العروسه العقيمه

بعد خروج الحاج عبدالرحمن من المستشفى، العيلة كلها كانت فاكرة إن الأزمة عدت على خير.
لكن اللي حصل بعدها بأيام، محدش كان متوقعه.
في ليلة، سمعوا خناقة عنيفة طالعة من شقة نجلاء.
صوت تكسير، وزعيق، وشتايم.
أحمد طلع يجري هو وهناء.
لقوا سيد ماسك ورقة في إيده ووشه أحمر من الغضب.
أول ما شاف أحمد، قال:
— “بص يا أخويا… اقرا بنفسك.”
أحمد أخد الورقة، واتفاجئ إنها إخطار من البنك.
فيه قرض كبير متاخد باسم سيد.
رفع عينه باستغراب وقال:
— “إنت إمتى أخدت قرض بالمبلغ ده؟”
سيد ضرب كف بكف وقال:
— “والله ما أخدت ولا جنيه.”
في اللحظة دي، دخل كريم.
أبوه بصله وقال:
— “قول لأعمامك عملت إيه.”
كريم حاول يهرب من الكلام.
لكن البنك كان باعت كل المستندات.
اتضح إنه زور توقيع أبوه، وأخد قرض عشان يدخل مع أصحابه في تجارة، وخسر كل الفلوس.
نجلاء جريت عليه وهي بتصرخ:
— “قولهم إن الكلام ده كدب.”
كريم نزل راسه في الأرض.
وسكت…
والسكوت كان اعتراف.
سيد فقد أعصابه، وقال بصوت كله قهر:
— “أنا تعبت عمري كله عشان أربيكم… وفي الآخر أول واحد يكسرني يبقى ابني!”
أما الحاج عبدالرحمن، أول ما عرف، طلب يشوف كريم.
ولما دخل عليه، قال بهدوء موجع:
— “فاكر يا كريم لما أمك كانت تقول إن الولاد هم اللي هيشيلوا اسم العيلة؟”
كريم سكت.
قال الجد وهو بيبص ناحية الباب، حيث كانت مريم داخلة ومعاها الدوا:
— “اسم العيلة مش بيتشال بالولد… بيتشال بالأخلاق.”
وبعدين نادى على هناء.
أول ما دخلت، قال قدام كل اللي موجودين:
— “سامحيني يا بنتي… سكت سنين على الكلام اللي كان بيتقالك.”
هناء دموعها نزلت وقالت:
— “حضرتك متعتذرش… أنا عمري ما زعلت منك.”
الحاج عبدالرحمن مسك إيدها وقال:
— “لا… لازم أعتذر. إنتِ ربيتي أربع بنات يشرفوا أي بيت.”
أما نجلاء…
فكانت واقفة في الركن، مكسورة لأول مرة.
كل الجمل اللي كانت بتكررها سنين…
“يا أم البنات”… “الخلفة الحقيقية هي الولد”… “العز هيضيع”…
كانت بترجع ترن في ودانها…
لكن المرة دي، هي اللي كانت حاسة بمرارتها.
ولسه القدر مخبيلها اختبار أصعب… هيخليها تعرف إن البنت ممكن تكون رحمة، وإن الولد من غير تربية ممكن يهدم بيت كامل.
بعد اللي حصل، نجلاء بقت مبتخرجش من شقتها إلا للضرورة.
الناس في المنطقة كلها عرفت حكاية القرض، وكل واحدة كانت تقابلها تقول:
— “ربنا يفك كربكم.”
لكن نجلاء كانت حاسة إن اللي كاسرها مش الفلوس…
اللي كاسرها إن الولد اللي كانت شايفة فيه عزوتها، هو نفسه اللي حط أبوه في الديون.
أما هناء…
فعلى قد ما كانت زعلانة على حالهم، عمرها ما شمّت فيهم ولا قالت كلمة تشفي غليلها.
بالعكس…
كانت كل يوم تبعت لبنتها مريم طبق أكل أو شوية حلويات لأم سيد.
وفي يوم، نجلاء نزلت ترجع الطبق.
وقفت على باب هناء وهي مكسوفة.
قالت بصوت واطي:
— “اتفضلي… الطبق.”
هناء ابتسمت وقالت:
— “ادخلي اشربي شاي.”
نجلاء هزت راسها.
— “لا… مرة تانية.”
وقبل ما تمشي، سمعت ضحك البنات.
بصت من الباب.
لقيت مريم قاعدة بتذاكر لأختها ملك، وحبيبة بتحضر الغدا، وجنى بتنضف السفرة وهي بتضحك مع أبوها.
أحمد كان قاعد وسطهم، بيقول وهو بيبص لبناته:
— “والله لو ربنا رزقني مية مرة… هختاركم إنتوا كل مرة.”
الجملة دخلت قلب نجلاء زي السهم.
افتكرت كل مرة قالت لهناء:
“يا خايبة… معرفتيش تجيبي ولد.”
ورجعت بيتها وهي أول مرة تسأل نفسها:
“هو أنا كنت غلطانة طول السنين دي؟”
لكن الإجابة جت بعدها بأسبوع.
سيد تعب فجأة وهو في الشغل، وجاله هبوط شديد، واتنقل المستشفى.
أحمد جري معاه.
وهناء سابت كل اللي في إيدها، وخدت نجلاء وراحت المستشفى.
أما أولاد نجلاء…
كريم قال إنه عنده شغل ومقدرش يسيب المكان.
يوسف كان موبايله مقفول.
وعمر بعت رسالة:
“أنا مع أصحابي في الساحل… هرجع بكرة.”
نجلاء كانت قاعدة قدام العناية، بتبكي.
وفجأة لقت أربع بنات قاعدين حواليها.
مريم جابت لها الدوا.
حبيبة اشترت لها أكل.
جنى جابت لها بطانية لما لقتها بردانة.
أما ملك، فقعدت تمسك إيدها وتقرأ لها قرآن بهدوء.
نجلاء انفجرت في العياط.
حضنت ملك وقالت وهي بتبكي:
— “سامحيني… أنا ظلمتكم… ظلمتكم كلكم.”
هناء قربت منها وقالت بهدوء:
— “إحنا أهل يا نجلاء… والشدائد هي اللي بتبين معدن الناس.”
في اللحظة دي، نجلاء بصت لهناء بعين مليانة ندم، وقالت:
— “أنا كنت فاكرة إن السند بيبقى ولد… طلع السند تربية… والتربية ملهاش علاقة بولد ولا بنت.”
بعد شهرين…
الحاج عبدالرحمن طلب يجمع العيلة كلها في بيته.
أحمد، وهناء، وبناتها، وسيد، ونجلاء، وأولادها… الكل كان موجود.
الحاج عبدالرحمن قال بهدوء:
— “أنا كبرت… ومحدش عارف عمره قد إيه. عشان كده قررت أرتب كل أملاكي وأنا عايش.”
أول ما قال كده، كريم ويوسف بصوا لبعض، ونجلاء افتكرت كلامها اللي كانت بتردده كل يوم:
“يا واد… بكرة عمك يموت ونطلع نقعد في شقته الحلوة اللي فوق دي.”
نزلت رأسها من الكسوف.
طلع الحاج عبدالرحمن ورقة من الملف وقال:
— “أنا قسمت كل حاجة بالعدل… ومش هسمح لحد يبص في رزق حد.”
وبعدين بص ناحية هناء وقال:
— “وفي حاجة لازم أقولها قدامكم كلكم.”
سكت الجميع.
قال وهو بيشاور على بنات هناء:
— “البنات دول شالوني وقت مرضي… وخدموني بإخلاص، من غير ما يستنوا مني حاجة. وربنا شاهد إنهم رفعوا راسي.”
وبص لنجلاء وقال:
— “فاكرة يا نجلاء لما كنتِ تقولي إن البنت مبتسندش؟”
دموع نجلاء نزلت، وقالت بصوت مكسور:
— “فاكرة يا عمي… وياريتني ما قلتها.”
قال:
— “اللي يسند الإنسان دينه وأخلاقه وتربيته… مش كونه ولد ولا بنت.”
قامت نجلاء من مكانها، ومشت لحد هناء.
وقفت قدامها وسط ذهول الكل.
وقالت وهي بتبكي:
— “سامحيني يا هناء… سامحيني على كل كلمة كسرت بيها خاطرك. كنت بعايرك ببناتك… واكتشفت إنهم أحسن من ألف ولد. والله لو الزمن يرجع، عمري ما هقول كلمة تجرح أم.”
هناء حضنتها وقالت:
— “أنا مسامحاكي من زمان… وربنا يهدي ولادك ويصلح حالهم.”
ابتسم الحاج عبدالرحمن وقال:
— “النهارده ارتحت… لأن العيلة رجعت زي الأول.”
خرجت نجلاء من بيت الحاج عبدالرحمن وهي ماشية جنب هناء.
وأول ما قابلت واحدة من الجيران، قالت بصوت سمعه الكل:
— “دي هناء… أم أربع بنات يشرفوا أي حد.”
ابتسمت هناء، وبصت لبناتها وهم ماشيين قدامها، وحمدت ربنا في سرها.
وعرفت إن أكبر نعمة مش إن ربنا يرزقك بولد أو بنت… أكبر نعمة إن يرزقك أولاد صالحين، يرفعوا راسك في حياتك، ويدعولك بعد مماتك.
تمت. ❤️
بقلم ندى الجمل
البارت الثامن
من يوم ما محمود قال إن ريم حامل… وأنا بقيت مش قادرة أنام.
كل ليلة أسأل نفسي نفس السؤال:
إزاي؟
إزاي البنت اللي أنا كنت متأكدة إنها مش هتخلف… تبقى حامل؟
كنت كل ما أفتكر كلام حماتي عن ورث الأرض، أحس إني بخسر المعركة اللي بدأتُها بإيدي.
أما حماتي…
فكانت طايرة من الفرحة.
كل يوم تروح لريم، شايلة معاها أكل أو فاكهة أو هدية.
وكل ما ترجع تقول:
– يا سارة، ريم بنت أصول… والله تستاهل كل خير.
وأنا أبتسم وأقول:
– ربنا يتمملها على خير.
لكن جوايا…
كنت بتمنى الأيام ترجع بيا لورا.
في يوم، وأنا قاعدة مع حماتي، قالت وهي مبتسمة:
– نفسي أشوف ابن محمود وهو بيجري في الأرض مع جده.
ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقلت:
– لسه بدري يا حاجة… الحمل في أوله، وربنا يتمم على خير.
ومن يومها…
كل ما تفرح، كنت أرد بنفس الجملة:
– ادعي بس… لسه كل حاجة بإيد ربنا.
الكلام بدأ يقلقها.
بقت كل شوية تتصل بمحمود تطمن على ريم.
وتوصيه:
– متسيبهاش تعمل أي مجهود.
أما محمود…
فبقى متعلق بمراته أكتر من أي وقت فات.
لو عطست… يوديها للدكتور.
ولو قالت إنها تعبانة… يسيب شغله ويروح لها.
وفي يوم، جم عندنا يتغدوا.
وأنا بجهز السفرة، سمعت محمود بيقول لطارق:
– ربنا عوضني بريم… دي نعمة والله.
بصيت عليهم من بعيد…
وحسيت إن كل حاجة كنت بخطط لها، بتنهار قدام عيني.
لكن رغم كده…
كنت لسه مقتنعة إن في سر أنا مش فاهمـاه.
يتبع…
الشهور كانت بتعدي بسرعة.
ودخلت ريم الشهر التاسع.
البيت كله بقى مستني اللحظة اللي يسمع فيها خبر الولادة.
حماتي اشترت هدوم للبيبي أكتر من مرة.
وكل ما تشوفني تقول:
– نفسي أشيله قبل ما أقفل عيني.
كنت أرد بابتسامة باهتة.
لكن الحقيقة…
كل يوم كان بيعدي، كان بيزود حيرتي.
في ليلة، محمود اتصل بطارق وقال:
– بكرة عندنا آخر كشف مع الدكتور… ادعولنا.
حماتي فضلت طول الليل تدعي.
وتاني يوم، أول ما رجعوا، قالت بلهفة:
– طمنوني.
ابتسم محمود وقال:
– الدكتور قال كل حاجة تمام، وممكن الولادة تبقى في أي وقت.
صرخت حماتي من الفرحة.
– الحمد لله… الحمد لله.
ومن ساعتها، كانت شنطة المستشفى جاهزة جنب باب شقة محمود.
كلنا بقينا مستنيين التليفون في أي لحظة.
وفعلًا…
الساعة كانت اتنين ونص بعد نص الليل.
رن تليفون طارق.
رد بسرعة، وبعدها قال:
– يلا يا سارة… ريم بدأت تولد.
لبسنا على عجل، وروحنا المستشفى.
ريم دخلت غرفة الولادة.
ومحمود واقف قدام الباب، إيده بتترعش من التوتر.
أما حماتي…
فكانت ماسكة السبحة، ومبطلتش دعاء.
كل دقيقة تبص لباب غرفة الولادة، وتقول:
– يا رب قومها بالسلامة… يا رب ارزق محمود الذرية الصالحة.
وأنا…
كنت واقفة بعيد، ببص على الباب المقفول.
وقلبي بيدق بسرعة.
حاسّة إن اللي هيخرج من الأوضة دي…
مش هيكون مجرد طفل.
هيكون بداية لحقيقة هتغيّر حياة العيلة كلها.
يتبع… :::



