ماما …الحقينى

ماما الحقيني أهل جوزي أذوني.
جالي الاتصال ده، فخرجت فورًا من مقر خدمتي في القاهرة الجديدة، ولسه لابسة الزي الرسمي بتاعي.
كانت بدلتي العسكرية مكوية بعناية، والنياشين على صدري بتلمع تحت ضوء الغروب وأنا سايقة عربيتي في شوارع القاهرة متجهة إلى مستشفى السلام الدولي.
الاسم المكتوب على الشارة الذهبية فوق جيبي كان
العقيد ليلى منصور
وما كانش في دماغي غير فكرة واحدة بس
ألاقي بنتي.
أول ما دخلت قسم الطوارئ، ممرضة وقفت قدامي بسرعة
يا فندم، مينفعش تدخلي كده
قاطعتها بصوت ثابت بنتي فين مريم منصور؟
بصّت في وشي لحظة
وبعدين سكتت ووسّعت الطريق.
لقيت مريم في أوضة صغيرة آخر الممر. كانت متكوّرة تحت بطانية خفيفة، وشها شاحب، وملامحها مليانة خوف وألم. دراعها كان باين عليه آثار شدّ وعنف، وفستانها الأبيض الغالي مقطوع ومتّسخ.
بنتي الجميلة
نفس الطفلة اللي كانت بتكلمني كل ليلة وأنا في مهمة، بس علشان تحكيلي عن غروب الشمس.
نفس الطفلة اللي كانت بترسم للجنود وتلزق رسوماتها على التلاجة لما أرجع البيت.
دلوقتي بالكاد قادرة ترفع راسها.
ماما قالتها بصوت واطي.
جريت عليها وضمّيتها.
جسمها كله كان بيترعش زي طفل خايف.
وفجأة سمعنا ضحك من ورايا.
هي دايمًا بتبالغ.
لفّيت ببطء.
كان واقف عند الباب جوزها كريم السيوفي، وأمه نادية السيوفي، وأخوه الكبير رامي السيوفي.
بدل فخمة.
ساعات غالية.
ابتسامات مصطنعة.
وغُرور واضح في كل ملامحهم.
نادية كانت لابسة حلق ألماظ، وابتسامتها باردة لدرجة تخلي المكان كله يتجمد.
قالت بنعومة مصطنعة يا عقيد ليلى، بنتك كان عندها حالة نفسية بسيطة
ووقعت لوحدها محدش لمسها.
مريم مسكت في هدومي بقوة لا يا ماما هم حبَسوني في بيت الضيوف خدوا مني موبايلي وقالوا لو سيبت كريم هيشوهوا سمعتي.
كريم لف عينه بملل هي بتضخم الموضوع دايمًا حساسة زيادة عن اللزوم.
رامي ضحك بخفة في ستات بتتجوز عائلات أكبر منها ومتبقاش قد المقام.
فضلت واقفة جنب بنتي، ومسبتهاش لحظة.
نادية قربت خطوة وقالت بصوت منخفض بلاش نكبر الموضوع عيلتنا ليها علاقات قوية في القضاء والإعلام وحتى في الحكومة.
قرّبت أكتر وهمست رتبتك العسكرية مش هتخوفنا.
رامي ابتسم بسخرية خدي بنتك وامشي واعتبري نفسِك محظوظة إننا مش هنرفع قضية بسبب الاتهامات دي.
بصّيت لكل واحد فيهم
واحد ورا التاني
بهدوء.
بهدوء زيادة عن اللزوم.
هما افتكروا إن سكوتي خوف
لكن الحقيقة؟
كان بداية النهاية بالنسبة لهم.
الجزء الثاني
كنت ما زلت واقفة ساكتة.
لكن جوايا، كل حاجة كانت بتتحرك بسرعة.
بصّيت على مريم، ومسحت على شعرها بحنان مفيش حد هيقربلك تاني أنا هنا.
رفعت راسي وبصّيت لنادية وقالت بهدوء حاد الكلام ده هتقولوه فين؟ في النيابة؟ ولا قدام المحكمة؟
ابتسامتها اتجمّدت للحظة بس حاولت ترجع ثقتها إحنا مش مضطرين نثبت حاجة.
طلعت موبايلي بهدوء وطلبت رقم.
لواء سامح؟ معاك العقيد ليلى منصور محتاجة دعم فوري في مستشفى السلام الدولي قضية اعتداء واحتجاز.
الصمت نزل زي السكينة على المكان.
كريم ضحك بسخرية بتحاولي تعملي شو؟
بصّيت له بثبات لأ أنا ببدأ بس.
خلال عشر دقايق
باب المستشفى اتفتح بعنف.
دخلت قوة من الشرطة العسكرية ومعاهم ضابط برتبة لواء، وخلفهم قوة من الشرطة المدنية.
الممرضين وقفوا مذهولين.
والنظرات اتغيّرت.
نادية حاولت تتكلم إيه ده؟ إنتو مش فاهمين إحنا مين
اللواء قاطعها بصرامة إحنا عارفين كويس إنتو مين وعارفين كمان عملتوا إيه.
وجهه اتجه لكريم أستاذ كريم السيوفي عندنا بلاغ رسمي باحتجاز زوجة، اعتداء بدني، وتهديد.
كريم فقد ابتسامته لأول مرة الكلام ده كذب!
مريم شدّت إيدي وقالت بصوت ضعيف عندي تسجيل كنت مخبية موبايل قديم.
الكل سكت.
بصّيت لها بصدمة تسجيل؟
هزّت راسها سجلت كل حاجة تهديداتهم وكلامهم.
رامي حاول يتدخل بسرعة حتى لو في تسجيل هنطعن عليه
لكن الضابط رد ببرود ده شغل النيابة مش شغلك.
نادية كانت لسه بتحاول تسيطر إنتو مش عارفين العواقب إحنا نقدر
قاطعتها المرة
دي لكن بصوت هادي مرعب العواقب؟ أنا بشتغل في أخطر الظروف وشفت ناس أقوى منكم وقعوا.
قربت منها خطوة إنتِ بس اختارتي الغلط اختارتي تأذي بنتي.
ثواني
والأوامر صدرت.
اقبضوا عليهم.
اتسحبت الأرض من تحتهم.
كريم بدأ يزعق.
رامي فقد هدوءه.
نادية أول مرة الخوف يظهر في عينيها.
وأنا؟
كنت واقفة جنب بنتي ماسكة إيديها.
حسيت رعشتها بدأت تهدى.
همست لها خلص كله خلص.
لكن الحقيقة؟
ده كان لسه البداية.
الجزء الأخير
الأيام اللي بعد الليلة دي كانت تقيلة، بس حاسمة.
القضية اتحولت للرأي العام بسرعة.
التسجيل اللي مريم قدمته كان صادم أصوات واضحة، تهديدات صريحة، واعترافات من غير ما ياخدوا بالهم إنهم بيتسجلوا.
الإعلام اتكلم.
والناس بدأت تفهم الحقيقة.
عيلة السيوفي اللي كانت فاكرة إن نفوذها هيحميها بدأت تقع واحدة واحدة.
كريم اتحبس احتياطي على ذمة القضية.
رامي دخل في تحقيقات موسعة بسبب محاولته التأثير على الشهود.
أما نادية
فأول مرة، ملامحها القاسية اختفت وبقى الخوف هو المسيطر.

