القطة المدللة بقلم إكرام يوسف

الفصل الثانى عشر

إستيقظ فى الصباح ليجدها تنام بجانبه فى سكون , بدأ يتأملها بإبتسامة تزين وجهه , عدل من وضع خصلة تنزل على وجهها , شعرت بيده , ففتحت عينها ليقع بصرها على وجهه المبتسم فتبتسم بحياء , فيقول :
– اسف انى صحيتك
لتقول بمرح :
– كدة نبقى خالصين
فتتعالى ضحكاته , فتهم بمغادرة الفراش فيفتعل الألم وهو يضع يده مكان الجرح , فتنظر له بلهفة قائلة :
– مالك يا حبيبى ؟
ليبتسم وهو يجذبها إلى حضنه وهو يقول :
– كنت متأكد انك هتقوليها , بس مكنتش اعرف انها هتكون حلوة اوى كدة
إبتعدت عنه وهى تقول بمرح :
– بس خليك فاكر اننا كدة مش خالصين

*************

فتحت خزانتها وهى تتأمل ملابسها التى تشتريها بأموال طائلة يبعثها لها أبيها , فهو لا يبخل عليها بشئ كل طلباتها مجابة , ما ينقصها هو شئ واحد وجوده ووالدتها فى حياتها , هو يرى أن هذا شئ ضئيل لا يهم
وها هى مقتنياتها الثمينة حولها فى كل مكان , لها وحدها , فهى وحيدة فى هذا المكان رغم كل ما يحمل من متع لكنها لا تشعر بأى منها
كل ما تشعر به هو الوحدة , الضعف , الخوف
ثارت على كل شئ بدأت تخرج كل شئ من خزانتها وترميها على الأرض وهى غارقة فى دموعها
كانت لا ترى أمامها وهى تصرخ وتطيح بكل ما يقابلة
فجأة إرتطمت بصدره وهو يقف يحدق بها فى ذهول لرؤيته لها على هذه الحالة
رفعت رأسها لتراه , فلم تلبث إلا أن أسندت رأسها على صدره وبدأت فى نوبة بكاء أخرى , فما كان منه إلا أن أحاطها بذراعه وهو لازال على ملامحه الجامدة
بعد فترة هدأت ورفعت رأسها بعيون تترجاه أن يظل معاها ولا يتركها , ولكن خاب أملها عندما فتح فمه قائلاً بوجه جامد لا يحمل أى مشاعر :
– مش عايزك تقطعى علاقتك بيها
نظرت له بدهشة قائلة :
– مش فاهمة
نظر بعينيها وهو يقول بحدة :
– عايز علاقتك تفضل كويسة مع بوسى , عايز أعرف اخبارها كلها هى وجوزها
بصوت محسور وقلب مكسور قالت بأسى :
– انت عايز منها اية تانى ؟ هى مش خلاص اتجوزت ؟
أمسكها من ذراعيها بقوة وقد جل الغضب يتراقص على وجه , وهو يقول بوعيد :
– اللى انا اقوله انتى تنفذيه من غير اى كلام , مفهوم ؟
أماءت برأسها بإيجاب وهى تشعر أنها قد سقطت فى بئره ولا مفر ولا منقذ منه إلا إليه
فهو النور والظلام , الرحمة والوعيد , السعادة والشقاء , الجنة والنار

**************

جلس تامر على الأريكة وهو ينظر إلى الصور بيده بحسرة , كم كانت أيامهم معاً سعيدة , لم يعرف قيمتها إلا بعد أن خسرها
أعترف أنى أحبك يا من سكنتى القلب والوجدان
نظر أمامه بوجوم وهو يقول :
– وزى ما كنتى فى حضنى هاعرف ازاى ارجعك لحضنى تانى يا بوسى

**************

كانوا يجلسون على مائدة الطعام جميعاً , فقد أصر حسام أن يجلس معهم ويخرج من غرفته فقد مل مكوثه الدائم بها , وتبرم من مذاق الطعام بها فهو يريد صحبتهم وقت الطعام
كانت السعادة تخيم على المكان , والإبتسامة تزين وجوههم جميعاً , طلبوا من المربية أن تشاركهم المائدة
بعد الإنتهاء من الطعام جلسوا بغرفة المعيشة يتبادلون المزاحات والضحك حينما رن جرس الهاتف , فذهبت المربية لترد وجائت به لحسام قائلة :
– حضرة الظابط عايزك على التليفون
أمسك حسام التليفون فى ظل إنتباه الجميع وتعلق أنظارهم به , ظهر على وجهه ملامح الدهشة المصحوبة بالضيق وهو يتمتم ببعض الكلمات الموجزة التى لا يُفهم منها ما يقوله الطرف الأخر , ثم أغلق الخط وهو ينظر فى أعينهم ويقول بأسى :
– أحمد انتحر
دهش الجميع لما سمعوه , وأجهشت بوسى بالبكاء وهى غير مصدقة لما حدث فى حين شعر حسام بالضيق لما رأها على هذه الحالة
فإستأذن وصعد غرفته , هو وشيطانه الذى يحاول أن يفرق بينه وبين زوجته

***************

كان يجلس على فراشه بوجه عابث , فقد تمكن منه شيطانه وجعله يستشيط غيظاً
سمع طرقات على الباب ويليه صوت والدته من الخارج تقول :
– انت لسة صاحى يا حسام ؟
ليرد قائلاً :
– ايوة يا ماما اتفضلى
فتدخل وتغلق الباب خلفها , ثم تقول :
– شفت النور منور عرفت إنك لسة صاحى منمتش
– اتفضلى يا امى
فتجلس بجانبه على الفراش وهى تقول :
– مالك يا حبيبى ؟ فى حاجة تعباك ؟
– الحمد لله يا امى , انا بخير
لتقول وهى تنظر بعينيه تحاول إختراق عقله :
– عليا انا برده الكلام دة , دة انا أمك اللى حافظاك
فيصمت , فتتابع وهى تمسك بيده :
– متخليش الشيطان يلعب بيك , الخبر كلنا اتفاجأنا بيه
ليرد مسرعاً بنبرة عصبية :
– اتفاجأنا , بس معيطناش وزعلانا اوى كدة , دة كان عايز يموتنى من يومين , ازاى تزعل عليه كدة ؟
لتضع يدها على صدرها وهى تشهق قائلة :
– بعد الشر عليك ياحبيبى
ثم تبتسم وهى تقول :
– اية ؟ بتغير ؟
ليهز رأسه يميناً ويساراً وهو يزفر بغيظ , فتقول :
– يابنى كل واحد وله رد فعل , انت كمان هتحاسبها على رد فعلها ؟
– رد الفعل بيبين اللى جوانا
– اه دة الشيطان شايف شغله معاك تمام
ليشيح بوجهه وهو يشعر بالضيق , فتمسح على رأسه وهى تقول :
– الانتحار دة مش حاجة سهلة , وبعدين دة واحد كان عايش معاهم بقاله خمس سنين
– يعنى اية بقى ؟ كان اخ عزيز عليها ؟
– يابنى متظلمهاش , انت عارف انها حساسة واكيد الخبر كان صعب عليها
قامت لتغادر وهى تقول :
– استهدى بالله , ومتخليش الشيطان يهيألك حاجات مش موجودة , وانا وانت متأكدين من كدة
أماء برأسه وهو مازال على ضيقه , خرجت وتركته , بدأ يفكر ملياً فى حديث والدته , وقرر أن ينسى ما حدث وكأن شيئاً لم يكن ولا يدع الشيطان يتلاعب به

*************

كانت تنتحب فى حضن مربيتها قائلة :
– انا مش عارفة اية اللى بيحصلى دة ؟ انا حاسة انى فى كابوس , مش عارفة ليه الدنيا اتقلبت فجأة بعد موت بابى ؟ حاسة انى بحلم , مش دى الحياة اللى كنت عايشاها فى حضن بابى , ليه خطفنى ؟ وليه كان عايز يموت حسام ؟ وليه انتحر ؟ ليه كل الحقد دة يبقى فى قلوب البشر ؟ انا تايه حاسة انى فى دوامة , مخنوقة مش قادرة اتنفس , عايزة اخرج من اللى انا فيه
رتبت على رأسها المربية وهى تقول بأسى :
– هى دى الدنيا يا بنتى فيها الحلو والوحش , انا بحمد ربنا ان الاستاذ حسام جمبك
نظرت لها بوسى بحب قائلة :
– ربنا يخليكى انتى كمان يا دادة ليا , انا بجد مش عارفة من غيرك كنت عملت اية ؟
لتضمها مرة أخرى وهى تقول :
– يا حبيبتى انتى بنتى اللى مخلفتهاش
لتباغتها بسؤال :
– كنتى بتحبيها هى كمان ؟
نظرت أمامها بحزن :
– مفيش حد مكنش بيحبها , ربنا يرحمها يابنتى
قالت وهى تمسح دموعها :
– ربنا يرحمك يا مامى

***************

الطبيب :
– لا دة انت بقيت زى الفل , ما شاء الله
– يعنى ينفع ارجع الشغل بقى ؟
ليضحك وهو يقول :
– مستعجل اوى على الشغل كدة ليه ؟
– اصل بصراحة مش متعود على قعدة البيت خالص , وكمان حاجات كتير وقفة فى الشغل بغيابى
– خلاص ياسيدى تقدر ترجع الشغل

غادر الطبيب , ودخلت بوسى إليه الغرفة وهى تقول بسعادة :
– مبروك
فقال بحب :
– عقبال اللى فى بالى يارب
كادت أن تهرب من أمامه لولا أنه باغتها بسؤاله :
– مقولتليش , عايزة تقضى شهر العسل فين ؟
صمتت وظلت ناظرة له بمزيج من الخجل والدهشة
إقترب منها , وإحتضن كفيها بين يديه , وقال :
– اصلى بصراحة ناوى اظبط الشغل فى الشركة ونسافر بعدها على طول , انا عارف اننا متجوزين من مدة بس انتى عارفة بقى اللى حصل
قالت بتوتر :
– بس , احنا اتفقنا يعنى قصدى انت قلتلى يعنى
رفع وجهها بأنامله وهو ينظر بعينيها قائلاً :
– اية , مش عايزة تسافرى معايا ؟ متخافيش مش هعضك
نزعت نفسها من بين يديه وهى تقول بتحدى :
– مش خايفة , بس كل الحكاية انك فاجأتنى وانا مكنتش فاكرة اننا هنسافر
– والله براحتك , لو حبة متسافريش اوكى
قالت وهى تهم بالمغادرة :
– لسه هرتب نفسى واقولك
إبتسم وهو يرى ذلك العناد الذى يطل من عينيها , وقال فى نفسه :
– تمام يا بوسى , خليكى فاكرة ان انتى اللى ابتديتى

**************

لم تعلم لما قالت هكذا ولكنها إستشعرت فى حديثه تسلطه وهى غير معتادة على هذا الأسلوب
لقد أيقنت أنها وقعت بحبه , لكنها لا ترغب بحب يكسرها , يجعلها طوع لأخر , يجعله يتحكم بها حتى لو بإسم الحب

**************

مرت الأيام وبدأ حسام يذهب لعمله , وهى لم تغادر المنزل من وقتها , كانت تشعر بالملل , طرقت باب غرفة المكتب وجدته غارق فى أوراقه , فقد قرر أن يتركها بحريتها وألا يضغط عليها بتطفله غلى حياتها , وإنخرط فى عمله حتى يحاول أن يشغل نفسه عنها
إبتسم حينما رأها , ونزع نظارته , وهو يقول :
– المكتب نور
جلست أمامه وهى تقول :
– انا كنت جاية اقولك انى كلمت شيرى صاحبتى وهروح النادى معاها
تغيرت ملامح وجهه ليظهر عليه الضيق وهو يقول :
– انا مش عايزك تقابلى الشلة بتاعت زمان دى تانى
لتقف وهى تقول بحدة :
– لية بقى ان شاء الله ؟
ليقول ببعض الجمود :
– عشان انا عايز كدة
– واية دخلك انت فى الموضوع دة ؟
فيقوم ليقف أمامها وهو يقول :
– دخلى حاجة بسيطة اوى , انا بس مجرد جوزك
– انت مش جوزى واحنا اتفقنا على كدة من الاول ان جوازنا هيبقى على الورق بس , وانا متأكدة اصلاً انك عايز تتحكم فيا مش أكتر
نظر لها ببعض الغضب قائلاً :
– اولا انا جوزك شرعاً وقانوناً , ثانياً انا متفقتش معاكى على حاجة من دى خالص , واللى انا قلته هيتنفذ , مفيش خروج برة البيت غير معايا , تسميه تحكم بقى مش تحكم , انتى حرة
– دة انا فى سجن بقى ؟
تركها وغادر المنزل بعد كلماته الأخيرة لها :
– افهمى زى ما تفهمى اللى قلته هيتنفذ

**************

تسلط , دكتاتورية , غضب , عصبية , أشياء لم تعهدها من قِبَل أى شخص تجاهها
فهى لم تعهد سوى الدلال و الطاعة لأوامرها مِن مَن حولها
فجأة وجدت نفسها مرغمة لأن تنفذ أوامر ذلك الشخص
حتى ولو كانت تحبه , فلن تسمح لهذا الحب أن يكسرها , يجعلها كقطعة من العجين يشكلها هو كيف يشاء
نظرت لنفسها بالمرآة وهى تقول بتحدى :
– مش بوسى اللى هتكونلك جارية يا حسام

رواية القطة المدللة.

الفصل الرابع عشر
*******************

تقدم بخطوات ثابتة واثقة يشق الطريق الذى رسمه بحرفية ليصل إلى حلمه
فهو لم يعتد قبول الخسارة بسهولة , فقرر أن يواصل حتى يصل إليه , وينتزعه من براثن الأسد
عدل من رابطة عنقه وهو يبتسم لتلك الفتاة القابعة خلف الملفات ولم تنتبه لوجوده بعد
قال بطريقة لبقة :
– الأستاذ حسام موجود يا أنسة ؟
إنتبهت الفتاة لوجود ذلك الشاب الوسيم الذى يظهر عليه أثر الترف
قالت بوجه قد صبغ بحمرة الخجل :
– ايوة يا فندم , أقوله مين حضرتك ؟
بترفع وغمزة من إحدى عينيه أخرج من جيبه بطاقة وأعطاها إياها قائلاً :
– معاكى ياسر الشامى رجل أعمال , ودة الكارت بتاعى
مدت يدها تأخذ منه تلك البطاقة وقد أربكتها نظراته , وتوجهت بخطى متعثرة إلى غرفة حسام
أما ياسر فقد إتسعت إبتسامته لنجاحه فى غرس طُعمه فى تلك السمكة الصغيرة , فهو صياد ماهر لمثلها من الفاتنات
سمحت له بالدخول , تقدم بخطى ثابتة وهو يقدم نفسه لحسام قائلاً :
– ياسر الشامى , صاحب شركة الشامى للإستيرد والتصدير
مد حسام يده ليصافحه وهو يقول :
– أهلاً وسهلاً , اتفضل يا فندم
فكانت الأيادى متشابكة فى سلام لكن الله وحده هو العالم بخبايا القلوب , وخاصة قلب ياسرالذى لا يحمل الخير أبداً لحسام
********************************
كانت تسقى الأزهار وقد رُسم على وجهها تلك الإبتسامة التى لم تفارقها قط فى الفترة الأخيرة
فها هى تحيا تلك الحياة التى لم تعشها من قبل , دفئ لم تلتمسه من قبل , حنان إفتقدته بإفتقادها والدتها , أمان فقدته بعد وفاة والدها , حضن يغنيها عن الدنيا بأكملها
كل ما كان يقلقها ذلك الصوت الذى يصرخ بداخلها :
– هل هذا ما كنتى تعيشيه ؟ ما كنتى تتمنيه ؟ رجل تعيشى به وله فقط , أين كيانك ؟ أين بوسى ؟
ولكنها كانت تخرسه سريعاً , ولكنه كان دوماً حائلاً بينها وبين حسام , يمنعها من الإقتراب أكثر , يكفيها ما تشعر به معه , لا تريد الإقتراب أكثر , خوفاً من المستقبل
إنتبهت على صوت المربية وهى تقول :
– بتعملى اية يا بوسى ؟
لترد بإبتسامتها المعتادة هذه الأيام :
– بسقى الورد يا دادة
– يا حبيتى تسلم ايديكى
فيرد من جاء لتوه :
– انا بحسده بصراحة
لينظرا إليه بإبتسامة , فتقول المربية وهى تهم للدخول إلى داخل الفيلا :
– حمد الله على السلامة يا بنى , هروح احضرلكم الغدا
ليرد وعينه لازالت مسلطة على بوسى بإبتسامته الساحرة :
– الله يسلمك يا دادة
ويقترب من بوسى وهو يقول :
– بتعملى اية ؟
إكتفت بإبتسامة وهى تريه ما فى يدها , ذلك الرشاش الذى أمسكه من يدها وهو يقول بمرح :
– دة مبيرشش كدة , بيرش كدة يا ماما
قال كلماته هذه وهو يوجهه نحو وجهها وبدأ يرش على وجهها ورأسها
وهى تحاول الهرب وهى تصيح به أن يكتفى , بدأت تركض هرباً منه وهو يركض وراءها وهما يتضاحكان , أغمضت عينها وهى تركض وتحاول أن تلتمس طريقها بدون رؤية , إستدار ليصبح فى إستقبالها فوجدت نفسها ترتطم به حوطها بذراعيه وهما ما زالا يتضاحكان
كان ينظر لها بإشتياق , أما هى فتاهت فى نظرات عيونه الساحرة
إقترب بوجهه منها ولكنها أبعدت نفسها قليلاً عنه دون أن تستطيع فك حصار ذراعيه التى حوطتها وجعلتها أسيرته , قال بهمس وهو ينظر بعينيها :
– ليه دايماً بتهربى منى ؟
إبتلعت غصتها وهى تحاول الهروب من حصار نظراته فيكفيها حصار ذراعيه التى تمنعها من الهرب ككل مرة
باغتها بسؤال أخر :
– لسة برده متعودتيش عليا ؟
قالت بصوت متقطع :
– مش كدة , بس انا لسة يعنى مش مستعدة
نظر لها بحزن , وتركها وهو يقول :
– اكيد براحتك خالص , وياريت تسامحينى لو كنت ضايقتك
لم ترد فقط كانت تنظر له بخجل , قبلها على جبينها وهم بالدخول وهو يقول :
– انا هدخل اغير هدومى قبل الغدا
ودخل إلى الفيلا وهو يحاول أن يخفى ما يشعر به من ضيق
************************************
مد يده بذلك الملف وهو يقول لتلك الفتاة :
– دة يتراجع كويس جدا يا سحر , ويكون على مكتبى بكرة بالكتير
لتأخذه سحر من يده وهى تقول :
– حاضر يا أستاذ حسام , بكرة ان شاء الله هيكون على مكتبك
وتوجهت إلى مكتبها وبدأت فى تصفح الملف فوقعت عينها على إسمه ( ياسر محمد كمال الشامى ) فوجدت نفسها تبتسم وهى تتذكره وهو ينظر لها بإبتسامته الجذابة
***********************************
لم يعد يخرج من المنزل أو حتى يرى أحد من أصدقاءه , يظل دائماً داخل غرفته يدفن نفسه بين ذكرياته معها , رسائلها , هداياها , صورها
كان يتأمل صورها معه ويتذكر كم كان يشعر بالسعادة وقتها , نظر أمامه فى وجوم وهو يمنى نفسه برجوعها إليه مرة أخرى
وقال فى نفسه :
– وحشتينى يا بوسى , ولازم أرجعك لحضنى تانى بأى شكل وبأى طريقة
**********************************
حاولت أن تخفى نظرة الحقد والكره بعينها وهى تقول للجالسة أمامها :
– بس انتى ازاى تقبلى تتحجبى كدة بسهولة لمجرد انه عايز كدة ؟
– انا مش هنكرأنه غير حاجات كتير فى حياتى , بس انا حالياً مش حاسة ان فيه حاجة ناقصانى , بحس انه معوضنى عن كل حاجة فى الدنيا
– يا سلام , دة اية الرومانسية دى ؟ دة انتى حتى مش بتيجى النادى ولا حد بيشوف وشك
– مهو بصراحة مش عايزنى اروح النادى من غيره , وبعدين هو قالى لو حبة صحابى البنات يجولى البيت مفيش مشكلة , وادينا اهوه بنتقابل على طول ياشيرى
– اية التخلف دة ؟ انا مكنتش اعرف انه رجعى اوى كدة
نظرت نحوها ببعض الغضب وهى تقول :
– هو مش راجعى , هو بس اتربى تربية معينة ومش حابب يخرج عنها
صمتت وهى ترى الحب يخرج من عين بوسى , ثم قالت :
– وشركتك اخبارها اية ؟
ردت بوسى باستغراب :
– كويسة
– انتى بتروحيها
– لا , حسام هو اللى بيدرها , انا عملاله توكيل بالادارة وهو المسئول عن كل حاجة
إبتسمت بخبث وهى ترى أمامها نهاية هذا العش الجميل التى طالما تمنت أن تحظى بمثله مع ياسر لكن بوسى كانت دائماً تقف عائقاً بينهما
كانت تصرخ بداخلها :
– طالما لم أحظى أنا بتلك السعادة , فلن أدعك تحظين بها أنتِ أيضا
***************************************
كان يشعر دائماً بتخوفها وترددها من الإقتراب منه رغم حبها له الذى كان يتجلى بعينيها
لم يرد التسلل إليها عُنوة , فقط تركها لترسى على بره عندما تشعر بالرغبة فى ذلك
حاول أن يعرف من تصرفتها سبب ترددها , لكنه فشل
فقرر أن يحاول أن يعتد وجودها بقربه مع المحافظة على تلك المسافة التى وضعتها كحد فاصل بينهما , كان قلبه يتحسر وهو يراها كالفراشة التى تطير بين الأزهار اليانعة , يخفق قلبه لرؤيتها , يتمنى لو يرتوى من رحيقها الخلاب
لا تخافى منى يا حببتى , إقتربى دون تردد , فقد أضنانى الفراق , لم أعد أقوى على تحمل بعدك , أنا قلبٌ ملئٌ بالشوق فتعالى وأنعمى فيه بشوق ليالى عاشها وحيداً فى الظلمة مشتاق لقمرك لينيرها

سمع طرقات الباب فسمح للطارق بالدخول , فكانت سحر بيدها الملف وهى تقول :
– تمام يا فندم , انا راجعت الملف والصفقة مفيهاش اى شئ ناقص
أخذ منها الملف بوجه عابث دون أن ينتبة لما تقول , فاستطردت قائلة :
– تحب حضرتك اتصل بالاستاذ ياسر , ابلغه بقرارك
– اه خلاص اتصلى بيه وبلغيه بموافقتى على الصفقة
– تمام يا فندم

توجهت مسرعة إلى مكتبها وهى فى غاية السعادة وقلبها يرجف لإنها سوف تسمع صوته , فقد فتنها بطلته وأسلوبه الساحر فى الحديث رغم الدقائق القليلة التى إلتقت فيها به , رفعت السماعة على أذنها بعد أن سجلت رقم هاتفه الذى نقش فى عقلها منذ أن رأته لأول مرة , إنتظرت الرد حتى جاءها :
– الو
قالت بقلب يرقص طرباً :
– الو , معاك سحر مدكور مديرة مكتب الاستاذ حسام نور الدين مدير شركة نور الدين للإستيراد والتصدير
قال بوجه مبتسم وقد تذكرها تلك السمكة الصغيرة التى باتت فى طرف سنارته ولا يبقى سوى أن يجذبها لتصبح ملكه :
– اهلا , ازيك يا انسة سحر , مش انسة برده ؟
قالت ببعض الخجل :
– ايوة يا افندم , انا كنت متصلة ابلغ حضرتك ان الاستاذ حسام فى انتظار زيارة حضرتك عشان تتفقوا على الصفقة
ظهرت على وجهه ملامح الانتصار جلية وهو يقول :
– عظيم جدا , وانا بصراحة كنت منتظر تليفونك على احر من الجمر , بصراحة شركتكم حلوة اوى وهواها يرد الروح , والواحد ميشبعش منها أبداً
شعرت بتلميحه بالإطراء عليها , وقالت بسعادة أنثى ساذجة :
– حضرتك اكيد هتنورنا يا فندم
*****************************
كان يمشى بخطى سريعة نوعاً ما بوجهه الذى كان يحمل الشر , كان مرتبكاً قليلاً , ركب سيارته وجلس خلف المقود , نظر بعينه إلى بوابة تلك البناية التى خرج منها لتوه وهو يعلم أن قنبلته التى أشعل فتيلها منذ دقائق وألقاها بالداخل سوف تنفجر الأن
فقد أهلكه التفكير إلى أن هداهه شيطانه إلى تلك الخطة الماكرة , فالغاية تبرر الوسيلة فى تلك الغابة التى يعيش فيها أمثاله بعيداً عن دنيا البشر
لم ينم طوال ليلته حتى ينهى مهمته , ثم قام وتوجه إلى شركة نور الدين ليكمل ما بدأه
فقد قرر أن يعيدها إليه مهما كانت الطريقة
***********************************
كان غارقاً فى عمله , حينما سمع صوت طرقات على الباب , فقال :
– ادخلى يا سحر
دخلت وهى تمد يدها بمظروف وهى تقول :
– الظرف دة فى واحد سابه لحضرتك تحت على البوابة
قال بلا مبالاه وهو يعود مرة أخرى لأوراقه :
– تمام , حطيه هنا وروحى انتى
غادرت بعد أن وضعته أمامه على المكتب
أنهى عمله , وقرر الرجوع إلى المنزل لينل قسطاً من الراحة , بدأ فى جمع أشياءه فوجد ذلك المظروف فتحه ليقع قلبه فى إخمص قدمه من هول ما رأى
كان يحوى لبعض الصور لزوجته بوسى مع تامر فى أوضاع مخلة وملابس فاضحة
كان يحدق بالصور والشرر يتطاير من عينه
لا يعلم كيف وصل إلى سيارته وقادها بسرعة عائداً إلى المنزل
وما إن وصل حتى صعد الدرج مسرعاً إلى غرفتها , كانت تتوسد فراشها وفى يدها بعض المجلات التى تطالعها فى هدوء
حينما إقتحم الغرفة دون سابق إنذار وأغلق الباب خلفه ليقف أمامها والشرر يتطاير من عينه , أجفلت من فعلته وأفزعها رؤيته بتلك الملامح التى لم تراه عليها من قبل
لم تكد تستقبل تلك المفاجأة حتى سمعت صوته الهادر وهو يقول :
– دلوقتى بس عرفت انتى ليه بتبعدى عنى
كانت تنظر له بدهشة وعينها محدقة فى وجهه
أفرغ محتويات المظروف الذى كان يمسكه بيده وقذف ما فيه من صور فى وجهها وهو يقول :
– طبعاً عشان خايفة لأفضحك
نظرت حولها لتلك الصور المتناثرة وهى غير مصدقة لما ترى , فاستطرد وهو يقترب منها :
– بس ربنا هو اللى فضحك
صاحت من بين دموعها :
– الصور دى مش حقيقية , دى صور متركبة , والله يا حسام مش حقيقية
– متحلفيش بالله كدب
– انا مش بكدب هى دى الحقيقة , الصور دى متركبة , انا مش عارفة اثبتلك ازاى انى مش بكدب ؟
إقترب أكثر منها وهو يقول بوجه صلب يكسوه الجمود :
– انا اللى هثبت لنفسى , ودلوقتى حالاً
صعقت عندما رأته يقترب منها ويحاول نزع ملابسها عُنوة , بدأت تصيح به ألا يفعل بها هكذا , ولكن الغضب أعماه فبدأ فى تمزيق ملابسها وهى تصرخ به
لم يكن يرى أمامه سوى غضبه ولا يسمع إلا لصوت شيطانه
لم يرى دموعها ولم يسمع صيحاتها المتوسلة
توقف فجأة عندما شعر بها وهى متشبسة بملابسه ومنكمشة داخل حضنه وهى تقول من بين شهقاتها :
– لا , اوعى تعمل كدة يا حسام , اوعى تضيع منى الأمان اللى بحس بيه وانا فى حضنك , عشان خاطرى مضيعوش منى
تأثر كثيراً بكلماتها , نزع نفسه منها وخرج وهو فى قمة غضبه , لم يكن يعلم من أى شئ يغضب , منها أم من نفسه ؟
ركب سيارته وقادها مسرعاً بلا وجهة محددة , كان لا يرى الطريق بل يرى صورتها وهى تستجديه أن يتركها
إنتبه لصوت زامور تلك السيارة التى كانت أمامه فإستطاع أن يتفادى الصدام معها فى أخر لحظة
فقد أعصابه , فإتخذ جانباً أوقف فيه السيارة وترجل منها , وبدأ يبكى من الألم فقد جُرحت روحه قبل قلبه , فهى روحه التى تسكن قلبه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *