الظرف الابيض شروق خالد

#حكايات_شروق_خالد

والظرف وقع من إيدي على الرخام… والورق اتفرد قدام عيون كل الموظفين اللي كانوا واقفين يتابعوا المشهد بأنفاس مكتومة.
بصيت على الورق وأنا مش مصدقة عينيا. الصدمة المرة دي مكنتش خيانة، الصدمة كانت أكبر وأعنف من أي خيانة كنت ممكن أتخيلها.
الورق اللي مالي الأرض كان عبارة عن تقارير طبية، تحاليل، وأشعة مدموغة بختم مستشفى أورام كبير، والاسم اللي مكتوب في خانة المريض بخط عريض كان: **طارق أحمد الشناوي**.. جوزي.
منة قربت مني، دموعها نزلت أخيرًا وقالت بصوت مكسور: “مدام شيرين.. أستاذ طارق عنده ورم خبيث في المخ.. في مرحلة متقدمة. هو مكنش بيخونك.. هو كان بيموت، ومكنش عايزك تعرفي ولا تعيشي معاه شهوره الأخيرة في نكد وعذاب ومستشفيات”.
دماغي لفت، والصالة كلها بدأت تدور بيا. بصيت لطارق اللي كان واقف مكانه، وشه شاحب زي الأموات، وجسمه بيترعش. دموعه نزلت وهو بيبص في الأرض، مش قادر يحط عينه في عيني.
زعقت بصوت مبحوح والدموع بتغرق وشي: “ليه؟.. ليه يا طارق؟.. ومنة؟ والرسائل؟ والعشا؟ والقلوب؟!”
منة ردت بسرعة وهي بتمسح دموعها: “أنا مهندسة برمجيات يا فندم، وبابا الله يرحمه مات بنفس المرض. أستاذ طارق لما عرف حالته، طلب مني أساعده في سرية تامة عشان نرتّب إجراءات نقل ملكية كل ثروته، الفيلا، العربيات، الحسابات البنكية، والأسهم باسمك أنتِ والولاد من غير ما تحسي بأي حاجة قبل ما الوقت يسرقنا.. الرسايل والصور كانت بخصوص التنازلات والشركات، والعشا كان مع المحامي اللي بيخلص الأوراق ومحبش يجي الشركة عشان محدش يشك. والرسالة الصوتية.. كان بيتكلم عنك أنتِ! كان بيقولي: (مش قادر أبطل تفكير في شيرين.. خايف عليها تنهار بعد ما أمشي)”.
وقعت على ركبي على الأرض الرخام وسط الورق وشنط السفر. الوجع اللي حسيت بيه في اللحظة دي كان بيمزق صدري. أنا اللي كنت جاية وشايلة كبريائي وبكل قسوة برمي له حاجته وبينهي خمسطاشر سنة جواز بكلمتين.. طلعت أنا اللي ظالماه.
طارق جِري عليا، قعد في الأرض جمبي، وأخدني في حضنه بكل قوته. فضلت أصرخ في حضنه وأنا بضربه في صدره: “ليه تخبي عليا؟! بتموت لوحدك يا طارق؟ عايزني أكرهك عشان لما تمشي مزعلش عليك؟! أنت غبي.. غبي!”
بكى بحرقة وهو بيبوس راسي: “أنا أسف يا شيرين.. أسف يا حبيبتي. شوفتك تعبتي إزاي لما والدتك اتوفت بالمرض ده، ومتحملتش أشوف الكسرة دي في عينيكي تاني بسببي.. كنت عايزك تكرهيني، تقسي عليا، وتنسيني بسرعة لما أمشي.. مكنتش أعرف إن الوجع هيبقى صعبة كده”.
الشركة كلها كانت بتبكي. الموظفين اللي كانوا مستنيين “فضيحة” و”خناقة ستات”، بقوا واقفين يمسحوا دموعهم في صمت. منة انسحبت براحة وسابتنا لوحدنا في وسط الصالة.
قومت ووقفته معايا، مسحت دموعه، ولميت الورق من على الأرض.
بصيت في عينه وقولتله بقوة وثبات عمري ما حسيت بيهم قبل كده: “الخمسطاشر سنة اللي عيشتهم معاك يا طارق ميهونوش عليا.. ومفيش ورق هيتكتب باسمي، ومفيش موت هياخدك مني وأنا واقفة أتفرج. لو فاضل في عمرك يوم واحد، هعيشه معاك وأنا ببتسم وبحارب معاك لآخر ثانية”.
مسكت إيده بإيد، وبالإيد التانية جريت شنط السفر وخرجنا من الشركة سوا.. مش كزوجين مكسورين، لا.. كحبيبين هيبدأوا معركة تانية خالص، معركة أمل وحياة.
**سؤال:** نهاية القصة فيها تحول درامي قوي (Plot Twist) من الشك في الخيانة لمواجهة المرض؛ هل بتفضلي النهايات اللي بتعتمد على التضحية العاطفية دي، ولا كنتِ بتفضلي لو القصة كملت في اتجاه الانتقام والتمكين الأنثوي؟

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *