نص راجل

نص راجل لحد ما جاهم يطلبوا منه العون، فكان شرطه الوحيد اللي خلى الكل يندم ويتعلم الدرس
الفصل الأول نظرة الفرح اللي كانت بداية الألم
عمري ما هنسى اليوم ده ولا هنسى نظرة أمي ليلة فرحي، اللي كانت مليانة إحراج وكسوف لدرجة ما قدرتش تخبّيها ولا تتجاهلها. كان جوزي عمر اتولد بحالة نادرة خليته قصير القامة أكتر من المعتاد، لكن بالنسبة لأهلي، ده ما كانش مجرد اختلاف جسدي، كان وصمة عار على شرف العيلة، وحاجة لازم يخفوها عن الناس أو يضحكوا عليها ورا ظهره.
ما كانوش مهتمين أبدًا إنه مهندس معماري شاطر ومتميز، إنه كان بيعاملني بأقصى درجات الحب والاحترام، إنه كان صادق وأمين ومش عنده غرور ولا كبر زي ناس كتير عرفتهم. ولا كانوش فاكرين إنه كبر وحده بعد ما أهله الحقيقيين تخلوا عنه وهو طفل صغير، وعاش جزء من طفولته في دار أيتام، واعتمد على نفسه في كل خطوة مشاها.
بالنسبة لهم، هو كان مجرد نص راجل زي ما كانوا بيسمّوه ورا ظهره، شخص يتمنوا لو أقدر أبعده عن صور العيلة، وكل ما كانوا بيلاقوا فرصة كانوا بيتريقوا عليه ويقللوا منه. وحتى أبويا، اللي المفروض يكون عارف قيمة الرجولة الحقيقية، ما حاولش يخبي رأيه ولا يتستر عليه. في خطبة كلمته قدام كل الناس ليلة الفرح، ضحك بصوت عالي وقال أتمنى إن أولادكم في المستقبل يطولوا ويعرفوا يوصلوا لترابيزة الأكل من غير ما يحتاجوا لكرسي تحت رجليهم.
الناس ضحكت معاه عشان مجاملات، لكن أنا ما قدرش أضحك ولا أبتسم، وحسيت بكل كلمة بتخز في قلبي وقلبه مع بعض. وعمر كان واقف بصمت، بابتسامة هادية على وشه، ما رد ولا عاتب، ولا حتى لما رجعنا البيت قال لي كلمة واحدة تزعلني أو يشتكي منها.
والموضوع ماوقفش عند الفرح أبدًا. كل زيارة لبيت أهلي كانت بتنتهي بتعليق جارح أو لمزة تلمح لقصر قامته أو لماضيه في الدار، وكل مكالمة كانت بتذكرني بإن الشخص اللي اخترته يكون شريك عمري، ما كانش مناسب في عيونهم مهما كان صلاحه ونجاحه. مع الوقت، وجدت نفسي ببعد عنهم شوية شوية، بقلل الزيارات والمكالمات، مش عشان زعل منهم، بس عشان ما أكونش موجودة وقت ما يسمعوه الكلام اللي ما يستاهلوش.
أما عمر، فكان أكرم من كل الكلام. ما دخل معاهم في خناقة ولا ناقشهم ولا حاول يثبت لهم حاجة بالقول. كان بيكمل حياته بهدوء وثبات، يشتغل بجد، يتعلم كل جديد في مجاله، يطور نفسه، ويرد الإساءة بالحسنى. وكل سنة كانت بتمر، كان نجاحه يزيد ويكبر، لحد ما فتح مكتبه الخاص، واخد مشاريع ضخمة، وكل الناس بدأت تحترمه وتقدره غير أهلي طبعًا، اللي استمروا على موقفهم لحد ما ضربتهم الأيام.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *