رواية سارة علي ج٢
عقدت حاجبيها متسائلة بحيرة :
” ازاي ..؟!”
أجابها موضحا :
” دافية زيك ..”
احمرت وجنتاها خجلا من إطراءه عليها ثم تحركت داخل أرجاء الشقة تنظر الى غرفها ومطبخها ..
انتهت زينة من تفحص الشقة لتجد زياد
يقترب منها ويسألها :
” هتعملي ايه دلوقتي ..؟!”
أجابته بجدية :
” هنام ..”
أشار زياد الى أحد الغرف قائلا :
” دي إوضتك واللي جمبها أوضتي ..”
بهتت ملامح زينة وهي تستمع الى ما قاله ، لم تتوقع منه أن يبيت في غرف،،ة منفصلة عنها ..
لكنها شعرت بالإمتنان نحوه فهو على الأقل يراعي وضعها ..
دخلت زينة الى غ،،رفتها وألقت بجس،،دها على الس،،رير قبل أن تغط في ن،،وم عميق دون أن تغير ملابسها ..
استيقظت بعد عدة ساعات لتجد الظلا،،م حل على المكان ، سارعت لفتح ضوء الغر،،فة قبل أن تفتح الباب وتخرج مسرعة من الغرفة متجهة الى الخارج لتجد زياد جالسا في صالة الجلوس ينظر أمامه بشرود ..
اقتربت منه فشعر بوجودها لينظر إليها ويهمس :
” صحيتي امتى ..؟!”
أجابته بإرتباك :
” من شوية ..”
اتجهت نحوه وجلست بجانبه بصمت ..
نظر إليها زياد وسألها مستفهما :
” شكلك بيقول إنك مدايقة ..حصل حاجة ..؟!”
زفرت نفسا عميقا وقالت بجدية :
” لما صحيت الدنيا كانت ظ،،لمة وأنا بخا،،ف من الظ،،لمة ..”
ثم أكملت وهي تنظر نحوه بشح،،وب :
” مكنتش بخا،،ف منها قبل كده بس بعد اللي حصل بقيت بترعب منها .. ”
تطلع إليها زياد بصمت بينما أشاحت وجهها بعيدا عنه وقد عادت الذكريات السيئة إليها من جديد .. ذكريات لا تنفك أن تتركها ولو قليلا ..
………………………………………………………………………….
حل الصباح مجددا بعد ليلة طويلة قضاها كلا من زياد وزينة مستيقظين فلم يستطع النوم أن يغلب ذكرياتهما السيئة ..
خرج زياد من غرفته بعدما انتهى من ارتداء ملابسه وتصفيف شعره ليتفاجئ بزينة في المطبخ ترتدي بيجامة زهرية اللون وتجهز طعام الإفطار …
ألقى زياد تحية الصباح عليها :
” صباح الخير ..”
” صباح النور ..”
قالتها زينة وهي تطفئ الطباخ قبل أن تكمل :
” الفطار جاهز ..”
اتجه زياد ببصره نحو طاولة الطعام المزينة بأشهى أنواع الطعام بينما سألته زينة :
” مش هتفطر ..؟!”
” هفطر اكيد ..”
قالها زياد وهو يجلس على طاولة الطعام ويشرع في تناول طعامه إلا أن رنين جرس الباب أوقفه عن تناوله الطعام …
اتجه زياد نحو باب الشقة وفتحها متعجبا من الزائر الذي يأتي في وقت مبكر كهذا ..
فوجئ برنا تقتحم الشقة وهي تهتف بصوت عالي :
” هي فين ..؟!”
جذبها زياد من ذراعها هاتفا بها :
” انتي بتعملي ايه ..؟!”
أجابته وهي تضحك بسخرية :
” جاية أبارك للعروسة ..”
ثم أكملت وهي تصيح بصوت عالي :
” يا عروسة .. انتي فين ..؟!”
خرجت زينة إليها وهي ترسم على شفتيها ابتسامة كبيرة وترتدي غلالة نوم قصيرة فوقها روب من الستان الأبيض ..
” اهلا يا رنا … ”
توجهت رنا نحوها وقالت بتهكم :
” ولابسة قميص نوم كمان وبتحتفلي ..”
وقف زياد حائلا بينهما وقال بحزم :
” مش وقت الكلام ده يا رنا .. روحي حالا …”
عقدت رنا ذراعيها أمام صدرها وقالت بعناد :
” مش هروح ، انا جايز أبارك للعروسة وأديها هديتها ..”
أبعدت زينة زياد من أمامها واقتربت من رنا تقول :
” ميرسي يا رنا ربنا يخليكي ..”
” مش عايزة تعرفي إيه هديتك يا عروسة ..؟!”
نظرت إليها زينة بصمت بينما قالت رنا بجدية وهي تخرج ورقة بيضاء من حقيبتها وترميها عليها :
” دي نسخة من شهادة وفاة عالي ، قلت تخليها عندك للذكرى ..”
يتبع
الفصلين السابع والثامن عشر
كان عليها أن تتماسك في هذه اللحظة .. أن تخبئ ذلك الألم الذي ينخر قلبها وتجاهد كي تظهر لا مبالاتها ،لن تكسرها رنا ولن تحقق غايتها في النيل منها وتحطيمها أماميهما ..
هي ليست زينة القديمة كي تنهار أماميهما وتبدأ في البكاء والعويل .. هي الأن إنسانة أخرى تعرف كيف تسيطر على مشاعرها وتحركها وفقا لرغباتها .
” انتي ايه اللي بتعمليه ده .؟!”
قالها زياد قاطعا هذا الصمت الطويل مزمجرا بها بضيق لترد رنا وهي تهز كتفيها بلا مبالاة :
” جايه أبارك للعروسة وأفكرها بجوزها الأولاني اللي قتلته …”
كاد زياد أن يتحدث إلا أنه فوجئ بزينة تسبقه وتهتف ببرود أعصاب غريب وهي تأخذ شهادة الوفاة من يد رنا :
” ميرسي عالهدية يا رنا .. ميرسي اوري ..”
ثم أكملت وهي ترسم إبتسامة مصطنعة على شفتيها :
” تحبي تشربي ايه ..؟!”
رمقتها رنا بنظرات مشتعلة ثم حملت نفسها وخرجت من الشقة ليلتفت زياد نحو زينة ناظرا الى قناع الجمود الذي ترتديه أمامه بحيرة …
تحركت زينة مسرعة الى داخل غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف لا إرادي …. أخذت تتطلع الى شهادة الوفاة بعينين حزينتين قبل أن تنفجر في البكاء بصوت منخفض وهي تجاهد كي تخفي شهقاتها حتى لا يسمعها زياد ..
استمرت في بكائها لفترة طويلة .. تبكي حظها العاثر وروحها الممزقة وقلبها المتعذب .. كان بكائها نابع من أعماقها .. اخر ما تصورته يوما أن تكون هذه نتيجة فعلتها البريئة والعفوية .. نتيجة كذبها على علي .. كلا هي لم تظن أن كل هذا سيحدث وأن علي سيموت قهرا بسببها لكن القدر كان له رأيا أخرا ….
جلست على سريرها وهي تخبئ شهقاتها بينما تتأمل بعينيها اسم علي وتاريخ وفاته قبل أن تنهار باكية مرة أخرى ..
……………………………………………………………………………
دلفت رنا الى منزلها وهي في قمة غضبها وقبل أن ترتقي السلم متجهة الى الطابق العلوي حيث غرفتها وجدت والدتها تنادي عليها فتوقفت في مكانها واستدارت نحو والدتها التي سألتها بينما تلاحظ وجه ابنتها الغاضب وعينيها الناريتين :
” فيه ايه يا رنا ..؟! مالك جاية متعصبة من بره ايه ..؟! حصل حاجة دايقتك ..؟!”
” زياد ..”
قالتها رنا يخفون لتسألها والدتها بقلق :
” ماله زياد ..؟! اتكلمي .. جراله حاجة .. ؟!”
تمتمت رنا بنفس الخفوت :
” زياد اتجوز زينة يا ماما ..”
صرخت الأم بلا وعي :
” ايه ..؟! انتي بتقولي ايه ..؟!”
أومأت رنا برأسها بينما أكملت الأم بعدم تصديق :
” ازاي يعني إتحوزها .. ده اكيد اتجنن ..”
ثم قالت وهي تنظر الى رنا :
” وانتي عرفتي منين الكلام ده ..؟!”
أجابتها رنا بجمود :
” من منتصر ، رحت الشركة وشفته هناك وحكالي اللي حصل ، تخيلي منتصر كان شاهد على عقد جوازهم ..!٠
كانت رنا تتحدث بصدمة شديدة فكيف يفعل منتصر شيء كهذا بالرغم من تركهما لبعض ..
قالت الأم غير مستوعبة بعد لما سمعته :
” انا مش مصدقة اللي بسمعه ، ازاي كلهم بقوا معاها ..؟! هو مين اللي غلط …؟!”
في نفس اللحظة دلف الأب الى الداخل ليسألهما بقلق من منظرهما المضطرب :
” مالكم واقفين كده ليه …؟!”
أجابته رنا بتوتر :
” مفيش يا بابا ، بنتكلم شوية ..”
” لا فيه ، ابنك اتجوز .. عارف اتجوز مين .. اتجوز زينة ..”
جحظت عينا الأب غير مصدقا لما يسمعه ، هل فعلها إبنه وتزوج بتلك الفتاة ..؟! كان شبه موقنا من أن ابنه عاشق لها ولكن لم يتصور أن يتجرأ ويتزوجها …
رمق زوجته وابنته بنظرات مستاءة وهتف بجمود :
” كل اللي حصل بسببكم وبسبب عمايلكم ، ياما قاتلكم بلاش تؤذوها .. وأدي النتيحة .. اشربوا بقى ..”
اتجه الأب بخطوات مرهقة نحو غرفته بينما انهارت الأم بكاءا حزينا ..
……………………………………………………………………………..
خرجت زينة من غرفتها لتجد زياد يجلس على الكنبة بصمت .. اقتربت منه وهتفت بهدوء :
” انت ليه مرحتش الشركة ..؟!”
نهض من مكانه ووقف أمامها هاتفا بقوة :
” ومش هروح ..”
” ليه ..؟!”
سألته بتعجب ليرد بجدية :
” مش حابب أسيبك لوحدك النهاردة .،”
ابتسمت وقالت بحنو :
” متقلقش عليا ، انا بخير …”
أطلق تنهيدة صغيرة وقال :
” عارف ، بس بردوا هفضل معاكي النهاردة …”
ثم قال وهو يضع خصلة من شعرها خلف أذنها :
” ايه رأيك نخرج نتغده برا ….؟!”
” مفيش مانع ..”
قالتها زينة بإبتسامة ليهتف زياد بجدية :
” طب خشي غيري هدر،،ومك عشان نخرج ..”
اتجهت زينة مسرعة الى غر،،فتها لتغير ملاب، سها بينما جلس زياد على الكنبة مرة اخرى يقلب في هاتفه حينما جاءه اتصالا من والده …
أجاب زياد عليه ليأتيه صوت والده الغ،،اضب :
” كده يا زياد .. تتجوز من ورانا .. هي حصلت ..”
تنهد زياد وقال بعمق :
” مكانش قدامي حل تاني ، انا لازم أحميها وأفضل جمبها ..”
” تحميها ..؟! ليه متقولش إنك بتحبها ومش عايز تخ،،سرها ..؟!”
قالها الأب ساخرًا ليقول زياد بنبرة جادة :
” ايوه يحبها ومش عايز أخسرها .. ”
زفر الأب نفسا غاضبا وقال بألم:
” ليه يا زياد ..؟! ليه يابني ..؟! مش كفاية عليا اخوك اللي خسرته .. ليه عايزني أخسرك كمان ..”
رد زياد :
” عمرك مهتخسرني يا بابا .. خليك واثق فيا ..”
” طب ازاي اتجوزتها ..؟! دي كانت مرات أخوك ..”
أغمض زياد عينيه وقال بنفاذ صبر رغم الألم الذي سيطر عليه من ذكر هذا الموضوع :
” انا مش اول ولا أخر واحد يعمل كده..”
” تمام يا زياد ، زي ما تحب ، بس اتمنى إنك متندمش …”
قالها الأب أخيرًا منهيا الحوار قبل أن يغلق الهاتف بينما خرجت زينة في نفس اللحظة من الغرفة وقالت :
” خلصت ..”
” يلا بينا ..”
قالها زياد وهو يسير أمامها خارج الشقة ..
……………………………………………………………………………
دلفا كلا من زياد وزينة الى الى داخل المطعم ، اتجها نحو احدى الطاولات وجلسا عليها ..
تقدم النادل منهما ووضع قائمتي الطعام أماميهما بينما بدأ كلا من زياد وزينة في قراءة ما بها …
حدد كلا منهما ما يريدان تناوله ليأتي النادل ويسجل طلباتهما قبل أن ينسحب من المكان وهو يحمل قائمتي الطعام معه ..
” حلو المكان ..؟!”
قالها زياد محاولا فتح مواضيع الحوار معها لتبتسم زينة وتقول بإعجاب بينما تحيط ببصرها أرجاء المكان :
” حلو اوي ..”
أكملت بعدها زينة متسائلة :
” انت بتجي هنا دايما ..؟!”
أومأ برأسه وقال مجيبا إياها :
” ايوه من زمان .. من أيام الجامعة ..”
أومأت برأسها متفهمة قبل أن تقول بحزن :
” ماما ومريم وحشوني اوي ..”
تطلع زياد إليها والى حزنها الواضح بألم ، لم يعرف ماذا يجب أن يفعل لكنه لا يريدها أن تقترب من عائلتها الأن فهو لا يضمن والدها ولا يضمن ردة فعله ..
صمت زياد ولم يعلق بينما أكملت بوجع :
” عيدميلاد مريم كمان يومين ، اول عيدميلاد يمر عليها من غيري .. يا ترى هي عاملة ايه ..”
” زينة ..”
استرسلت زينة في حديثها وقد تشكلت الدموع داخل عينيها غير عابئة بنداءه عليها :
” يا ترى زعلانه لسه ..؟! معقول تكون اتعودت على غيابي وشوية شوية هتنساني ..”
طفرت دمعة من عينها فمسحتها زينة بسرعة وهي تستعيد توازنها أخيرا بينما قالت زينة مكملة حديثها ومعتذرة منه :
” انا اسفة يا زياد .. ”
ابتسم زياد وقال :
” متعتذريش يا زينة ..”
جاء النادل بالطعام ووضعه أماميهما ليقول زياد بجدية :
” خلينا ناكل يلا ..”
شرع الاثنان في تناول طعاميهما حينما فوجئت زينة بأحدهم يدلف الى داخل المطعم ومعه فتاة محجبة لم تعرفها من قبل …
تصنمت زينة في مكانها وهي تشاهد ماجد يسير أمامها مع الفتاة متجها نحو احدى الطاولات ليجلس عليها ..
…………………………………………………………………….
خرجت رنا من منزلها متجهة الى احد المطاعم القريبة حيث ستقابل صديقتها هناك …
كانت سوف تهم بركوب سيارتها حينما فوجئت بأحدهم يقف في وجهها ويهتف بعدم تصديق :
” اووه مش مصدق … معقول بعد السنين دي كلها أشوفك ..”
” حاتم ..”
هتفت بها رنا بصدم،،ة شديدة من رؤيتها له بعد كل هذه السنين ليومأ الأخير برأسه وهو يهتف :
” ايوه حاتم يا رنا ، مفاجئة مش كده ..”
” انت جيت امتى ..؟! وايه اللي جابك ..؟!”
سألته رنا وهي ما زالت محتفظة بص،،دمتها مما حدث ، كيف أتى ومتى ..؟!
ومالذي يفعله هنا ..؟!
” جيت من يومين وأول حاجة قررت أعملها إني أشوفك …”
قالها حاتم وهو يغمز لها بعبث لطالما تحلى به لتسأله وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها :
” خير ..؟! عايز ايه ..؟!”
أجابها بجدية :
” عايزك يا رنا .. وحشتيني ووحشتني أيامنا سوا ..”
صرخت رنا به بلا وعي :


