكله وحش أدامنا عشان كسفتيه .
همت ندي بالمغادرة، فأمسكت بها الأخري:
_ أستني بس.
صاحت بها وهي تبكي:
_ سبيني مروة لو سمحت.
غادرت الغرفة بل الشركة أيضاً وأستقلت سيارة الأجرة، أخرجت هاتفها للإتصال بأكرم وكالعادة لم يرد عليها، زفرت بغضب وألقت بالهاتف داخل حقيبتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وفي غرفة إستقبال الضيوف يجتمع كل من رافع والحاج خميس والده مع سليم وصديقه صلاح، فبعد أن هاتفت نوارة زوجها عن هذا الزائر الغريب وأعطت الهاتف له ليخبره بهويته فما كان لرافع سوي أن يأتي بسرعة الريح فهو يعلم من هو سليم العقبي ويدعو بداخله أن لا يكون سبب زيارته الإنتقام منه لما أقترفه من سرقة جزء من شحنة المخدرات خاصته في الميناء.
_ خير يا سليم بيه؟.
قالها رافع، فرمقه الآخر بعكس ماتوقع كان مبتسماً وأجاب:
_ كل خير يا رافع بيه، طبعاً أحب أقدم إعتذاري عن زيارتي الي من غير ميعاد سابق، حاولت أتصل عليك كنت بلاقي تليفونك غير متاح.
قال رافع:
_ كنت في مكان مفيهوش شبكة.
فقال سليم ويحدجه بمكر:
_ عارف، الأماكن الصحراوية وخصوصاً الجبل نادراً لما يبقي فيه إرسال.
أدرك رافع إنه يخبره بعلمه عن مصنع السلاح، فقال بتهكم:
_ ما أني ناوي نبلغو الحكومة تدعملنا المنطجة بكل شبكات المحمول، أهو حتي العمال يطمنو علي أهاليهم.
_ واضح إن روحك حلوة يا رافع بيه.
أجاب الآخر:
_ تسلم ياباشا، دي من زوقك.
وقفت نوارة علي الباب تخفي نصف وجهها بالوشاح، تحمل صينية يعلوها فناجين القهوة وكؤس مياه:
_ الجهوة ياسي رافع.
نهض وذهب ليحمل منها الصينية وقال لها بصوت منخفض لأنه يعلم عادتها السيئة في التصنت وإستراق السمع :
_ خشي چوه أوضتك وما تخرچيش غير لما أنادم عليكي، فاهمة؟.
أومأت له بطاعة:
_ أمرك ياسي رافع.
وركضت إلي غرفتها بسرعة البرق.
وبالعودة إلي الداخل، قدم رافع الصينيه إليهم فبدأ بسليم:
_ أتفضل يا سليم بيه.
تناول الفنجان وقال:
_ شكراً .
_ العفو، أتفضل يا صلاح بيه.
رفض بلطف قائلاً :
_ شكراً بشربها إسبريسو.
فقال رافع متعثراً في الكلمة :
_ واه، كيف السبريزو دي، وأني أخلي الچماعة يسوهولك دلوق.
ضحك صلاح رغماً وقال:
_ تسلم يا رافع بيه، أنا مبشربهوش غير في مكتبي، لأن ليه ماكينة شاريها مخصوص من أمريكا.
_ أيوه عارفها البتاعه دي، مفيش أحلي من السبرتايه ولا كنكة الجهوة الي تتسوي علي نار هاديه، تُظبط الدماغ صوح، ولا تجولي سبريزو ولا مسبريزوش.
كتم كل من صلاح وسليم ضحكاتهما حتي لايسيئ الآخر الظن بهما بأنهما يسخران منه، وضع سليم القدح بعدما أنتهي من إرتشافه علي الطاولة وقال:
_ سيبك من القهوة دلوقت وخلينا في المهم والي أنا جاي لك فيه مخصوص.
فأشار إلي صلاح ليتحدث، أعتدل صلاح وقال:
_ حضرتك يا رافع بيه راجل شغال في سوق الأعمال وبالتأكيد سمعت عن سليم بيه العقبي.
_ أشهر من النار علي علم.
_ مجالات شركاته كتير مابين المعمار والعقارات والحديد والسيارات ده غير الفنادق والمطاعم، وكل ده في مصر وبره مصر كمان في أمريكا وفرنسا وإيطاليا وسويسرا.
أبتسم رافع ومن داخله يشعر بالغبطة، كل هذا الكم من الشركات والعقارات يمتلكها رجلاً واحد وفي هذا السن الصغير، فيبدو من ملامحه إنه لم يتجاوز الخمس والثلاثون عاماً.
فقال بتصنع يجز علي أسنانه:
_ ربنا يزيد ويبارك.
قال صلاح بعدما لاحظ نظرات الحقد التي لم يستطع الآخر إخفاؤها :
_ ما هو أساس الكيان ده والده داغر بيه العقبي الله يرحمه، وبعد وفاته سليم بيه كمل مسيرته وكبر كل المؤسسات دي، بس عشان توصل بالشكل ده ويبقي ليها فروع كان لازم يحط أيدو في أيد المافيا ويشاركهم أعمالهم عشان يحمو له كل ممتلكاته وتجارته ويضمن إنهم ميغدروش بيه.
زفر رافع عندما أنكشف أمامهما، فقال:
_ وأي المطلوب مني دلوق؟ .
أجاب سليم:
_ نتشارك.
فقال رافع:
_ وأنا كل الي أملكه يچي أي في بحر الي حداك يا بيه؟.
إبتسم سليم وقال:
_ إنتاج مصنعك من أسلحة وذخيرة هسوقهولك كله بره وعندي ألف من يشتري وبالعملة الصعبة زي ماتحب، وبالنسبه للفدان الي مش عارف تزرعه كوك (كوكايين)، هخليك تزرعه بدل الفدان خمسه ومفيش عسكري واحد يقدر يهاوب ناحية الأرض.
_ ماشاء الله وكمان ليك يد في الحكومة عاد.
قال سليم بفخر وثقه:
_ أنا ليا عيون ورجالة في كل حتة يا رافع بيه، لازم تكون في مركز القوة ديماً وتصاحب أعداءك عشان ميجيش عليك وقت وتلاقي كل الي بنيته بينهار أو بيضيع.
رمقه رافع بتساؤل:
_ ومجابل كل الخدمات الي عتجدمهالي أي عاد؟ .
أجاب الآخر:
_ مش عندكم التجار لما بيشاركو بعض أوقات كتير بيحصل نسب مابينهم.
فقال خميس الذي كان صامتاً طوال الوقت:
_ مفيش حدانا غير زينب بتي، وسلو عيلتنا البت ماتتچوز غير من العيلة.
مال رافع نحو والده وقال بصوت لايسمعه سليم وصلاح:
_ ناوي تچوزها من زكريا الفلاتي بتاع النسوان وماشي يستلف من ده ودي ولا الشيخ بكر الي محليتوشي غير سبح وسچاچيد صلاه!.
_ وكيف عايزني أجبل بالغريب يا ولدي؟ .
_ لساك سامع حداه أي، شركات وفلوس يعيش بتك وعيعيشنا في الچنة ونعيمها.
فقال خميس بإستسلام كالعادة في نهاية كل نقاش مع نجله:
_ الي تشوفه يا ولدي.
_ قولت أي يا حاج خميس؟.
قالها سليم، فأجاب رافع:
_ نجول مبروك ياسليم بيه.
فقال صلاح بتعجب:
_ طيب مش هتاخدو رأي العروسة.
حدقه سليم بنظرة تحذيرية ليصمت، فقال رافع:
_ ومن ميتي البت بتجول رأيها، إحنا أدري بمصلحتها عاد.
إبتسم سليم بسعادة عارمه، فها هي تُقدم له علي طبق من ذهب، فقال:
_ مش ناويين نقرأ الفاتحة، فاتحة الشراكة وفاتحتي أنا والآنسة زينب؟ .
فقال خميس:
_ طبعاً يا ولدي هنقرو الفاتحة.
رفع جميعهم أيديهم لأعلي يقرأون آيات سورة الفاتحة.
_صدق الله العظيم.
قالها رافع، ثم نهض وقام بمناداة زوجته:
_ يا رافع، رافع.
جاءت راكضة إليه:
_ أمرك يا سي رافع.
_ حضري الشربات للضيوف.
فقالت بفضول ولهفة:
_ ليه؟.
صاح بها:
_ من غير ليه، همي بسرعة
_ أمرك.
وركضت إلي المطبخ.
وبعد مرور وقت من تبادل الأحاديث، نهض سليم وهو ينظر في ساعة يده:
_ أنا يا دوب كده أستأذن وبكرة هاجي أنا والجواهرجي عشان العروسة تنقي الشبكة.
قال خميس:
_ ما تخليكو يا ولدي، الدار واسعه، كيف عتسافرو والچو ليل إكده؟ .
أبتسم سليم وقال:
_ تسلم يا حاج، إحنا نازلين هنا في فندق قريب من النجع.
_ علي راحتك يا ولدي.
أشار إلي صديقه:
_ يلا ياصلاح نسيب الجماعة ينامو، تصبحو علي خير.
قال رافع:
_ وأنت من أهله.
وذهب لإيصالهم إلي خارج المنزل، وقبل أن يدلف سليم إلي داخل سيارته قال:
_ بالمناسبة صح يا رافع، أسمحلي أقولك إسمك من غير ألقاب، كنت بتسألني عن المقابل، وقولتلك أول مقابل هو جوازي من زينب.
عقد حاجبيه وقال:
_ هو فيه حاچة تاني ولا أي؟ .
أومأ له بإبتسامة شيطانية ونيران تتراقص ألسنتها بداخل ظلام عينيه قائلاً :
_ أنا عارف إنك الي ورا سجن فارس إبن عمك بعد ما حتطلو المخدرات في أوضته، وده عشان يبعد عن أختك ولسبب تاني غالباً شكلك بتكرهه أوي.
_ و دي كمان مفوتهاشي! .
قالها رافع بتعجب، فأجاب سليم بزهو:
_ أنا قبل ما أخطي أي خطوة يا رافع بعمل مليون حساب ليها، والي فهمته إن مصلحتنا واحدة، ومش صعب عليك إنك تنفذ المقابل التاني الي هطلبه منك.
حجه بإستفهام:
_ وأي هو؟ .
أجاب بأمر حاسم:
_ تقتله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ولج لتوه من باب المنزل، أنتبه إلي صوت التلفاز فوجدها تجلس شاردة ولم تنتبه لوجوده، ظن إنها تتجاهله، ألقي السلام ولم ترد عليه، أمسك بجهاز التحكم وأغلق التلفاز وحينها لفت إنتباهها، نهضت وقالت:
_ أنت جيت أمتي؟.
سار إلي غرفة إبنته قائلاً :
_ لسه جاي.
فتح الباب لم يجدها فقال:
_ فين لارا؟.
أجابت:
_ بايته عند ماما.
أستدار لها وقال بضيق:
_ مش كذا مرة أقولك البنت متبتش غير في حضنك.
_ بقولك عند ماما مش عند حد غريب، وهي أول مرة تبات هناك يعني، الله يرحم لما كنت بتخليني أسيبها باليومين عندها عشان نبقي علي راحتنا.
خلع سترته وحزام سلاحه ثم قميصه، وقال:
_ ده كان زمان، أيام ما الواحد كان عايش سعيد، مش في حياه كلها نكد وهم ده غير الأرف الي بشوفه في الشغل وأقول أستحمل لحد ما أرجع ألاقي الي يهون عليا، بلاقي العكس، الي يزيد همي ويخليني عايز أطفش من البيت.
كلماته كانت كالرياح التي أشعلت النيران في الجمار الخامدة، يكفي ما تعرضت له اليوم والقلق والخوف التي ستواجهه طوال الأيام القادمة، فلم تجد سوي البكاء لتخفف ولو قليلاً عن ما تشعر به من ضغطٍ نفسي.
ترك قميصه القطني الذي كان سيرتديه وأقترب منها عندما رآها تبكي كالطفلة التي ضلت دربها، أمسكها من يدها و حدق في وجهها.
_ مالك يا ندا بتعيطي كده ليه؟ ، مش أنتي الي وصلتينا للنقطة دي!، بتقعدي كل ما أرجع بدل ما تقوليلي حمدالله علي السلامة يا حبيبي وتاخديني في حضنك تقومي منكده عليا وأنتي أكتر واحدة عارفه ظروف شغلي!.
تفوهت من بين بكاءها:
_ أنا، أنا محتاجه لك أوي يا أكرم، محتاجة لحضنك، أنا عارفه أني بقيت نكدية و…..
قاطعها واضعاً أطراف أنامله علي شفتيها:
_ هوس، تعالي.
وأخذها بين زراعيه يحتضنها ويحتويها بحبه ، يمسد علي ظهرها بحنان:
_ أهدي خلاص، مفيش حاجه تستاهل للعياط ده كله.
أبتعدت عن صدره وحاوطت وجهه بيديها قائلة:
_ عايزاك تعرف مهما حصل ومهما هيحصل أنا بحبك، بحبك أوي، أنت الراجل الوحيد الي ملي قلبي قبل عيني و مكنتش بشوفك غير جوزي وأبو بنتي وعيالنا الي ربنا هيرزقنا بيهم.
تنهد بحزن وهو يري عبراتها تلك ولام نفسه، فقال لها وهو يمسح دموعها من وجنتيها الملساء:
_ طب ما أنا كمان بحبك أوي ومن زمان، من ساعة ما كنتي لسه عيلة بضفاير بتلعبي أدام العمارة، ولما كان حد بس بيفكر يضايقك كنت بخليه يحرم يبص لك حتي، ولا نسيتي الواد بيبو إبن عم منعم بتاع السوبر ماركت؟ .
ضحكت رغماً عنها وقالت وهي تتذكر:
_ أيوه لما ربطه من رجله وإيديه وقعدت تمده بالعصايه لحد ما رجله ورمت، خليته لما يشوفني يلف من الشارع التاني، ده غير الولاد التانين والي كنت بتعملو فيهم، من يومك بتغير عليا بجنون.
_ و مازالت بغير عليكي ولو أي حد بس فكر يكلمك متعرفيش ممكن أعملك فيه أي.
تذكرت ما حدث معها في الشركة، أبتلعت لعابها بتوتر وقالت:
_ هاتعمل فيه أي؟ .
إبتسم وأجاب بهدوء لكن عينيه تدل عن غيرته الشديدة:
_ هخليه ولا يشوف ولا يسمع ولا يتكلم، ده غير الذل والعذاب الي هيشوفه علي أيدي عشان بس فكر في مدام أكرم عمران.
أرتسمت إبتسامة طفيفة وقالت:
_ ياه للدرجدي؟ .
حدجها بنظرات تفحص كما يفعل في التحقيق مع المجرمين:
_ هو فيه حد بيضايقك؟.
أنتفض داخلها من سؤاله وملامح وجهه التي زادت من توترها أكثر، نهضت لتواري وجهها عنه خوفاً من أن يكتشف كذبتها فهو قارئ لايستهان به في لغة الجسد، فأجابت:
_ لاء مفيش، ولو فيه هقولك.
أمسك يدها وجعلها تلتفت وتنظر له، وبنظرات ذات مغذي قال:
_ ياريت يا ندا، عشان لو عرفت من بره وأنتي مقولتليش هتزعلي مني وقتها، و مش بعيد تكرهني.
سرت قشعريرة خوف في أنحاء جسدها، جلست بجواره وقالت:
_ ليه بتقول كده يا حبيبي؟ ، ما أنت عارف أنا عمري ما خبيت حاجة عليك وكل حاجة بقولهالك.
خلل أنامله في خصلاتها وقال:
_ عارف يا حبيبتي، وعارف عمرك ما كدبتي ولا خبيتي عني حاجة، و ده من أكتر الحاجات الي بحبها فيكي.
ضحكت لتغير تلك أجواء التوتر هذه، فقالت:
_ بس وأنتي بتحكي عن الي هاتعمله في الي يفكر يجي جمبي، بصراحه خوفت منك أوي، مكنتش أعرف إنك شرير أوي يا أكرومتي.
وضع يديه حول خصرها ليقربها منه وأجلسها علي فخذيه قائلاً:
_ ده أنا شرير أوي وهعجبك تحبي تشوفي؟.
ضحكت بدلال وقالت:
_ لاء ياعم الطيب أحسن، أنا مش أدك.
داعب طرف أنفها بخاصته وقال:
_ ليه ده أنا حتي هابقي شرير حنين معاكي، ولا نسيتي؟ .
إبتسمت بخجل وجزت بأسنانها علي شفتها السفلي، فأردف بنظرات جنون عاشق:
_ أنتي أد الحركه دي؟.
أجابت بنبرة أكثر دلالاً، ويدها تتداعب شعيرات صدره:
_ بس بقي يا أكرومتي، يلا تعالي عشان محضره لك الأكلة الي قولتلك عليها، زمانك جعان أوي.
كادت تنهض فقام بمنعها وقال:
_ أنا فعلا جعان وهموت من الجوع، ونفسي أكل حلاوة بالقشطة.
دفعها علي التخت وأنقض عليها كالجائع عندما وقع أمامه طبق من الــفاكهة فينقض عليه ويلتهم كل مابه بنهم وشراهة، يهيم بعشقها و يغرقها في بحوره، كلما يُخيل إليه إن هناك إحدهم يتعرض لها أو ينظر إليها برغبة فتتحول قبلاته الحنونة إلي أخري عنيفة ولمساته إلي قبضات قوية حتي يسمع آناتها من الألم فيهدأ رويداً رويداً ويعود إلي لمساته الحانية مرة أخري.
بينما هي كان جسدها معه لكن عقلها في مكان آخر تخشي ما ينتظرها خلف باب الماضي التي ظنت إنه أوصد ولم تتوقع يوماً إنه سينفتح علي مصراعيه وتندلع منه نيراناً لا تنال سواها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كيف إكده ياناس، شايفني أي، بهيمة عتبيعوها للي يدفع ويشيل!.
صاحت بها زينب وتكاد تفقد عقلها من صدمة الخبر التي علمت به للتو، نهضت والدتها منها تهمس برجاء:
_ إكتمي يابتي، أخوكي وأبوكي جاعدين بره.
فتحت باب غرفتها و وقفت أمامها وبصوت جهوري صاحت:
_ أني عايزاهم يسمعو ويعرفو المصيبة الي سواها في حجي، ولدك الظالم ده.
_ أي الي طلع البت دي من أوضتها؟.
قالها رافع، أستدارت له وبقوة قالت:
_ علي چتتي يا رافع إنك تچوزني لواحد ما أعريفهوش وفوج إكده مچرم، وكمان بتقرأ وياه فاتحتي ولا كأني ليا رأي واصل!.
وقف أمامها يرمقها بنظراته الحادة المخيفة وقال:
_ حدانا البت ملهاش رأي عاد، والي يجول عليه أبوها وأخوها هو الي عيمشي.
_ لاء ومليون لاء يا رافع، مش عاتچوز الراچل ده ولا غيره.
فقال بسخرية:
_ ناوية تترهبني إياك!.
_ أترهبن، أبجي عانس، عندي أحسن من چوازي من راچل لايعرفيني ولا أعرفه ولو حتي جتلتوني.
لم يكترث لكلماتها بل أثار من نيران غضبها قائلاً ببرود:
_ كفياكي عويل وچهزي لك خلچات زينة، الراچل عيچي لنا بكرة و وياه الچواهرچي لأچل تنجي شبكتك يا عروسة ونحددو ميعاد الخطوبة.
صاحت بتحدي:
_ علي چتتي يا رافع.
رد بتهكم ويرجع خصلة شعرها خلف أذنها بطريقة إستفزازية:
_ لع، علي سليم بيه يا جلب أخوكي.
أخذت تصرخ وتصيح:
_ والله لعموت نفسي وعريحكو مني.
صاح رافع بغضب من صراخها:
_ خديها ياماه من قدامي بدل ما أنا الي عجتلها وأخلصكو منيها.
أمسكت والدتها من زراعها وتدفعها إلي داخل غرفتها:
_ أدخلي أوضتك و بعدي عنيه.
فقالت نوارة التي كانت تتابع في صمت:
_ أستهدي بالله يازينب وتعالي معاي.
_ عاچبك الي عيعملو چوزك يا نوارة!، وربي وما أعبد ما أني ساكته علي الي بيحوصل معاي، ولو غراب البين الي أسمه سليم أچه بكره عطردو كيف الكلب برة الدار.
أندفع نحوها كالعاصفة وجذبها من زراعها:
_ الظاهر أتوحشك الضرب من يدي.
وكاد يصفعها فأوقفه صوت والده:
_ رافع، بعد عن خيتك وإياك تمد يدك عليها تاني واصل.
_ ما أنت مش سامع عويلها وصوتها الي وصل لأهل النچع كلاتهم، يجولو علينا أي عاد!.
أجاب والده:
_ يجولو الي يجولوه، وملكش صالح بيها لحد ما نسلمها لچوزها، أني عاحدد وياه، الخطوبة السبوع الچاي والفرح السبوع الي بعديه، وچزرة وجطمها چحش.
ألتفتو جميعاً نحوها فلم يجدوها وكأنها أختفت في الهواء، ركضت نوارة نحو المطبخ بعد أن سمعت صوت يأتي من الداخل، صاحت بخوف وصراخ مدوي:
_ ألحجيني يا خالتي.
ركض جميعهم ليروا ما حدث، فوجدو زينب بيدها سكين حاد ملطخ بالدماء ويدها الأخري تذرف دماءً غزيرة من جرح قاطع لدي رسغها.
صرخت رسمية علي إبنتها:
_ بتي، ليه عملتي في حالك إكده يا ضنايا؟.
قال خميس الذي لم يتحمل رؤية إبنته في تلك الحالة:
_ خدها يا ولدي بسرعة علي المشتشفي.
فكانت نوارة وخالتها يصرخان، صاح بهما رافع وهو يحمل شقيقته التي فقدت وعيها من صدمة ما فعلته للتو:
_ إكتمي منك ليها، مش ناجصين چرس وفضايح عاد.
صمتت كلتاهما، فهم بالمغادرة فقالت نوارة وهي تركض خلفه:
_ أستني أنا چايه معاك.
ألتفت إليها وبنظرة تحذيرية:
_ خليكي أهنه أحسن ما عخليكي تحصليها.
تراجعت إلي الخلف بدون أن تتفوه، وقالت:
_ چيب العواجب سليمة يارب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يشعر بشئ ما يسير علي وجهه، ففتح رماديتيه فوجدها تتمدد بجواره وتمسك بزهرة بيضاء مثل روحها النقية، تقول له:
_ كفاياك نوم يا حبيبي، ويلا جوم محضرالك فطور عتاكل صوابعك وراه.
نهض بجذعه قليلاً يحدجها بنظرات حب حالمة، طبع قبلة حانية علي وجنتها قائلاً :
_ صباح الخير الأول يا مهجة الفؤاد.
وضعت كفها تتلمس لحيته المشذبة قائلة :
_ صباح أي عاد، الشمس جربت تغيب.
إبتسم ويحاوطها بزراعه ليضمها إلي صدره فقال:
_ كيف عتغرب الشمس وهي منوره قدامي ونورها مالي عليا حياتي.
توهجت وجنتيها من الخجل:
_ واه يافارس، حديتك عبيدوخني.
دفعها فوقه وقال بنبرة مليئة بالعشق:
_ ما تيچي ندوخو سوا.
ضغطت علي وجنتيه بأناملها وقالت بضحك:
_ جوم بجي وكفياك كسل.
ونهضت من فوقه فأوقفها وجذبها من يدها لتقع علي صدره وأبدل موضعهما، فأصبح هو من بالأعلي وهي أسفله، دنا بوجهه وقال أمام شفاها:
_ بتهوربي مني ليه يا جلبي، أني ما صدجت نتچوز.
حاوطت عنقه بزراعيها وقالت بهمس ودلال:
_ أني الي ما صدجت أكون وياك يا روح جلبي، ضمني يا فارس وما تبعدنيش عنك واصل.
عانقها حتي أصبح جسديهما كالجسد الواحد قائلاً :
_ عمري ما باعِد عنيكي يا جلب فارس.
نهضت من فوقه وأمسكت بيديه لتساعده في النهوض:
_ قوم بجي، يلا أدخل غسِل وشك وأني عاسبجك أحضر الصحون.
تركته و ذهب إلي المرحاض يغترف من مياه الصنبور ويغسل وجهه، لكن مهلاً ينظر إلي المرآة بدهشة لم يوجد إنعكاس له عليها، أغمض عينيه وفتحهما لكن جذبه صوت صرخات، ركض إلي الخارج، أهتز المكان من حوله وتحول ضوء النهار إلي ظلام دامس، ما زالت الصرخات مستمرة وتبعها نداء بصوتها الذي يحفظه جيداً:
_ فارس؟، ألحجني يافارس.
ركض نحو مصدر الصوت في تلك الظلمة الموحشة، حتي وجد ضوء بعيد، ظل يركض بكل مالديه من قوة حتي أقترب من الضوء فوجدها تقف بين رجلين إحدهما كظل أسود والآخر ملامحه مألوفة لديه، وخاصة بعدما تحدث له:
_ كيفك يا ولد زهرة؟.
كان يمسك شقيقته من زراعها بقوة وهي تتلوي وتستنجد به:
_ ماتسبينيش يا فارس، خليه يبعد عني.
وجاء يتحرك فوجد قدميه لا تتحرك وكأن شئ مجهول يقيد حركته، أشار لها وقال:
_ أني چمبك ما تخافيش يا زينب.
أقترب منه رافع وهو يقول:
_ لساك بتعافر يا واد عمي!، ما جولنا أنساها ما بجتش مكتوبة لك عاد.
وأخرج من طيات جلبابه سلاح ناري ووجهه أمام صدره وأطلق رصاصة أخترقت قلبه، بدأت الرؤية تتلاشي وآخر ما يراه هذا الرجل الذي يبدو كالظل الأسود يمسك بها عنوة ويبتعد حتي أختفي.
_ زينب؟.
صرخ بها مستيقظاً من ذلك الكابوس المزعج، يعلو صدره ويهبط بقوة والعرق يتصبب علي جبهته، أقترب منه منصور الذي أستيقظ أيضاً علي صراخه قائلاً:
_ كيفك يا فارس، أنت بخير؟.
نظر من حوله ليدرك إنه ما زال بداخل الزنزانة، حمد ربه في نفسه، ثم قال:
_ الحمدلله كان كابوس وراح لحاله.
أنفتح الباب الحديدي و دلف العسكري منادياً:
_ فارس قاسم القناوي.
أجاب فارس:
_ نعم.
_ عندك زيارة.
وقبل أن يذهب شعر بإنقباضة في قلبه، أخبره حدسه بأن هناك أمر سيئ قد حدث، أخذ يردد بعض الأذكار في نفسه حتي وصل إلي المكتب، فوجد الخالة هنادي وزوجها عم جابر ينتظرانه.
_ فارس يا ولدي، كيف يا ضنايا؟.
قالتها الخالة وهي تأخذه بين زراعيها بحنان أمومتها التي طالما تغدقه به.
_ كيفكم أنتي يا خالة والعم چابر.
أجاب جابر:
_ الحمدلله علي كل حال يا ولدي، لكن من يوم فراج الحاچ قاسم الله يرحمه والحكومه چت خدتك والدار كيف الكهف المهچور.
قالت الخالة وهي تتفحص وجهه:
_ أني متوكده إن شاء الله ربنا عيظهر براءتك والظالم الي سوي فيك إكده عياخد چزاته.
أمسك بيدها وربت عليها قائلاً برجاء:
_ أدعيلي بالله عليكي ياخالة أنا محتاچ لكل دعوة دلوق، أني حاسس كأني عبحلم، كل شئ حوصل ورا بعضيه كيف حب العقد الي فرط، مبجتش ملاحج ولا خابر أعمل أي، حاسس بالعچز.
ربت عليه جابر لمواساته:
_ وحد الله ياولدي وأستغفره، ده إبتلاء وأختبار من ربك، وبإذنه هينچيك منيه، خلي عندك ثقة وإيمان بالله.
_ ونعم بالله يا عم چابر.
قالت الخالة:
_ بيچبولك الواكل الي ببعتهولك كل يوم يا ولدي؟.
_ أه يا خالة تسلم يدك، المساچين الي معاي بيدعولك.
_ واه، أنت مبتاكلهوش إياك؟.
رمقها بحزن دفين وقال:
_ سامحيني يا خالة، ماعنديش نفس للواكل واصل.
قال جابر بإمتعاض:
_ لاء يا ولدي، لازم تاكل وتصلب طولك إكده عاد.
لم يهتم فارس للنصيحة بقدر لهفته علي معشوقته قائلاً:
_ جوليلي يا خالة بتشوفي زينب ولا هي بتتحدت وياكي؟.
نظرت الخالة إلي زوجها الذي رمقها بحذر، فأجابت بدون أن تنظر في عينين فارس الذي سيكتشف كذبتها:
_ زينة يا ولدي وبتسلم عليك.
رمقهما بشك وقال:
_ جولي الحجيجة يا خالة، أني خابرك لما بتداري حاچة عليا.
حدقها زوجها بنظرة إستسلام بأن تخبره ويحدث ما يحدث، زفرت الخالة بسأم وقالت:
_ زينب نجلها أخوها علي المشتشفي عشية إمبارح.
صاح بخوف عليها ويشعر بأنفاسه تختنق في صدره:
_ كيف حوصل، هو رافع سوي فيها أي عاد؟.
أجاب جابر:
_ كل الي نعرفو يا ولدي، إنها تعبت فچاءة وأغمي عليها ونجلوها علي المشتشفي ومانعين أي حد يروح يطمن عليها.
كاد يجن جنونه، يغدو الغرفة ذهاباً وإياباً، ظن أن شقيقها الظالم من المؤكد قد أذاها أو فعل به مكروه ما، زفر بقوة و أراد تحطيم تلك الجدران ويذهب إليها ويطمأن عليها، لكن كيف وهناك الكثير من العوائق.
_ أبوس يدك يا خالة حاولي بأي طريجة تروحيلها وتطمني عليها وطمنيني عليها لما تخرچي.
ربتت عليه وقالت:
_ عحاول يا ولدي، إهدي أنت ومتخلنيش أندم إني جولتلك.
_ الزيارة أنتهت يا چماعة.
قالها العسكري الذي دلف للتو.
ودعهما فارس وقلبه يتآكل من القلق والخوف علي مهجة فؤاده، وقبل أن يرحلا أكد علي الخالة لأكثر من مرة بأن تذهب للأطمئنان علي زينب وتأتي له لتخبره عن حالها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ فتحت عينيها رويداً بسبب ضوء الشمس النافذ من الزجاج، وجدت إنها تتمدد فوق سرير معدني تذكرت أحداث الأمس، أنتفضت وكادت تنهض وهي تنظر إلي معصمها الملفوف بالضماد، فأوقفها صوت الممرضة التي ولجت:
_ واه، عتعملي أي، خليكي كيف ما أنتي علي السرير.
نهضت زينب بجذعها وقالت:
_ أني عايزة أمشي من أهنه.
أقتربت منها الممرضة وهي تتفحص كيس المحلول المعلق والموصول إلي يد الأخري عبر أنبوب رفيع ينتهي بإبره تتخلل ظهر كفها.
_ لساتك تعبانه وما تجدريش تجومي علي حيلك عاد، وما تجلجيش أهلك زمانهم چايين.
نظرت لها زينب وشعرت بأنها قد رأتها سابقاً، فتذكرت وقالت:
_ هو أنتي…
قاطعتها الأخري:
_ كيف ما أتوجعت إنك عاتعرفيني، طول عمري بجول عليكي ذكية ماشاء الله، أيوه أني سمية الي كنت وياكي في المدرسة لحد الإعدادي وأنتي دخلتي ثانوية عامة وأني دخلت تمريض، دخلت بعد ما حبيت علي يد أبوي ولولا مارته الي ماصدجت تتخلص مني أقنعته يوافج لأنه كان معارض بيجول محدناش بنات تدخل تمريض وكأنه عار.
أمسكت بوسادة صغيرة ووضعتها خلف ظهر زينب لتستند عليها بأريحية، وأردفت حديثها:
_ و لما الحرباية أقنعته إنه تعليم ومستقبل وعيعطوني فلوس وأني بدرس وبتعلم في نفس الوجت وأهو منيه يستريح من مصاريفي وافج، وأني بصراحه ماصدجت أبعد عن خلجتها، مرة كيف الحية، ده الحية تتعلم منيها كمان.
أبتسمت زينب رغماً عنها وعندما وقعت عينيها مرة أخري علي معصمها فقالت:
_ أني كيف چيت أهنه؟.
جلست أمامها وأجابت بثرثرة كعادتها:
_ أخوكي الي بخاف منيه كل مابشوفه، كنت جاعدة ويا أصحابي في الطوارئ وفچاءة لاجينا أخوكي داخل بيصرخ علينا وشايلك علي يده ويدك غرجانه وبتنزف دم كتير، دخلناكي علي العمليات والدكتور لحجك علي آخر لحظة الحمدلله ولولا أنه يعرف أخوكي وعيلتكو زين كان جدم بلاغ للحكومة فيكي، ليه عملتي في حالك إكده يا زينب، ده أنتي كنتي مثلي الأعلي في العقل، وياما دجت علي الراس طبول بس عمري ما فكرت في الإنتحار، ده كفر ولأعوذب بالله.
تنهدت زينب و نظرت نحو الفراغ وقالت بيأس وقلة حيلة:
_ ربنا يسامحني، ما كنتش جاصده أجتل نفسي.
_ كيف يعني؟.
سردت زينب لها حكايتها، وكانت الأخري تستمع لها بحزن تارة وتعجب ودهشة تارة أخري، فتعاطفت معاها وقالت:
_ الله يكون في عونك يا خيتي، ومنه لله أخوكي طول عمره إكده ميحبش الخير ولا الخير يحبه عاد، طيب وناويه تعملي أي ويا الراچل الي عايز يتچوزك ده؟.
كادت تجيب فأوقفها طرقات علي الباب وتبعها حمحمه بصوت رجولي غليظ:
_ يارب ياساتر.
نظرت نحو الباب فوجدت شقيقها يدلف برفقة زوجته و والدتها.
فقال رافع:
_ سلامو عليكو.
رددت سمية السلام لكن زينب لم تتفوه بحرف واحد، بل كانت ترمقه بكراهية وغضب.
جلس علي أقرب كرسي قائلاً:
_ السلام لله يا خيتي.
فقالت والدتها وهي تجلس بجوارها:
_ إكده يابتي خلعتي جلبي عليكي لما لاجيتك سايحة في دمك، ده أبوكي من وجتها السكر علي عليه ومش جادر يتحرك من السرير.
فقالت نوارة:
_ بالتأكيد زينب ماتجصدش يا خالتي، دي كانت لحظة شيطان والحمدلله بجت بخير.
فقال رافع بغلظة ويرمقها بإزدراء:
_ ياريتها ماتت وأرتحت من همها بدل الفضايح الي سواتها فينا.
صاحت والداته به توبخه:
_ تف من خشمك يا واكل ناسك، كيف بتجول علي خيتك إكده؟، سبت أي للغريب عاد!.
فقالت سمية لمقاطعة تلك الأجواء المشحونة:
_ الحمدلله يا خالة الدكتور لحجها وبجت زينة كيف ما قدامك، وشوية وهنچيب لها الواكل عشان العلاچ.
قالت الحاجة رسمية:
_ أني چايبلها واكل معاي، شوربة خضار وفروچ مسلوجة، ناوليني يا نوارة الشنطة لأچل زينب تاكل.
قالت زينب والوهن يبدو في نبرة صوتها:
_ مطلعيش حاچة، مليش نفس.
قالت والدتها:
_ كيف دي يابتي، ما أنتي لساتك سامعه الممرضة بتجولك أي.
فقالت سمية:
_ خلاص يا خالتي، سيبي الواكل دلوق، وأني عبجي أواكلها بيدي.
صدح رنين هاتف رافع بموسيقي تتر مسلسل الضوء الشارد فأجاب:
_ ألو أيوه أني.
……..
_ أهلاً وسهلاً يا سليم بيه.
……..
_ أيوه إحنا في المشتشفي وجاعدين وياها.
………
_أبوي الي بلغك إياك؟.
……….
_ تعالي، وأحنا عنستناك، تيچي بالسلامة، سلام.
أغلق المكالمة و وضع هاتفه في طيات جلبابه وقال:
_ قومي يا زينب وإعدلي خلچاتك و ألبسي حچابك، سليم بيه عرف من أبوي إنك تعبتي وچيبناكي أهنه، ياريت تداري الهباب الي في يدك دي، ولو سألك جوليلو كنتي تعبانة وأغمي عليكي.
زفرت بضيق وقالت:
_ وأني معوزاش أجابل حد، جولو أني نايمة وممنوعة الزيارة.
_ مايصوحش، الراچل بجي في حكم خطيبك دلوق ومن حجه يطمن عليكي.
صاحت بغضب:
_ أني مش خطيبة حد.
طرق الباب، فقال رافع وهو يرمقها بتوعد:
_ أتفضل يا سليم بيه.
دلف ويحمل في يده باقة زهور، ألقي السلام عليهم، رد الجميع ما عدا زينب التي أعتدلت في جلستها وتأكدت من وضع حجابها لكن هناك خصلة أنسدلت علي جبهتها.
قام رافع وجذب كرسي له قريباً من السرير وقال له:
_ أتفضل أجعد ياسليم بيه.
وقبل أن يجلس ذهب نحوها وهي تنظر إلي أسفل لا تريد رؤيته، ظن بأن يعتريها الخجل، وضع باقة الزهور علي الكمود بجوارها وقال:
_ حمدالله علي سلامتك يا آنسة زينب.
لم تجيب عليه، فقال رافع بتصنع:
_ معلش، أصلها بتتكسف، يلا يا أمي نجعدو برة شوي.
فقالت سمية:
_ عن أذنكو، عبجي أچيلك وجت تاني يا زينب.
وذهبت وغادر معها رسمية ونوارة ورافع الذي ألقي نظرة تحذيرية لشقيقته وترك الباب مفتوحاً وذهب.
نهض سليم وهو يفك زر سترته وجذب الكرسي فوضعه بجوار التخت وجلس قائلاً:
_ لو وجودي مضايقك أنا ممكن أقوم أمشي.
رفعت وجهها لتقول:
_ أن…..
توقفت الكلمات علي لسانها، لاتعلم ما يحدث لها، فهناك هالة غامضة ومخيفة حول هذا الرجل، عينيه شديدة السواد وذات نظرات حادة مرعبة، بمجرد أن حدقت بداخلهما شعرت بالخوف والرهبة، كما يمتلك جسداً رياضياً ذو لياقة بدنية وطولاً فارعاً ، يبدو من لون ثيابه عاشقاً إلي اللون الأسود.
أنتشلها من شرودها ذاك قائلاً:
_ أنتي أي؟.
أشاحت وجهها عنه وأجابت:
_ مفيش، كنت عجولك كتر خيرك، الحمدلله أني بخير.
تنهد وأخرج من جيب سترته علبة يكسوها مخمل أسود، فقال:
_ وبمناسبة إنك بخير الحمدلله، حبيت أقدملك هدية بسيطة، يارب تعجبك.
وقام بفتح العلبة فظهر محتواها وعبارة عن سوار من البلاتين المرصع بالألماس، أخرجه ومد يده لتعطيه يدها قائلاً:
_ تسمحيلي؟.
رمقته بنظرة حادة بعكس قلبها الذي يرتجف من الخوف، قالت بنبرة قوية:
_ خلي هديتك معاك يا سليم بيه، وياريت تنسي إتفاجك مع أخوي وأبوي بخصوص قراية الفاتحة.
أقسمت بداخلها أنها تري الآن الجحيم بداخل عينيه، لكن ردة فعله تخبرها بعكس ذلك، فحدثها بهدوء يُحسد عليه:
_ مش أنا الي أتجوز واحدة غصب عنها يا آنسه زينب.
أبتلعت ريقها وتحاول إخفاء توترها:
_ أومال تسمي الي حوصل ده أي عاد؟.
_ أجاب بنفس الهدوء الذي يخفيها بقدر ما يطمأنها:
_ أنا دخلت بيتكم زي أي واحد بيجي يطلب أيد البنت الي عاجبته ويتمناها زوجة ليه.
_ طب مش البنت دي المفروض بياخدو رأيها إن كانت موافجة ولا لاء!، ولا هي چارية بتتباع للي يدفع أكتر! .
نجح في إدراك تفكيرها والذي يبدو إنها علي قدر كبير من الوعي وفوق هذا لديها شخصية قوية لا تنحني أبداً وهذا ما أثاره وجعله ينجذب إليها أكثر.
أجاب عليها:
_ ومين قالك جاي أشتريكي، أنا جيت طلبت إيديكي علي سنة الله ورسوله، و والدك وأخوكي قالو موافقين وقرينا فاتحة.
فقالت بإعتراض:
_ بس أني موافجتش، ولا أعرفك ولا تعرفيني، كيف عايزني أتچوز من واحد أخري أعرف إسمه.
أرادت أن تخبره إنها لم ولن تتزوج غير فارس عشقها الأول والأخير، لكن تخشي أن يخبر شقيقها ويقوم بإيذاءه كما هددها سابقاً.
قال لها وهو يرتسم الهدوء بعكس ما بداخله:
_ أنا رجل أعمال يعني لفيت كتير في كل بلد وعرفت ناس أكتر بكتير، وفاهم وحافظ عادات وتقاليد كل بلد خاصة محافظات الصعيد، ولو كان ينفع عندكو إننا نعمل فترة تعارف ده غير الخطوبة كنت طلبت ده من أهلك، لكن حبيت أمشيها رسمي، وفي كل الحالات هيبقي فيه وقت نعرف فيه بعض، ولو أنتي عايزة تسألي عني وعن أي حاجة أنا تحت أمرك، المهم تكوني مرتاحة.
_ والأسبوع ده وجت كفايه!، كيف يعني؟.
_ أصدك أي مش فاهم؟.
قالت:
_ أبوي جال لرافع أخوي إن الخطوبة الأسبوع الچاي والي بعده الفرح، مش ده كان إتفاجك وياهم؟.
ضحك من براءتها الساذجة، ألتمس بداخلها نقاء برغم قوتها التي تتظاهر بها، أجاب قائلاً:
_ هو أنتي أي كلام يتقالك هتصدقيه!، أنا ما أتفقتش معاهم علي كده، أنا قولت هعدي عليكو ومعايا الجواهرجي عشان تنقي شبكتك وفي نفس الوقت كنت هاحدد ميعاد للخطوبة وده بعد ما كنت هسألك أنتي شخصياً عن الميعاد الي يناسبك.
_ خلاص يبجي تسيبني أفكِر.
أبتسم وقال:
_ من حقك طبعاً تاخدي وقت تفكري فيه براحتك حتي تكوني قومتي بالسلامة.
شعرت بالراحة بعدما ألتمست من حديثه بأنه يبدو عكس شقيقها ذو العقل والتفكير المحدود، و هذا سيعطيها وقت كافي تفكر كيف تتخلص من تلك الورطة قبل أن تقع في براثنها.فقالت له بتصنع:
_ متشكرة جوي.
_ علي أي؟.
_ إنك فهمتني ومعملتش معاي كيف أخوي وأبوي.
شعر بالسعادة من داخله ظن إنه نجح في كسب ودها ولو قليلاً، فكان كالثعبان يزحف حول ضحيته ويوهمها بالأمان حتي يوقعها في شراكه وتدخل جحره بملأ إرادتها فلا تستطيع الفرار، لكن لايعلم إنها هي من أوهمته بالإستسلام حتي تعطي لحالها هدنة من التفكير لتتخلص من شرور شقيقها وهذا الرجل الذي يبدو لها إنه أخطر بكثير من أخيها.
أعتدل في جلسته وقال:
_ لو حابه تشكريني فعلاً أقبلي هديتي.
وأخرج السوار مرة أخري ومد يده ليمسك بيدها فأنتفضت وهي تجذبها، وقعت عينيه علي الضماد حول رسغها، تبدلت ملامحه إلي التجهم وأشتدت ظلمة عينيه، فسألها:
_ كنتي بتنتحري؟.
توترت وهي تخبأ معصمها بطرف كوم ثوبها:
_ ده، ده….
باغتها بحدة حيث نهض من مكانه و وقف أمامها مباشرة وأنحني نحوها، أمسكها من كتفيها وحدجها بنظرة دبت الرعب في خلايا جسدها قائلاً بفحيح:
_ أول وآخر مرة تعملي حاجه زي دي في نفسك ولا تفكري حتي تأذيها، فاهمة يا زينب؟.
وقبل أن تجيب دخل شقيقها فأبتعد سليم عنها علي الفور.
قال رافع:
_ ها يا سليم بيه أطمنت علي عروستك؟.
وفي ثوان كانت ملامحه عكس ما كانت منذ قليل، فالآن أبتسم وألقي نظرة علي زينب التي ترمقه بصدمة ثم نظر إلي رافع وقال:
_ آه أطمنت، ده حتي أتفقت معاها لما تقوم بالسلامة هاجي لكو نحدد ميعاد الخطوبة.
أتسعت عينيها وهي ترمقه بعدم تصديق فهو قد خالف إتفاقه معها، فأردف ليزيد من صدمتها:
_ والفرح.
وقال رافع بتحدي لها كعقاب علي ما أقترفته من محاولة إنتحار:
_ يبجي شبكة وكتب كتاب والفرح كلاتهم في يوم واحد ويكون السبوع الچاي.
أجاب سليم عليه بسعادة:
_ الي تشوفه طبعا يارافع بيه، أنا عن نفسي جاهز ، ولو العروسة تحب تيجي تشوف القصر وتغير فيه حاجة أنا تحت أمرها.
فأجاب رافع غير مكترث لنظرات شقيقته التي تنظر إليهما بصراخ:
_ أختي ما عتخرجش من دار أبوي غير علي دارك وهي مارتك.
#الفصل_الخامس
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت
_ تركض هذه الفتاة خلف شقيقتها لتتشاجر معها، تصرخ في وجهها:
_ مش جولتلك ميت مرة إياكي تاخدي حاچة من خلچاتي تاني؟ .
قالت الأخري وهي تتفادي أن تمسك بها شقيقتها:
_ وليه متكونش قمر هي الي خدتها، ولا كل حاچة أني.
رمقتها بحنق وقالت:
_ بكفياكي كدب عاد، قمر منتقبة، كيف عتلبس بنطلون چينز وتخرچ بيه، مفكراني عيلة صغيرة إياك! .
جاءت إليهما سيدة ذات ملامح حادة وغليظة، تمسك في يدها دجاجة وبطة واليد الأخري سكين، صاحت بتوبخيهما:
_ إكتمي منك ليها بدل ما أخلع المركوب وأنزل بيه علي خشمكو.
فقالت الفتاة الأولي:
_ عاچبك ياماه بتسرج البنطلون بتاعي وتخرچ بيه من غير ما تستأذن؟.
_ وماله لما تلبسو وتخرچ بيه، كانت أكلته إياك! ، كفياكو دلع ماسخ وتعالو نضفو معايا الطيور دي، خليني ألحج أخلص الواكل.
نظرت الفتاة الأخري إلي الدجاج والبطة:
_ وعتعملي كل الواكل ده لمين، چايلنا ضيوف؟ .
أجابت والدتها:
_ أيوه يا أخرة صبري، خالكو راچع من السفر و چاي يجعدو له حدانا يومين، يلا همي منك ليها، و واحدة منيكم تروح تصحي البرنسيسة الي متكوعة لحد دلوق تجوم تنضف الدار وتغير الفرش وتسيق الأرض.
_ قمر تعبانة ياماه، كانت عماله تبكي إمبارح وماسكة في بطنها، لولا خيتي عتطها برشامة مسكن مكنتش عرفت تنام عاد.
فقالت السيدة بدون شفقة:
_ إياكو تجولو لأبوكو أبو جلب حنين، لو عرف عياخدها عند الحكيم ويصرف الجرشين الي حداه، كنا ناجصين بت خيته الي طلعت لنا في المجدر دي كمان.
كانت تقف خلف باب الغرفة من الداخل تستمع إلي حديث زوجة خالها غليظة القلب، أنسدلت من عينها عبرة، وقف بجوارها إبن خالها الصغير يمسك بطرف ثوبها:
_ قمر، قمر.
أنتبهت له وأنحنت إليه تبتسم له:
_ نعم يا عموري.
وضع كفه الصغير علي وجنتها يلمس عبرتها:
_ أنتي بتبكي؟ .
هزت رأسها بالنفي وجففت عبرتها:
_ لاء يا حبيبي، عينيا بتوچعني هبابة.
عقد حاجبيه بضيق وقال:
_ لع، أنتي بتبكي بسبب الي جالته أمي، وأنا عجول لأبوي عليها كيف متبكيش تاني.
قالت له بتوسل:
_ إياك يا عمر والله عزعل منك وما أتحدت وياك تاني.
_ طيب تعالي معاي وصليني للمسچد وماتعمليش حاچة من الي جالت عليها.
_ مينفعش يا عمر، خالي لو عرف عيزعل مني، أني مابساعدش أمك كيف أخواتك.
قال الصغير بتلقائية:
_ لو خابر أصلاً إن أمي عتخليكي تنضفي كل يوم الدار كلاتها لوحدك عيزعلها هي.
أبتسمت من ذكاء هذا الصغير، داعبت خصلات شعره وقالت:
_ كفياك حديت، وروح حضر شنطتك عشان تلحج سيدنا الشيخ جبل ما يبدأ الدرس.
_ ماشي، بس كنت عايز أجولك علي حاچة.
تنهدت وقالت:
_ ها، سمعاك.
أقترب من أذنها وهمس:
_ الشيخ بكر سألني عليكي.
ضربته بخفة خلف رأسه وقالت:
_ طب يلا يا أبو نص لسان روح أعمل الي جولتلك عليه.
ركض الصغير من أمامها، وقفت أمام النافذة تبتسم وتقول في داخل نفسها:
_ سألت عليك العافية يا روحي، واه أي الي بجوله ده، عيب يا قمر خالك لو عرف يجطعك حتت، و هو عيعرف منين يعني.
قاطع أفكارها تلك الحيزبون:
_ الله، الله يا ست قمر، واجفة قدام الشُباك وسايبة الدار تتضرب تجلب، مستنيه الخادمين الي عينضفوها إياك؟.
ألتفتت لها وقالت:
_ حجك علي يا مرات خال.
ألقت لها دلو وقطعة ثياب قديمة من الصوف وقالت:
_ يلا همي، عندينا شغل كتير.
_ حاضر يا مرات خال.
وذهبت لتنفذ ما أمرتها به، لكن كان يهون عليها الأمر كلما تتذكر وجه هذا الشيخ الوسيم ومدي إحترامه عندما يتحدث إليها وهو يغض بصره برغم إرتداءها غطاء الوجه، فهذا الذي طالما حلمت به وتتمناه زوجاً لها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وبالعودة إلي المشفي، نهضت بعدما غادر الجميع وعزمت علي أمر لا محالة منه، فما حدث منذ قليل من قرارات شقيقها وهذا المخيف جعلها وصلت لذلك التفكير مهما كلفها الأمر ، عليها بالفرار إذن، لكن عندما علمت أن أخيها ترك أثنين من رجاله علي باب الغرفة من الخارج أصابها الإحباط.
قاطع حبل أفكارها طرق علي الباب فأسرعت إلي السرير لتتمدد عليه لكن تنفست الصعداء عندما وجدتها الممرضة سمية.
_ كيفك دلوق يا زوزو؟ .
رمقتها وهي تفكر في أمر ما، فقالت:
_ سمية، جصداكي في خدمة.
أقتربت منها الأخري وقالت:
_ جولي يا حبيبتي، وأني تحت أمرك.
نظرت نحو الباب فخفضت من صوتها:
_ عايزه أهروب من أهنه.
حدجتها سمية بصدمة:
_ تهوربي! .
جذبتها من يدها بتوسل قالت:
_ وطي حسك عتفضحيني، لو معرفاش تساعديني خلاص.
_ مجصديش يا زينب، لكن كيف و چوز الأسود الي برة دول واجفين؟.
أقتربت منها وقالت بهمس:
_ أني عجولك تعملي أي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد قليل…
خرجت سمية من الغرفة و عادت تحمل صينية بها كوبين من الشاي وشطائر فول وطعميه
_ أتفضل منك ليه، حاچة كده بسيطة هتلاجيكو علي لحم بطنكو من إمبارح.
نظر دبيكي إلي الشطائر ولعابه يسيل بإشتهاء، فقال ببلاهة:
_ تسلم يدك يا دكتورة، كنا عنموتو من الچوع جوي.
ضحكت وقالت بدلال مصتنع:
_ دكتورة مرة واحدة !، الله يكرمك يا إسمك أي…
تشدق وهو يمضغ الطعام:
_ إسمي دبيكي يا قمر، والي چمبي ده ما بيتكلمش إسمه چعيدي.
ضحكت رغماً عنها قائلة:
_ دبيكي وچعيدي، عاشت الأسامي.
أشار لها بتحية:
_ الله يخليكي.
_ أي خدمات تاني، أنا عاروح أفوت علي العيانين ومعاوده أهنه تاني لأچل نطمنو علي زينب.
_ متشكرين يا قشطة.
ذهبت وأنتظرت أكثر من عشر دقائق ثم عادت لتجدهما يجلسان علي الأرض نائمين وبجوارهما كأسين الشاي شاغرين، نظرت من حولها لتتأكد من خلو الممر من أي مارة، وأنحنت نحو هذان النائمين لكزتهما بعنف حتي تطمأن، فقالت بتهكم لهما:
_ دبيكي وچعيدي، جبر يلمك منك ليه، دي أسامي تجابلو بيها ربنا.
دلفت الغرفة فوجدت زينب تنهض باللهفة:
_ جوليلي عملتي أي وياهم؟.
إبتسمت بزهو وإنتصار:
_ عيب عليكي، لايچيبها إلا حريمها، نيمتهوملك كيف الخرفان، نجطت لهم في الشاي بنچ من الي بنستخدموه في عمليات الچراحة، يعني قدامهم لبكرة لأچل يفوجو.
تنهدت زينب بفرحة وقالت:
_ عفارم عليكي يا سمية معرفاش أشكرك كيف ، أنتي چدعة جوي ربنا مايحرمني منِكي.
ربتت عليها وقالت:
_ متجوليش إكده ياما وجفتي چمبي وكنت بتقسمي معايا مصروفك والواكل بتاعك، كنتي أحن علي من أبوي ومارته العقربة.
_ ربنا يعلم كنت بعاملك كيف خيتي وأنتي بنت حلال وتستاهلي كل خير، أهي دارت الأيام و چه الوقت الي بتوجفي فيه چاري.
أمسكت يدها لتجذب منها إبرة المحلول قائلة:
_ كفياكي حديت كتير عاد،وهمي جبل ما يچي حد وماتعرفيش تهوربي، وخلي معاكي دول.
نظرت زينب إلي ما تعطيها إياه، فوجدت هاتف من الطراز القديم ومبلغ من المال، فقالت بإستفهام:
_ أي دول؟.
أجابت الأخري:
_ ده محمول كنت بخليه معاي للطوارئ لو التاني فصل ولا حاچة، وده مبلغ بسيط لأچل السفر، ولو جولتي لاء وربنا لأزعل منك وعاروح أصحيلك چوز الغربان الي قدام الباب.
تجمعت عبراتها بين أهدابها، فقالت سمية:
_ واه، عبتبكي ليه دلوق؟ .
عانقتها زينب بقوة قائلة:
_ لو كان ليا أخت ما كانت وجفت چاري كيفك عاد، ربنا ما يحرمني منك.
مسدت الأخري علي ظهرها وقالت بنبرة حزينة علي وشك البكاء:
_ كفياكي بجي لأبكي أني كمان، عتخليني نروح نجتلو الدبيكي والچعيدي وزعيم العصابة رافع الضغط والسكر دي.
جعلتها ضحكت رغماً عنها، وبعدها بدأت الأخري في مساعدتها لإرتداء ثياب قد أحضرتها لها من إحدي زميلاتها وكانت منتقبة، حيث أخذت منها عباءة سوداء فضفاضة وغطاء وجه أسود حتي لايتعرف عليها أحد من أهل النجع ويذهب ليخبر شقيقها.
خرجت من الغرفة بخطي هادئة تتسحب، حتي تمكنت من مغادرة المشفي، و وقفت تشير إلي سيارة أجرة، أستقلتها وهي تقول للسائق:
_ موقف ميكروباصات بحري يا سطا الله يخليك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كان يستمع إلي الأطفال وكل منهم يتلو من آيات الله التي جعلهم يحفظونها عن ظهر قلب مع تفسير معانيها في شرح مبسط يسهل عليهم إدراكها.
جاء دور الصغير عمر، فوقف أمام شيخه الذي قال له:
_ سمع يا عمر سورة العلق.
عقد ساعديه أمام صدره وقال:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، إقرأ…..
صمت و نظر لأسفل يحاول أن يتذكر، فقال بكر:
_ مش حافظها ولا أي عاد؟.
أومأ له الصغير بأسف وإعتذار:
_ معلش يا شيخ، أصل قمر تعبانة جوي وهي الي كانت بتحفظني وتسمعلي القرآن، والنهاردة أمي خلتها تنضف الدار كلها لأچل خالي الي معاود من السفر.
عقد حاجبيه بضيق وقال:
_ خلاص روح أقعد ويا أصحابك وراچع السورة وحاول تحفظها لأچل إسمعهالك آخر الدرس.
ذهب الصغير، وتركه يفكر فيما أخبره به، لما عندما سمع إنها مريضة شعر بغصة في قلبه، وأستشف من حديثه أن زوجة خالها لم ترحم حالتها وتجعلها تقوم بمهام التنضيف بلا شفقة، ومن نبرة الصغير يبدو إنها تعيش في بؤس وشقاء.
قال في نفسه:
_ چري أي يا بكر مالك شاغل بالك بيها ليه عاد! ، كانت تجربلك إياك!؛، ماتخليش الشيطان يچرك للمعصية، وخليك في شغلك وحالك.
_ شيخ بكر، ياشيخ بكر.
نادي بها إحدي تلاميذه، فأنتبه إليه وقال:
_ نعم يا زين.
أشار له نحو باب المسجد وقال:
_ عم زكريا أخوك بيجولك عايزك دقيقة.
تنهد بكر وأغلق المصحف الذي بين يديه و وضعه علي المنضدة، نهض ليذهب إلي شقيقه المنتظر خارج المسجد.
_ خير يا أخوي، چاي تستأذني لأچل تصلي ولا أي عاد.
قالها بكر بسخرية مازحاً، فأجاب شقيقه بلكزه في كتفه:
_ دمك خفيف من يومك يا سيدنا الشيخ، لاء چاي لك في طلب.
_ وأني الي كنت مفكر إنك چاي تتوب عن ذنوبك وتقرب من ربنا وتصلي في المسچد.
رمقه الآخر بجدية وحذر قائلاً :
_ كفياك حديت ماسخ ومتنساش إنك بتتحدت مع أخوك الكبير.
رفع جانب فمه بسأم من حال شقيقه دائم المعصية والغارق في ملذاته، كم من مرات قام بنصحه بالحسني حتي ضاق به زرعاً، و أحضر له كتب عن عقاب من يستحل الذنوب والكبائر في الدنيا والآخرة ليتعظ ويكف عن ما يفعله لكن لافائدة، فكان الآخر يلق الكتب في وجهه ويسخر منه ويوبخه أحياناً .
فقال له بإحترام وجدية:
_ لاء مش ناسي إنك أخويا الكبير، بس بفكرك إن الكبير بيبجي بأخلاقه و كلنا كيف ما أتخلقنا من تراب عنعاود تراب تاني والي عيبجي لنا العمل الصالح يا أخوي، وأني عشان بحبك وخايف عليك كل ما أشوفك عانصحك لحد ما تمشي في الطريج الصوح.
صاح زكريا بتهكم ونفاذ صبر من حديث شقيقه الذي يضيق عليه ويجعله يشعر كم هو ضئيل أمام نفسه وضعيف لشيطانه المستسلم إليه:
_ ما خلاص يا سيدنا الشيخ، مش كل ما تشوف خلجتي تدي في مواعظ ولا كأني كافر، عجولك علي حاچة، وأنت بتصلي أبجي أدعيلي أحسن.
هز رأسه بسأم وقال:
_ ربنا يهديك يا أخوي.
_ اللهم أمين يا ولد أبوي، شوفت ناستني الي كنت چايلك عشانه، صوح أفتكرت، بجولك محتاچ لقرشين سلف وعبجي أردهملك لما أجبض.
إبتسم بكر وقال بسخرية:
_ عتردهم كيف الي قبلهم إكده؟.
زفر بتأفف وقال:
_ بتعايرني يا شيخ الله يسامحك.
وضع بكر يده في جيب جلبابه وأخرج محفظته الجلدية:
_ كفياك تمثيل أني خابرك زين، أتفضل يكش تصدج المرة دي وترچعهم.
أعطاه جزء من نقوده فباغته الآخر بجذب ما تبقي قائلاً:
_ وأعطيني دول كماني.
صاح بكر بإعتراض:
_ واه، رچعهم يا زكريا، دي فلوس البضاعة الي عستلمها بكرة.
رد الآخر بسخرية وهم بالذهاب:
_ بضاعة أي عتضحك علي نفسك إياك، لما تبيع الي حداك الأول، ده نچع أهله فقر ما بيشتروش حاچة غير بالتقسيط.
صاح بكر قبل أن يدلف إلي المسجد:
_ ماشي يا زكريا، آخر مرة عسلفك فيها وأبجي خلي واد خالك مثلك الأعلي يسلفك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنتهي من تناول الطعام ونفض يديه، نهض إلي المرحاض فوجدها تسبقه وتحمل بيدها منشفة قطنية، وقفت بجواره أمام الحوض وهو يغسل يديه، فقال ويرمقها بمكر:
_ خير يا نوارة، عايزة أي؟.
أعطته المنشفة ليجفف يديه فقالت:
_ عادي يعني، طول عمري بناولك الفوطة بعد ما بتغسل يدك، فرجت أي المرة دي؟.
حدجها بنصف عين قائلاً:
_ علي أني يابت، ده أني خابرك وعاچنك بيدي، و بعرف الي رايده تجوليه قبل ما تُنطجي.
خرج فتتبعته كظله قائلة:
_ بصراحة إكده، عايزه أروح لأمي أطمن عليها ومنها أقعد معاها أشوفها محتاچة حاچة.
وقف أمام مرآة الزينة يمشط خصلات شعره ثم شعيرات شاربه بمشط صغير:
_ ما كانت عندينا ليلة إمبارح، لحجت تتوحشك جوي إكده!.
تصنعت الحزن وأجابت:
_ چت عاتبتني لأچل وجت ما تعبت وأني ما روحتش ليها يوميها مع خالتي رسمية.
سألها بتهكم:
_ وأي الي مانعك؟.
_ كان عندي شغل كتير في الدار وچه خبر موت عمك قاسم الله يرحمه، وأتلهيت بجي.
قام بلف عمامته البيضاء حول رأسه وقال:
_ روحي ومتغبيش، جبل المغرب تعاودي علي أهنه، أديكي شايفة أبوي تعبان بسبب مجصوفة الرجبة خايتي، وأمي صحتها علي قدها يدوب بتقضي طلبات أبوي بالعافية.
تهللت أساريرها بفرح وقالت:
_ من غير ما تجول يا سيد الناس، ععاود جبل المغربية إن شاء الله.
ضحك من ردة فعلها، جلس علي طرف التخت حتي يرتدي حذاءه فسبقته وتناولت الحذاء لتضعه بقدميه:
_ عنك يا جلبي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وقف الطبيب قبل أن يولج إلي داخل الغرفة ليطمأن علي مريضته، فأنتبه لهما يتمددان علي الأرض ويصدران من فاهما شخيراً مزعجاً، لكز إحدهما وكان دبيكي:
_ أنت يا بلدينا، أنتو فاكرين نفسكو في لوكاندة ولا أي، الله يخربيتكو صوت شخيركو مسمع المستشفي كلها.
لم يستيقظ هذا الدبيكي، فقالت الممرضة التي معه:
_ عن إذنك يا دكتور، دول ما بيصحوش إكده.
و ذهبت مسرعة لتحضر زجاجة مياه وقامت بفتح الغطاء قائلة :
_ بيصحو كيف إكده.
دفعت المياه علي وجوههما، فأستيقظا بفزع ويتمتم كل منهما بكلمات غير مرتبة :
_ أباه، في أي، كيف، ميتي، إحنا فين.
أجاب الطبيب بتهكم عليهما:
_ أنتو في فندق خمس نجوم تحبو نجيبلكو الغدا هنا ولا علي السرير يا حضرات! .
تلفت دبيكي من حوله وقال وهو يحك رأسه أسفل عمامته:
_ مش دي مشتشفي برضك ولا أي عاد؟.
فقال الطبيب:
_ بيقولو كده، يلا أتفضل منك ليه وأستنو المريضة برة المستشفي، وشوية كده وهكتبلها علي خروج وهابقي أبلغكم.
قال دبيكي بحزم:
_ معلش يا دكتور، إحنا مش هنتنجل من أهنه غير بأوامر من رافع بيه أخو الآنسة زينب الي چوه.
همست الممرضة إلي الطبيب:
_ماتتعبش روحك وياهم يا دكتور، دول مش عيتحركو عواصل من أهنه غير بأوامر من كبيرهم بلدياتي وخابراهم زين.
زفر بتأفف وضجر فقال:
_ طيب ممكن توسعو من أدامي عشان أدخل.
أبتعد كليهما من أمام الباب:
_ أتفضل يا دكتور.
دلف الطبيب والممرضة فصاح من الداخل عليهما:
_ أنت يابتاع منك ليه يالي واقفين برة.
ركض دبيكي وتبعه چعيدي إلي الداخل، فقال الأول بتساؤل:
_ في أي يا دكتور؟.
أشار لهما نحو التخت الشاغر مجيباً:
_ فين الآنسه الي المفروض بتحرسوها؟.
أمسكت الممرضة الأنبوب المعلق بالمحلول فتركته، ثم ذهبت إلي المرحاض لتجده فارغاً ولم يوجد أحد، عادت إليهم وقالت:
_ آنسة زينب مش موچودة يا دكتور.
صاح دبيكي بصوته الغليظ:
_ كيف الي عتجوليه دي يا وليه!.
رمقته بإزدراء وصاحت به:
_ وليه في عينك يا بغل أنت.
قال الطبيب:
_ روحي شوفي مين من الممرضات الي كانت بتابعها وأسأليها يمكن تكون خرجت.
صاح دبيكي بعويل:
_ خرچت!، يا واجعة مربربه.
وركض كليهما يبحثان عنها في أرجاء المشفي ولم يجدها إحدا منهما، فقرر دبيكي الإتصال علي رافع وإخباره بهروب شقيقته برغم إنه يعلم عن سيلحقهم بعقاب شديد علي إهمالهما.
وهنا لدي موقف سيارات الأجرة المتجهة إلي محافظة القاهرة ومحافظات الدلتا، كانت تتلفت من حولها، تنظر بذهبيتيها من فتحة غطاء الوجه التي ترتديه، كادت تصطدم بإحدهم الذي قال لها:
_ رايحة علي فين يا مدام؟.
حاولت تغير نبرة صوتها لطبقة صوتية غليظة:
_ أني رايحة مصر (القاهرة).
قال لها متجهاً نحو السيارة:
_ تعالي ورايا.
نظر بداخل السيارة باحثاً عن كرسي شاغر لها، فقال:
_ أتفضلي الكرسي الي عند الشُباك الي چوه.
صعدت درج السيارة ودلفت ثم جلست علي الكرسي، شعرت بوخزة في قلبها فأنتفضت عندما رأت رجال شقيقها، يبدو إنهم يبحثون عنها في المكان، أغلقت النافذة وتصنعت النظر في الهاتف التي أعطته لها سمية، وظلت تراقب بطرف عينها الأوضاع بالخارج عبر النافذة.
صعد السائق قائلاً:
_ كله تمام إكده يا چماعه؟.
أجاب عليه الجميع:
_ أطلع ياسطا، طريج السلامة إن شاءالله.
أدار مشغل السيارة قائلاً:
_ يارب يا مسهل، توكلنا علي الله.
وأنطلقت السيارة بينما ما زال رجال رافع يبحثون ويسألون المارة عن رؤيتهم لزينب هنا أم لا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ نزل من سيارته أمام مبني وزارة الداخلية، فوجد صديقه المقدم طارق المنسي ينتظره قائلاً بقلق:
_ أي الي أخرك كده يابني مش مأكد عليك الميعاد ولا عايز سيادة اللواء يسمعك محاضرة زي المرة الي فاتت؟ .
وقبل أن يجيب أنتابته حالة عطاس قوية، وجفف أنفه بالمحرمة، وقال:
_ الحمدلله، معلش يا طارق باشا، الدائري كان واقف بقاله ساعة.
قال طارق:
_ يرحمك الله، شكلك داخل علي دور برد جامد.
لكزه في كتفه وأردف بمزاح:
_ أرحم نفسك شوية يا سيادة النقيب.
ضحك أكرم فقال:
_ هو أنا أجي فيك أي يا باشا، ده أنت ماشاء الله وحش الداخلية.
قهقه الآخر قائلاً:
_ يانهار قر، يابني ده أنا بقالي شهر مشوفتش المدام بسبب اللجان الي كنا بننزلها والنبطشيات، ولما جيت أقدم علي طلب أجازة مؤقتة جاتلنا مأمورية وكان علي يدك كل حاجة.
_ متفكرنيش، ده أغلب مشاكلي كلها مع مراتي بسبب موضوع المأموريات والنبطشيات ده.
رد الآخر:
_ يجو يشوفو المرار والأرف الي بنشوفه من حرقة دم وأعصاب وأشكال لايعلم بيها إلا ربنا لازم نتعامل معاهم.
وقبل أن يتفوه أكرم صمت وهو ينظر نحو سيارة قد توقفت للتو بالقرب من المبني، فقال:
_ ألحق شوف مين الي جاي.
لكزه طارق بدون أن يلفت نظر ذلك القادم، وهمس:
_ أياك تتكلم معاه في حاجه، أنا عارفك مبتسكتش.
وقف أمامها بتكبر وزهو قائلاً:
_ أزيك يا طارق بيه.
أجاب طارق:
_ تمام، بس أي الشياكة دي كلها.
فقال أكرم بتهكم وبكلمات ذات مغذي :
_طبعاً ما هو ياسر باشا ما بيقبضش قليل.
أبتسم له ياسر إبتسامة صفراء وقال:
_ أنا واحد شايف شغلي صح، الباقي والدور علي مش عارف يقفل قضايا بقالها سنين.
قهقه أكرم وأجاب بسخرية:
_ أصدك شايف مصلحتك صح مع المجرمين والقتالين وبتقفلهم قضاياهم من غير حتي حرف من أسماءهم يجي في المحضر.
صفع طارق جبهته وهز رأسه بقلة حيلة، فأستشاط ياسر غضباً وقال :
_ عايز أي يا أكرم يا عمران، شكلك ما أتعلمتش من أخطاء سيادة اللواء والدك الله يرحمه، وأديك شوفت لما تدخل فلي ملهوش فيه الحيتان عملو فيه أي.
أقترب أكرم منه بوضع الهجوم، فأمسك به طارق:
_ إهدي يا أكرم وتعالي نطلع ملكش دعوة بيه.
أبعد أكرم يد طارق عنه وقال إلي الآخر:
_ سيادة اللواء كان أشرف منك ومن الحثالي الي بتشتغل معاهم، علي الأقل أستشهد بشرف وهو بينفذ القسم زي ما قاله، وقريب أوي يا ياسر يا مدكور لتقع في شر أعمالك أنت والي معاك ودخولكو أبو زعبل هيكون علي أيدي إن شاءالله.
إبتسم ياسر بسخرية وقال:
_ شكل الوالد وحشك أوي وعايز روحك توانس روحه، متقلقش طلبك هتنوله و هيكون علي أيدي برضو.
أقترب من أذنه واردف ليسبر أغواره:
_ أو علي أيد سليم باشا.
قالها و ولج إلي داخل المبني، فقال طارق:
_ مش قولتلك ملكش دعوة بيه يا أكرم، أديك خليتو يحطك في دماغه وربنا يستر.
نظر أكرم بعينيه كالصقر نحو ياسر قائلاً:
_ يبقي يوريني هو والباشا بتاعه، ساعتها هاعرفهم مين هو أكرم عمران علي حق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وكنتو فين يا چلوس الطين منك ليه لما هربت.
صاح بها رافع إلي دبيكي وچعيدي
نظر دبيكي إلي أسفل وأجاب بخزي:
_ والله يا رافع بيه ما أتحركنا واصل من قدام الأوضة، كل الي فاكرينو قبل ما ننام چت البت الممرضة الله يحرجها عطاتنا واكل وشاي وما دراتشي بحالي بعد إكده.
حدجه رافع بنظرات كالنيران المتأججة وقام بصفعهما:
_ البت غفلتكو بالواكل ودستلكو منوم فيه يا خروف منك ليه.
وضع كليهما يديهما علي وجههما يتحسسان مكان صفعته لهما، فقال دبيكي:
_ ما أني سألت عليها وحلفت ما أني سايبها غير وأنا جابصها وعچبهالك لحد عندك، بس…
_ بس أي، أُنطج.
صاح بها رافع
نظر نحو رافع بخوف، فقال:
_ مشيت من المشتشفي وخدت أچازة، وما نعرفلهاش طريج واصل.
_ عشان مشغل معاي شوية نسوان.
_ حجك علينا يا رافع بيه.
أحتدت عينيه ب شر مستطير وقال بتهديد صريح:
_ تغورو من أهنه ومتعاودوش غير والبت الممرضة دي وياكو، قدامكو لحد بكره وإلا أرميكو للمطاريد في الچبل وأجولهم علي الي كان بيبلغ عنيهم الحكومة، ولا أي يا چعيدي.
نظر جعيدي لأسفل صامتاً، فقال دبيكي:
_ أمرك يا كبيرنا.
أشار لهما بإزدراء:
_ يلا غورو من قدامي، جبر يتاويكو ويولع فيكو.
غادر الأثنان مسرعين من أجل إتمام مهمة البحث عن سمية التي كانت تعلم ما سيحدث، فقامت بتقديم أجازة من عملها وأبتعدت عن النجع لدي إحدي معارفها.
رن هاتفه في جلبابه، أخرجه ونظر إلي الشاشة ليجد المتصل به سليم العقبي، فقال قبل أن يجيب عليه:
_ و أهو ده الي كان ناجص، لو چاله خبر بالي حوصل عيجلب الدنيا فوج روسنا، عتچيبلنا العار يا بت ال…..
أجاب علي الإتصال:
_ كيفك يا سليم باشا؟.
…………
_ لسه عانروح آخر النهار نطمنو عليها ونشوفو الدكتور يكتبلها خروچ ولا لع.
………
_ طبعاً عخليها تتحدت وياك علي المحمول أول ما نروحلها.
………
_ أي خدمات تاني يا باشا؟.
… ……
_ مع السلامة.
أغلق المكالمة وقال:
_ واه يابت ال…. تو ما أشوفك لعطلع روحك في يدي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تسير بخطي سريعة تتلفت يميناً ويساراً ومن حولها، فأوقفتها والدتها التي تنتظرها قائلة :
_ بصي قدامك لتجعي علي وشك يا أخر همي.
أنتفضت بفزع:
_ أباه عليكي ياماه، خلعتيني.
لكزتها في كتفها وقالت:
_ ما أنتي مش شايفة روحك وأنتي بتتلفتي كيف الحرامية.
أقتربت منها وقالت بصوت منخفض:
_ أصلي خايفة ليكون رافع ولا حد من رچالته بيراجبني.
ضيقت سعاد عينيها وقالت:
_ ليه؟، جولتي لچوزك أي عاد؟.
أجابت ومازالت تشعر بالتوتر والقلق:
_ جولتلو إن هاقعد وياكي وأشوف طلباتك وععاود جبل ما الشمس تُغرب.
ربتت عليها وقالت:
_ طب همي لنلحج دورنا جبل ما يقفلو، أنا حاچزة لك من إمبارح، أصلو بالحچز الناس عنديه ياما قد إكده.
_ يارب ياماه تصيب المرة دي ويطلع الشيخ ده بركة وأحبل بجي.
_ اللهم آمين يابتي، ألا جوليلي صوح، أنتي…
أقتربت من أذنها وهمست لها بشئ ما، إبتسمت بخجل وأومأت:
_ أيوه ياماه لسه خلصانة من كام يوم الحمدلله، ودلوق أيام التبويض كيف ما جالتلي الدكتورة جبل إكده.
_ زين جوي.
أوقفت سعاد سيارة أجرة وأخبرت السائق بعنوان الدجال التي أخبرتها به جارتها، كان في قرية نائية يسودها الجهل والفقر، يسيطر فيها هذا الدجال علي سكانها بالخرافات والشعوذة مستخدم السحر والنصب غالباً.
وبعد مرور وقت وصلت السيارة أمام منزل ينقبض منه صدرك بمجرد النظر إليه من أول وهلة، ترجلت سعاد وإبنتها التي تشبثت بخوف بها:
_ أنا خايفة ياماه ومش مطمنه واصل.
قالت سعاد وهي تجذبها من يدها:
_ أچمدي يابت وماتبجيش كيف العيل الصغير، وأهه علي يدك روحنا لكذا حكيم وحكيمة وكلاتهم جالو لك مافيكيش حاچة تمنع أنك تحبلي، يبجي العيب منين بجي!.
_ جصدك سي رافع؟.
_ هو ليكي چوز غيره!، أموت وأعرف ماله رافض يحلل ليه إلا وإذا فيه حاچة ومخبي عليكي، و خالتك وچوزها ملهمش كلمة عليه.
صاحت نوارة:
_ تفي من خشمك ياماه، سي رافع راچل ولا سيد الرچالة، لسه ربنا مش رايد أحبل دلوق.
دفعتها والدتها بحنق وقالت:
_ يلا يا حيلة أمك قدامي بدل ما أولع فيكي وأرتاح منك.
وبالداخل توجد ردهة كبيرة لإستقبال زوار هذا الدجال، أغلبهم من النساء، كل منهن تنتظر دورها لايعلمن أن مايفعلونه من اللجوء لهذا الساحر المشعوذ هو من أكبر الذنوب والخطايا، التي تُعد شركاً بالمولي عز وجل.
وقفت سعاد أمام مكتب صغير تجلس خلفه سيدة ترتدي عباءة و حجاب لونهما أسود، قالت لها:
_ أؤمري يا حاجة.
أجابت سعاد:
_ الأمر لله يابتي، أنا الي أتحدت وياكي في المحمول إمبارح وحچزت بإسم نوارة بتي.
قالت السيدة:
_ أيوه حضرتك الحاجة سعاد، أتفضلي أستريحي أنتي وبنتك، أدامكو حالتين وأنتو بعديهم، بس تدفعو قبل ما تتدخلو.
_ كام يابتي؟.
رمقت السيدة نوارة بتفحص فوجدت مظهرها مهندماً وتبدو ميسورة الحال، فقالت بمكر:
_ ألف جنيه.
أخرجت نوارة من حقيبتها المبلغ و وضعته أمامه قائلة:
_ علي الله يچي بفايدة والشيخ بتاعك دي يحقق لي الي ريداه.
أخذت السيدة المال و وضعته في درج المكتب وقالت:
_ ده سيدنا الشيخ برهوم بركة وبكرة هاتشوفي لما يتحقق مرادك ياشابة.
قالت سعاد:
_ يسمع من خشمك ربنا يابتي.
وبعد إنتظار نصف ساعة، خرجت السيدة من غرفة الشيخ الدجال منادية عليها:
_ مدام نوارة.
أنتفضت الأخري وتشبثت بيد والدتها، ربتت سعاد عليها تطمأنها:
_ أهدي يابتي وماتبجيش چبانة عاد.
ردت بخوف جلي:
_ جلبي مش مطمن ياماه، وحاچة چوايا بتجولي أمشي من أهنه.
دفعتها سعاد أمامها بضجر:
_ همي قدامي بكفياكي دلع ماسخ.
طرقت السيدة الباب وقامت بفتحه قائلة:
_ أتفضلو.
دلفت سعاد وإبنتها تتعلق بزراعها مثل الطفلة الخائفة، تتأمل محتوي الغرفة ذات الإضاءة الخافتة ويملؤها دخان البخور الكثيف ممتزج به روائح أعشاب، ينبعث من صحن كبير يتوسط مجلس من الكراسي الخشبية العريضة وأوسطهم يجلس عليه رجل أربعيني يبدو علي ملامح وجهه المريبة المكر والدهاء، منذ دخولهما وعينيه تتفحص نوارة من قمة رأسها إلي قدميها.
أخذ يتمتم في سره ببعض الكلمات فأزدادت الجمار توهجاً وألقي عليها القليل من البخور فتصاعد الدخان.
قالت سعاد بإجلال وإحترام:
_ السلام عليكم ياسيدنا الشيخ.
أشار إليهما بالجلوس قائلاً:
_ أقعدي يا سعاد يابنت حسنات.
قالت بتعجب وهي تنظر لإبنتها:
_ ماشاء الله، خابر كيف إسم أمي الله يرحمها، مش جولتلك يابتي ده شيخ بركة.
فقال الدجال لها وهو ينظر إلي الصحن:
_ علتك يا نوارة بنت سعاد هي إنك متجوزة من سنتين ولسه مخلفتيش.
أجابت نوارة بتردد:
_ أ، أيوه يا سيدنا الشيخ.
صاح وهو يلق بالبخور مرة أخري:
_ كله بأمر الله، كله بأمر الله.
وأخذ يتمتم مرة أخري في سره، ثم أردف بصوت مسموع ويرمقها بنظرة دهاء كالذئب:
_ أطمني كلها أيام لحد ما يجي الميعاد وتنولي المراد، وكله بأمره، كله بأمره.
فأشار إلي سعاد قائلاً:
_ معلش يا حاجة هتستنيها بره، لحد ما نخلص الجلسة وهابقي أنده عليكي.
نهضت قائلة:
_ أمرك يا سيدناالشيخ.
أمسكت نوارة بيدها وهي تنظر نحوه بخوف:
_ خليها معاي يا سيدنا الشيخ.
رمقها بتحذير وقال:
_ الأسياد طالبينك أنتي ياصاحبة العلة، وإلا مش هيحققولك مرادك.
قالت والدتها لها:
_ إسمعي كلام الشيخ هو خابر شغله وبينفذ طلبات الأسياد، ماتخافيش أنا عستناكي بره ولو فيه حاچة أبجي نادمي عليا وأني أچيلك.
تركتها وغادرت الغرفة، فأصبحت الأخري بمفردها أمام هذا الماكر، أخذ من جواره محرمة قطنية بيضاء يقدمها إليها:
_ خدي المنديل ده وقربيه من شفايفك وأنتي بتدعي في سرك باللي نفسك فيه كذا مرة.
تناولت منه المحرمة بتردد، فوضعتها أمام شفتيها وأخذت تدعو بما تريد، كانت دعواتها مابين أن يرزقها الله بالذرية ومابين أن يهدي لها قلب زوجها ويصبح حنون وعاشق لها.
ظلت هكذا لدقيقة، حتي بدأت تشعر بالدوار، تركت المحرمة من يدها وتقول بصوت كالمغيبة:
_ أي ده، أنا، أنا….
وبمجرد أن غابت عن الوعي، أبتسم الآخر وينظر لها بإشتهاء، نهض مسرعاً ليحملها علي زراعيه ودلف بها إلي غرفة داخلية متفرعة من غرفته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أستيقظت علي رنين هاتفها المزعج الذي لم يكف عن الإتصالات الواردة إليها منذ الصباح ، فقامت برفض المكالمة لاتريد أن تتحدث مع أحد، كما لم تذهب إلي عملها اليوم.
وقبل أن تترك هاتفها لاحظت بوجود رسالة واردة علي تطبيق الرسائل الشهير من رقم غير مسجل، أنتفضت من فراشها عند قراءة محتواها وكان كما يلي:
( فاكرة إنك لو بعدتي عني هاسيبك في حالك، هابعتلك تذكار صغير يفكرك بطلبي الي لو منفذتهوش يبقي متزعليش من الي هيحصل )
قامت بفتح محتوي الرسالة من داخل التطبيق لتشاهد الصورة المرسلة إليها، شهقت بصدمة:
_ يا نهار أسود، يانهار أسود.
ظلت ترددها وهي تضع كفها علي فمها،
فكانت الصورة تجمع بينها وبين علي، تجلس علي فخذيه وزراعه ملتفه حول خصرها، يحتويها بحميمية، وكانت تبتسم إلي عدسة التصوير،بينما هو عينيه تنظر نحوها بعشق وهيام.
لم يمهلها رؤية الرسالة والصورة حيث ظهرت له علامة رؤيتها لها، فقام بالإتصال عليها، وعندما أتاها الإتصال ألقت بالهاتف أمامها علي الفراش بذعر وخوف، حتي أنتهي الرنين فعاد مرة أخري ولم تجد سوي مواجهته حتي لايظن إنها تخشاه وتخاف من تهديداته، أعتدلت وتصنعت القوة في نبرة صوتها:
_ عايز أي يا علي.
_ الناس تقول ألو، أزيك، عامل أي، وحشتني.
أزدردت ريقها ثم صاحت به:
_ بلاش الأسلوب ده معايا أحسن ل….
قاطعها قائلاً :
_ ما تهدي علي نفسك وبلاش تهور، وقبل ما تهددي بكلام عبيط، خليكي أده الأول، عشان عارف ومتأكد إنك أول ما شوفتي رسالتي وصورتنا قلبك زمانه وقف من الخضة، و وشك جاب ألوان من الرعب، تخيلي معايا كده لو صورة زي دي أتبعتت لسيادة النقيب، الفضول هيموتني وأشوف وشه وقتها.
نبرته الإستفزازية الساخرة أثارت غضبها:
_ أنت و…. وقذر وحيوان، روح ربنا ياخدك.
وأغلقت المكالمة بل والهاتف أيضاً حتي لا يحاول الإتصال بها مرة أخري.
نهضت من فراشها وذهبت إلي المرحاض، فتحت الصنبور وأخذت تغترف المياه بكفيها وتلقي بها علي وجهها المحتقن بالدماء، نظرت إلي صورتها المنعكسة علي المرآه ثم أجهشت بالبكاء، لم تتحمل ذلك الضغط النفسي الذي يهدد حياتها مع زوجها، أخذت تفكر كثيراً حتي توصلت إلي قرار وهو عليها بالمواجهة وأن تخبر زوجها عند عودته من العمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وفي غرفة الزيارات بالمخفر التابع للنجع، دلف فارس باللهفة عندما علم بزيارة العم جابر له ليطمأنه عن معشوقته حيث جفاه النوم منذ البارحة عندما علم بدخولها المشفي.
_ طمني ياعم چابر، زينب بخير؟ .
نظر لأسفل بحزن ما أثار الخوف لدي الآخر، فقال بذعر:
_ زينب چارلها حاچة؟.
أجاب العم جابر:
_ النچع كله محدهوش خبر غير سيرة زينب هربت من المشتشفي، ورچالة واد عمك جالبين الدنيا عليها، وحديت الناس كيف الرصاص خصوصاً لما عرفو سبب دخولها.
كان فارس مستمعاً له بإهتمام بالغ، فقال:
_ كمل ياعم چابر.
فقال الآخر وعينيه يملؤها الحزن:
_ جطعت شرايين يدها.
أتسعت عينيه بصدمة:
_ واه، كيف حوصل دي! ، أني خابرها عاد عمرها ما تفكر إكده واصل.
أجاب بتردد فكان لا يريد أن يخبره حتي لايزيد من همه وحزنه:
_ أصل يا ولدي….
صمت، فقال فارس بتوسل ممسكاً بيده:
_ أبوس يدك ياعم چابر ريح جلبي و جولي علي كل حاچة.
زفر بسأم وقال:
_ أمري لله، ليلة إمبارح الچيران شافو راچل هيبة جوي و كانو وياه رچالة كتير وجفو برة دار عمك والراچل و واحد تاني معاه دخلو بيسألو عن رافع، وبعد ما چالهم واد عمك وخلصو جعدتهم بعديها سمعو عويل وصريخ زينب والي فهموه من حديتها إن الراچل دي چاي طالب يدها وهي مش موافجة و عمك و ولده باينهم وافجو وعبيغصبوها توافج هي كمان.
أنتابته رجفة تسري في عروقه يليها شعور بالقهر والذل، يريد الصراخ بكل ما لديه من طاقة، لما يحدث معه كل هذا، ما الذي أرتكبه حتي تتوالي عليه المصائب هكذا بلا هوادة!.
أطلق زفرة خرجت من أعماقه قائلاً وهو ينظر لأعلي:
_ يارب، أنت الي عالم بالي چوايا، ألطف بحالي وأرفع عني البلاء.
قام العم جابر بمواساته حتي أنتهي وقت الزيارة وعاد إلي خلف القضبان، منهك القوي والتفكير فيما قيل له، ذهب لقضاء حاجته في مكان مخصص بإحدي أركان الزنزانة وعاد ليجلس في مكانه لكن خانه جسده ولم يتحمل فسقط مغشياً عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ علي أرض طيبة تشتعل الأضواء الملونة فوق خشبة المسرح، والذي أنشئ تحت رعاية كبار رجال الأعمال لإفتتاح هذا الفندق المبني علي الطراز الفرعوني القديم، بدأ الأحتفال وبدأت الموسيقي ليعلن هذا الشاب قائلاً:
_ والآن لنفتتح الحفل بفقرة من الفلكلور المصري ومعكم الراقصة اللولبية سمارة.
ظهرت من بين الأضواء إمرأة ترتدي ثوب الرقص الشرقي مثلما الذي كان يرتدونه الراقصات في حقبة الخمسينات في القرن الماضي، تتمايل علي أنغام الموسيقي بخصرها المنحني مثل آلة الكمان وخصلات شعرها الكستنائية تتطاير من حولها، ترقص بإحترافية جعلت كل من يشاهدها يصفق لها بحرارة بعدما أنتهت.
عادت إلي الداخل فأستقبلتها مساعدتها تضع عليها رداء حريري:
_ كنتي هايلة يا أبلتي ومولعة المسرح.
_ أسكتي يابت يا نواعم أنا أول ما طلعت علي خشبة المسرح وشوفت البهوات أم بدل وأنا قلبي أنقبض، كان عنده حق الولاه زيزو لما قالي هتحسي بفرق رهيب وأنتي بترقصي مابين الكباريه ومابين حفلة معمولة لكبار رجال الأعمال.
_ عقبال ما يجيلك حفلات برة مصر بقي يا أبلتي ونسافر ونلف الدنيا وتبقي أشهر من الرقصات الكسر الي طالعينلنا اليومين دول إيشي جوهرة ولا لوردينا ولا بتنجانه دي، البلدي مفيش أحسن منه.
دلفت كلتاهما إلي داخل الغرفة لتبدل ثيابها، تفاجاءت بمن يجلس أمامها علي الكرسي ويزفر دخان سيجارته في الهواء.
_ بسم الله الرحمن الرحيم، خضتني يا سي زيكو.
ألتفت إلي مساعدتها وأردفت:
_ أطلعي أنتي يا نواعم أستنيني بره.
فقالت الأخري:
_ حاضر يا أبلتي.
ورمقت زكريا بإزدراء قبل أن تغادر الغرفة.
ركضت نحوه بللهفة وشوق لتعانقه:
_ واحشني أوي يا ولاه، كل ده غياب.
أبعدها عنه ممسكاً بعضديها قائلاً بمكر :
_ أتوحشتك كيف وأنتي فضلتي شغلك عني لما خيرتك مابيني وبينه.
نهضت وقالت بإعتراض:
_ كله إلا شغلي يا روحي أنا، وقولتلك قبل كده أنا ممكن أبطل رقص في حالة واحدة.
أقتربت منه وجلست أمامه علي ركبتيها ثم وضعت كفيها علي لحيته المشذبة تتلمسها بأناملها :
_ لو كتبت عليا رسمي، وقتها هاعيش خدامتك العمر كله، ومفيش راجل هيشوف مني شعرايه واحده غيرك.
عاد بظهره إلي الوراء يزفر دخاناً كثيفاً من فمه ولم ينظر إليها، قائلاً:
_ جولتلك جبل إكده مليش في الرسمي يا بت الناس.
نهضت من أمامه وقالت بصدمة:
_ ملكش في الرسمي ولا بتستعر مني!، خايف لأهلك يسألوك مين دي تقولهم دي سمارة الرقاصة! .
زفر بتأفف وقال:
_ ولما أنتي خابره الحكاية زين جوي إكده، ليه كل ما نتجابل تعيدي وتزيدي في حديت ملهوش عزا، أنا ما بصدج أچي أجعد وياكي ونتبسط يبجي لازمته أي العكننه دي عاد.
أستدارت نحو طاولة الزينة وجلست أمامها تبكي:
_ الحق عليا أنا الي أتشك في قلبي الي سلمتهولك، قولت يابت ده غير كل الرجالة الي طمعانين فيكي وشايفينك جسم وبس، لاقيتك الوحيد الي شايفني من جوايا حاسس بيا وحبيت سمر مش سمارة الرقاصة.
شعر بالذنب من حديثه الفذ معاها، نهض وذهب نحوها، دنا منها واضعاً يديه علي كتفيها:
_ خلاص كفياكي عويل، أديكي جولتي أني بحبك، خابره ليه؟، لأنك شبهي تمام، چواتك إنسان ضعيف جلبه كيف العصفور والناس عبتشوفك من بره واحد عايز الحرج.
أبعدت يديه عنها وقالت بإمتعاض:
_ مبقتش أكل من كلامك ده، خلاص حفظتك، ما أنا الحضن الحنين الي بتيجي له عشان تفضفض له بالي جواك، وأنا الهبلة الي بطبطب وتهون عليك، متعرفش أنا الي محتاجة الطبطبه دي.
وضع يديه علي خصرها وجعلها تنهض وتلتفت إليه قائلاً بنبرة تعزف علي أوتار قلبها:
_ ما أني چايلك أهو لأچل أطبطب وأدلع فيكي يا كيف القشطة والمهلبية، ولا أي يا عروسة.
نظرت له من بين عبراتها بخجل، إحساس لا ينتابها سوي معه فقط، أقترب منها ليعانقها وقام بإسدال الرداء من عليها وأحتضنها بقوة قائلاً :
_ بموت فيكي ياسمارة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنتهي لتوه من عمله علي الحاسوب، حيث يباشر أعماله من خلاله، خرج إلي الشرفة ليستنشق الهواء ورائحة الزهور العطرة التي تملئ حديقة قصره، عاد إلي داخل غرفته بعدما سمع طرقات علي الباب، أرتدي معطفه علي جذعه العاري، ليفتح ويجد الخادمة تخبره بدون أن تنظر له مباشرة:
_ سليم بيه، صلاح بيه جه ومستني حضرتك تحت.
قال لها بأمر:
_ أعملي واحد قهوة سادة و واحد إسبريسو وهاتيهم علي المكتب.
أومأت له بطاعة قائلة :
_ أمرك يا بيه.
عاد إلي الداخل وهو يقول:
_ غريبة جاي من غير إتصال وكمان الوقت متأخر مش عادة صلاح.
وذهب ليبدل ثيابه بقميص وبنطال من القطن الأسود، لونه المفضل كما في الفراش والأثاث وألوان الجدران المطليه بالأسود والرمادي.
يقف صلاح منتظراً إياه أمام الدرج بالأسفل، يزفر بضيق لايعلم كيف يخبره بما لديه، فهو يخشي ردة فعله وغضبه الذي سيحرقهم جميعاً، أنتبه إليه يهبط الدرج ويقول بمزاح ليس من شيمه :
_ للدرجدري لحقت أوحشك كده! .
أجاب الآخر يحاول أن يمهد له الخبر رويداً:
_ أنا كنت هاكلمك فون بس الي جايلك فيه مينفعش مكالمة، ولازم نفكر بهدوء وعقل ومن غير أي تهور ممكن تندم عليه.
تجهم وجه سليم فقال:
_ أي الي حصل؟.
أجاب:
_ أوعدني إنك هاتتصرف بعقل.
صاح بزمجرة:
_ أنجز يا صلاح وهات الي عندك.
رد قائلاً :
_ الرجالة الي بتبلغني بأخبار رافع أول بأول، لسه مكلمني وبلغوني الدنيا كلها مقلوبة في النجع عن الآنسة زينب بعد ما أكتشفو إنها هربت من المستشفي.
يستمع لكلماته وبداخله بركان تدفق حممه شيئا فشيئاً حتي أخترق سمعه كلمة هروبها فأنفجرت وتقاذفت تلك الحمم التي ستحرق كل ما يقابلها، صاح بصوت مرعب في أرجاء القصر:
_ فوزي.
جاء له رئيس الحرس خاصته قائلاً :
_ أمرك يا سليم بيه.
_ حضر العربيات والرجالة حالاً، هنرجع علي قنا.
قال فوزي:
_ أمرك يا باشا أعتبره حصل.
قال صلاح:
_ سليم، أستني بس أنا بقولك أخوها مخلي رجالته قالبين عليها الدنيا، ومينفعش إحنا نتدخل كل الي يربطك بيها قراية فاتحة م…
قاطعه سليم بصوت مخيف وملامح تدب الرجفة في قلوب من يراه:
_ صلاح، مش عايز كلام كتير، أنا عارف أنا بعمل أي، ومحدش هيلاقيها غيري.
ظهر بريق في ظلمة عينيه وبداخله يتمتم قائلاً :
_ أهربي علي أد ما تقدري، شكلك ماتعرفيش لسه مين هو سليم العقبي يا زينب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ قاربت الساعة علي الواحدة بعد منتصف الليل، لكن ما زالت شوارع القاهرة مزدحمة بالسائرين فمنهم العائد من عمله، ومنهم من يتجول بلا هدف، وكان الحال في المنازل، هناك من يحب السهر أمام التلفاز أو الحاسوب.
وفي هذا المنزل البسيط بحي مصر القديمة حيث المباني ذات الطراز المعماري الإسلامي المنتشرة هناك.
تنتهي تلك الفتاة من جلي الصحون للتو، وتناولت خاتم الخطبة خاصتها من فوق الطاولة الرخامية لترتديه، ثم ذهبت لتطمأن علي والدتها فوجدتها تمسك بالمصحف الشريف وتتلو بعض السور كما تفعل كل يوم.
تركتها في خلوتها مغلقة الباب، وذهبت لتري ماذا يفعل شقيقها الذي يصغرها بثلاث سنوات، وقبل أن تطرق الباب أنتبهت إلي أصوات يبدو إنها صادرة من حاسوبه، مهلاً تلك الأصوات تعلمها جيداً أستشاطت غضباً وفتحت الباب علي مصرعه لتجده كما ظنت.
فصل التيار عن الحاسوب، صاحت به:
_ مش هتبطل تتفرج علي الأرف ده؟، هتكبر وتعقل أمتي يا أخي.
نهض وأشاح بيده في وجهها:
_ وأنتي أي الي يدخلك أوضتي وتحشري نفسك في الي ملكيش فيه.
_ دخلت عشان أقفشك و أعرفك إنك عمرك ما هاتتغير طول ما أنت بعيد عن ربنا،، لابتصلي ولا بتصوم و عايشها زي ما أنت عايز، فاكر الدنيا دايمة لك.
نهض ليدفعها إلي الخارج قائلاً :
_ خليكي في حالك يا ست الداعية ، أنا الي هتحاسب مش أنتي.
وأوصد الباب في وجهها، صاحت بحنق:
_ لولا بابا الله يرحمه وصاني عليك مكنتش عبرتك وسبتك تولع بجاز، كتك الأرف عيل فاشل وصايع زي الشلة الفاسدة الي ملموم عليهم.
أنتبهت لصوت والدتها تناديها:
_ ريهام، يا ريهام.
قالت وهي تذهب:
_ حاضر يا ماما جاية.
ذهبت إليها فقالت لها والدتها:
_ ينفع كده صوتكو جايب آخر الدنيا والجيران زمانهم سمعو بينا!.
زفرت بضيق وقالت:
_ يا ماما غلبت مع إبنك ده، كليته ومش عارفه يخلصها وعمال يدبلر كل سنة والي أده بيشتغل وبيبني مستقبله وده مورهوش غير إنه ينزل طول النهار مع أصحابه الصايعين ويجي بالليل يترزع أدام الكمبيوتر والبلاوي الي بيتفرج عليها.
_واحدة واحده وهيتغير، أنصحيه براحه وبلاش أسلوب الزعيئ والسخرية منه، ما أنتي عارفاه عنيد ودماغه ناشفه ولو ناوي يتغير هيعند ويسوء في الغلط.
_ يا أمي أنا والله خايفة عليه عايزه أشوفه أحسن واحد في الدنيا وأتباهي بيه، يعني عاجبك لما أحمد خطيبي شافه في النادي عنده قاعد مع بنات شكلهم مش تمام وفي أوضاع زي الزفت وبتوع الأمن مسكوهم وكانو هيطلبولهم البوليس، لولا أحمد تدخل ليهم كان زمان المحروس مشرف في القسم، خلاني في نص هدومي أدامه وهو بيحكيلي.
تنهدت والدتها بحزن وقالت بقلة حيلة من هذا الأبن العاق والفاسد:
_ حقك عليا يابنتي، أنا هاقعد معاه وهافهمه، وأحمد أبقي خليه يكلمني عشان أعتذر له.
كادت تتحدث فقاطعها رنين جرس المنزل، فقالت:
_ ده مين ده الي جاي في نص الليل.
أرتدت إسدال الصلاة وذهبت:
_ حاضر، ثواني.
نظرت من العدسة فوجدت سيدة منتقبة، شعرت بالقلق وقالت:
_ مين حضرتك؟ .
أجابت السيدة المجهولة وهي ترفع غطاء وجهها:
_ أني زينب القناوي يا ريهام.


