عقوق العشاق

كل مرة
لم يرتاح تيم لهذه العبارة يشعر بالكذب في كل حرف من حروفها، حاول أن يرسم إبتسامة شديدة التكلف على شفتاه، تركها مع ابن عمه يتحدثان حول تفاصيل اليوم، عاد إلى شقتهم يبحث عن أخته كانت صبا واقفة أمام الموقد تُعد قدحًا من القهوة، ولج بندفاع وقال
فين رُبى يا صبا ؟
اتسعت عيناها ما إن وصل إلى مسامعها صوت اخيها الغاضب، تنحنحت وهي تستدار بجسدها كله قائلة
أنا رُبى صبا هي اللي خرجت تشتري حاجات من الصيدلية
سألها بنبرة غاضبة
ناوي تبطلي اللي بتعملي دا إمتى يا ست هانم البيه خطيبك ماشي مع كل واحدة شوية وأنتِ منكدة علينا و
قاطعته صبا محاولة تقمص دور اختها بالوصف الدقيق، حذرت أخيها وتحدثت كما تفعل رُبى
لم يشك اخيها لحظةً واحدة في أنها صبا وليست رُبى لم تكن مرتها الأولى التي تتقمص دورها لتنجدها من مأزق ولن تكون الأخيرة .
فهي تشوبها حد التطابق، غادر المطبخ بعد مشاجرة طويلة نشبت بينهما كالعادة، ولجت رُبى وقبل أن تستفسر اخبرتها وهي تنظر لها قائلة
تعالي يا ست صبا شوفي البيه اخوكِ بيقول ايه
ولاها ظهره متسائلا بحدة قائلا
كنتِ فين يا هانم
نظرت رُبى لها فتمتمت قائلة من بين شفتاها بهمس
في الصيدلية
ردت بسرعة ما إن جمعت حروف كلماتها، كادت أن يُكمل تساؤلاته لكنه لبى نداء والده مسرعًا، اقتربت منها وقالت غيظٍ شديد
كنتِ فين هو أنا كل مرة هاشيل مصايبك
معلش يا صولا أنتِ أختي وتوأمي و حياتي كلها
يا سلام ولما نتكشف بقى هاجيب منين
ياستي متخافيش محدش يقدر يكشفنا طول ما احنا في ضهر بعض
ردت صبا وهي تربت على صدرها قائلة بتوسل
عشان خاطري يا رُبى وحياتي عندك بلاش نكد بكرا اول يوم رمضان ادخلي قولي لبابا كل سنة وأنت طيب خلينا نستقبل رمضان بخير
ردت باسمة قائلة
حاضر يا صولا ماهو ماينفعش اعمل غير كدا اصلا
تناولت منها القهوة وولجت غرفة والديها، وضعتها على سطح المنضدة الزجاجية، سألها عابد وهو ينفث سحابة دخان كثيفة رغم أنف الجميع
متخليش رُبى تنام من غير سحور ولو مش عاوزة تتسحر معانا دخلي لها الاكل في الأوضة
لا تنكر مدى سعادتها بحديثه واهتمامه بها، جلست على ركبتيها و تناول منه لفافة التبغ ثم قالت بسعادة
دا أنا يزيدني شرف إني اقعد على السفرة جنب الدكتور العظيم عابد المحمدي
تبدلت ملامحه ما إن علم أنها تلك المحتالة وليست تلك المسكينة التي تتدفع ثمن اخطائها، مازال لا يعرفهم جيدًا مازال يتخبط في التفرقة بينهم، اختضن خديه بين كفيها ثم طبعت قبلة عميقة طويلة، حاول التخلص منها لكنها لا تبالي لهذه المحالاوت البائسة الفاشلة، تركته أخيرًا وهي تقول بصوتها الحاني
كل سنة وحبيبي وكبيرنا منور حياتنا ورمضان كريم والسنة الجاية نقولك يا حاج عابد مش يا دكتور
اشتاق لكل كان يفعله لها، تحسس خدها الأيمن وقال بحنو وحب
و أنتِ طيبة يا ابوكِ
عادت تفعل معه ما فعلته منذ قليل ولكن هذه المرة ابتعد وهو يقول بجدية مصطنعة
امك ها تفتكرني متجوز عليها
والله يا دوك تبقى مفاجأة الموسم وياسلام بقى لما يبقى لي اخ يطلع عين سي تيم دا أنا أول واحدة ها قل لك مبروك مبروك ياحياة قلبي مبروك
تعالت الضحكات وتبدل الحزن لفرح في ثوانٍ معدودة، خرجت وتين على إثر ضحكاتهم ظنت إن الماثلة أمامها هي صبا وليست رُبى
جففت يدها في المنشفة وقالت
صولا خلي رُبى تقعد عشان تتسحر ولو مرضتش تيجي دخلي الأكل و
قاطعتها صوت ضحكاتهم، تركت المنشفة من يدها وتسألت بنبرة متعجبة
بتضحكوا على إيه ضحكوني معاكم احسن قربت انسى الضحك شكله إيه ؟
عشان دي رُبى مش صبا
لأ بقى أنا كل ما اخفظكم ارجع اتلغبط فيكم تاني
معلش يا مامي اصل إحنا بنحب الاختلاف والتجديد
عارف جدك ريان وعمي عدنان الله يرحمه كانوا كدا كانوا يعملوا مصايب الدنيا كلها وكل واحد يرمي على التاني التهمة
وجدو ريان كان بيضرب
جدك كان يعمل كل مصيبة والتانية ويخرج منها زي الشعرة من العجينة تقريبا زي كدا اللي كان بياخد على عينه عمي واللي تقريبا كدا زي صبا
داعب رأس ابنته وهو يقف عن المقعد، وقال بجدية محاولا إخفاء تعبه
أنا هاروح اشوف ستك عشان بعتت لي من شوية
تابع بتحذير واضح قائلا
شوية كدا وهانتجمع كلنا عندها ملكيش دعوة بنوح خالص اعملي نفسك مش شايفاه خلينا نعدي الشهر دا على
حاضر بس خلي هو كمان ملوش دعوة بيا
حاضر
ترك وتين تحدثها بعقلانية تخبرها عن تجارب الحياة التي عاشتها قبل وبعد الزواج من والدها، نظرت رُبى لوالدتها وقالت بحزن دفين
أنا كمان ببقى زعلانة اني بكلم بابا كدا أوا بحبه وهو مابيحبنيش
هاتي لي واحد كدا مابيحبش ولاده ؟
بابا
يا مفترية بقى بابا مش طيب ولا بيحبك
مين قال كدا بابا حنية الدنيا كلها في وبيحب كل الناس إلا أنا
رفعت ذقنها لتتقابل نظراتها الحزينة بأخرى ذاهلة متسائلة بنبرة حائرة
ليه ياحبيبتي بتقولي كدا، بابا عمره ما فرق بينك وبين اخواتك وكلكم عنده نفس الغلاوة والمعزة، يمكن بيحبك أنتِ اكتر كمان
اومال لو. بيكرهني كان عمل إيه يا ماما
مالك يا حبيبتي احكي لي إيه اللي تعبك من بابا ؟
كل ما اقل له رامي عاوز نقدم معاد الفرح يقولي لأ ودلوقت سايب نوح يبهدل فيا وفي رامي وبيتريقوا عليه ودايما مقللين منه ليه كلكم شايفينه وحش، مع انه بيعمل المستحيل عشان يثبت لكم إنه كويس ويستحقني
استمعت وتين لابنتها حتى انتهت من سرد حكايتها القت كل ما يجيش في صدرها، بدأت تلتقط طرف الخيط بينها وبين زوجها تلك الحلقة المفقودة التي تسببت في تلك الفجوة، ربتت على ظهر يدها وقالت بهدوء شديد
يمكن معاكِ حق في شوية حاجات بس بردو في حاجات كتير أنتِ مش صح فيها، التسرع في قرار مصيري زي دا لازم التأني في ويا حبيبتي أنتِ لسه صغيرة دا أنتِ عندك عشرين سنة مستعجلة ليه ؟ وبعدين متزعليش مني أنا ماما ومش هضرك بس رامي عاوز يتجوز ازاي وهو مأخدتش خطوة في اللي قال عليه لحد دلوقت فضل يزن على الخطوبة وعملنها وكتب الكتاب وحصل وقال إنه هيستعجل عشان يخلص الفيلا
تابعت ببساطة شديدة
ياستي مش عاوزين فيلا كفاية شقة زي ما كلنا اتجوزنا عندك بابا مثلا أول ما اتجوزنا اخدنا شقة إيجار بعدها رجعنا عملنا شقة هنا
وعندك جدو ريان اول ما اتجوز اتجوز في شقة رغم إن عنده فيلا بتاعت العيلة لكن تيتا نادية الله يرحمها كانت مصممة إن بنتها تتجوز بعيد عن بيت العيلة والمشاكل
ردت رُبى بفضول والإبتسامة لا تفارق شفتاها قائلة
وهو عمل إيه ؟
وافق طبعا وقال سعادة مراتي حبيبتي بالدنيا كلها و فضل عايش اسعد أيام حياته يمكن اكتر من انه عايش دلوقت في الفيلا
ختمت حديثها بحنو وحب
المقصود من كلامي
