بصحبه طفلى فى الجامعه

طفل يدخل المحاضرة… والعميد يحتضنه كحفيد

في صباحٍ رماديٍ بارد داخل جامعة دمياط، كانت الرياح الخفيفة تعبث بأوراق الأشجار المحيطة بساحة الكلية، فيما يتوجه الطلاب إلى قاعاتهم حاملين دفاترهم وابتساماتٍ متعبة. كان يومًا عاديًا من أيام الدراسة في كلية العلوم الرياضية، لا أحد يتوقع أن يتحوّل ذلك اليوم إلى لحظةٍ تفيض بالرحمة، تلامس القلوب، وتصل أصداؤها إلى كل بيت في مصر.

دخلت طالبة في الفرقة الرابعة تُدعى منة، وجهها شاحب قليلاً وملامحها منهكة، تحمل في ذراعيها طفلًا صغيرًا لم يتجاوز عامه الثاني. كانت خطواتها مترددة، كل خطوة منها مثقلة بالقلق والخجل، بينما عين الطفل تدور في أرجاء القاعة المزدحمة بدهشة طفولية بريئة.

وقفت عند الباب للحظات، تتردد بين الدخول أو العودة، لكنها استجمعت شجاعتها ودخلت بخطوات خافتة حتى وصلت إلى مقدمة المدرج حيث يجلس العميد الأستاذ الدكتور محمود إبراهيم المتبولي، يستعد لبدء المحاضرة.

تقدمت نحوه وقالت بصوت منخفض متقطع:

> “يا دكتور… أنا آسفة جدًا، مضطرة أجيب ابني معايا النهاردة، ما فيش حد يراعيه، والله حاولت.”

رفعت عينيها إليه بارتباك وهي تنتظر ردًا ربما يُحرجها أو يرفض طلبها، لكنها فوجئت بابتسامة هادئة ترتسم على وجهه، ابتسامة تشبه دفء الأبوة.
قال العميد بلطف:

> “مش محتاج اعتذار يا بنتي، ده ابنك يعني ابننا كلنا. خليه معانا، ده منور المحاضرة.”

تجمّد الصمت في القاعة لثوانٍ، ثم تلاشى في ابتسامات الطلبة الذين راحوا يهمسون بإعجاب. أما الطفل، فقد التفت إلى الدكتور المتبولي بعينين واسعتين مليئتين بالفضول، فمد العميد يده إليه وضحك قائلاً:

> “تعالى يا بطل… تعالى عند جدك.”

اقترب الطفل بخطوات مترددة، وما إن حمله العميد حتى استقرت ملامح الراحة على وجهه الصغير. جلَسَ الطفل بجانبه، يعبث بأقلامه ودفاتره، بينما استمر الدكتور محمود في شرح الدرس كأن شيئًا لم يتغير، إلا أن جوّ المحاضرة كله صار مختلفًا.

كانت منة تجلس في الصف الأول، تتابع الشرح بعين وتراقب ابنها بعين أخرى. مزيج من الفخر والامتنان ارتسم على ملامحها. لم يكن ما حدث مجرد سماح لها بالبقاء، بل احتواء صادق في وقتٍ كانت في أمسّ الحاجة إليه.

بعد انتهاء المحاضرة، وقف العميد وهو يحمل الطفل بين ذراعيه وقال مبتسمًا أمام الجميع:

> “عايز أقولكم إن ده مش مجرد ضيف النهاردة… ده حفيدي. وكل مرة والدته تحتاج تجيبه معاها، الباب مفتوح. الجامعة مكان علم ورحمة في نفس الوقت.”

تعالت التصفيقات من كل أنحاء المدرج، بعض الطالبات مسحن دموعهن، والبعض التقط صورًا خلسة لتلك اللحظة الدافئة. لم يكن أحد يتوقع أن أبسط مشهد يمكن أن يحمل كل هذا المعنى.

في المساء، كتب الدكتور المتبولي على صفحته الشخصية منشورًا صغيرًا لكنه عميق:

> “اليوم دخلت طالبة ومعاها طفلها للمحاضرة، وقالت إنها مضطرة تجيبه لأنها ما لقيتش مكان تسيبه فيه. قلتلها خليه معانا. إحنا بشر قبل ما نكون أساتذة. الطفل حفيدي، والجامعة بيت للجميع. الرحمة مش مادة بندرّسها… الرحمة هي اللي بتعلّمنا.”

وفي غضون ساعات قليلة، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالمنشور. آلاف التعليقات والإعجابات انهالت عليه، بعضهم كتب:

> “هذا هو التعليم الحقيقي… تعليم القلب قبل العقل.”
وآخر قال:
“الدكتور المتبولي ضرب أروع مثال للقدوة والإنسانية.”

تحول الموقف البسيط إلى قصة تلهم الناس، تُروى في البيوت والمقاهي وعلى صفحات الأخبار. وربما في تلك اللحظة، أدرك الجميع أن الإنسانية لا تحتاج إلى قرارات رسمية أو لوائح، بل إلى قلب رحيم يرى في الضعف جمالًا، وفي الأمومة قدسية، وفي الرحمة علمًا لا يُنسى.

وهكذا، من بين قاعات المحاضرات والأوراق والمعادلات، خرج درس لن يُكتب في المقررات الدراسية، لكنه سيبقى محفورًا في الذاكرة:
أن أعظم ما يمكن أن يقدمه أستاذ لطالبه… هو أن يعامله كإنسان أولاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *