ابني مات وهو عنده 20سنه

وبعد ساعات قليلة… اختفت.

اختفت من المستشفى واختفت من حياتي وكأنها ما كانتش موجودة أصلًا ومع مرور الأيام دفنت صورتها في آخر ركن من ذاكرتي، لحد ما نسيتها تمامًا… أو على الأقل كنت فاكرة إني نسيتها.

لكن النهارده…

وفي اللحظة دي بالذات…

كانت هي نفسها واقفة قدامي.

نفس الملامح اللي الزمن زودها نضجًا ونفس العينين اللي شفت فيهم يومها وجعًا ما يتوصفش، لكن الفرق الوحيد إن البنت اللي كانت واقفة منهارة من خمس سنين، بقت النهارده أمًا، شايلة شنطة آدم على كتفها وبتمسد على شعره بحنان وبتطبع على خده قبلة دافية وهي بتبتسم له بكل الحب اللي في الدنيا.

حسيت قلبي بيدق بعنف لدرجة إني حسيت بألمه جوه صدري وكأن كل الأسئلة اللي دفنتها مع عمر قامت من قبرها مرة واحدة وفضلت تصرخ جوايا.

مين البنت دي؟

إيه اللي كان بيربطها بابني؟

وليه كانت موجودة في المستشفى يوم موته؟

وليه الطفل الصغير ده… شبه عمر بالشكل اللي يخوف؟

وليه نفس الوحمة…

ونفس ميلة الراس…

ونفس الابتسامة المرتبكة؟

فضلت واقفة مكاني، لا قادرة أتحرك خطوة ولا قادرة أصرف عيني عنها وكأن في قوة خفية كانت مثبتاني في الأرض ومستنية اللحظة اللي هتقلب حياتي كلها.

وفجأة رفعت وشها من على آدم وبصت ناحيتي عشان تبتسم ابتسامة مجاملة لمدرسة ابنها، لكن أول ما عينيها قابلت عيني… ماتت الابتسامة على شفايفها في لحظة واتسحب لونها واتجمدت ملامحها ووسعت عينيها بصدمة وكأنها هي كمان شافت شبحًا طلع لها من بين ذكريات كانت فاكرة إنها انتهت.

وقفنا نبص لبعض في صمت.

ولا كلمة خرجت من أي واحدة فينا.

لكن الصمت نفسه كان بيتكلم.

وكان بيقول أكتر من ألف سؤال.

ثواني قليلة… لكنها بالنسبة لي كانت أطول من الخمس سنين اللي فاتوا، لأنني كنت متأكدة إنها عرفتني في نفس اللحظة اللي أنا عرفتها فيها.

بلعت ريقها بصعوبة وبصت بسرعة لآدم وحاولت ترسم ابتسامة مهزوزة وهي بتقول بصوت كان واضح إنه بيترعش من الخوف:

آدم… يا حبيبي، روح استنى مع بابا في العربية… هو واقف عند الباب أهو.

لفيت بصري ناحية الباب ولقيت راجل في أواخر الثلاثينات، ملامحه هادية ومحترمة واقف يبتسم لآدم وهو بيفتح له باب العربية، من غير ما يكون عنده أي فكرة إن في اللحظة دي حياة تلاتة أشخاص كانت بتتغير للأبد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *