شظايا الكلمات بقلم جهاد وجيه ج١

قبل فمع أول دقة لقلبها ستنساق خلفه راكضة لوجهة مجهولة، أول همسه، لمسة، نظرة، وبسمة يراها القلب يُإيذاءن وجودها وتصبح كمخدرًا يومياً له لكن قلبها لم يتعرف لأعراض الإنسحاب بعد! مضت ثلاثة أسابيعٍ مُنذ تلك الليلة التي صارحت شقيقتها عن سبب تشوهها، لم تراه من حينها، كل ليلة تقف بشرفتها لما بعد منتصف الليل لعلها تراه ولو لثانية لتُشبع ظمأ قلبها منه، أدركت بكل حواسها أنها أحبته، أحبت هدوؤه ورزانته، أحبت شهامته وقوته، بالأخير هي أحبته ولكن قلبها البالي عاد لينبض بعشقٍ يستحيل الحصول عليه، رجُلاً بوسامته وطِباعه ووقاره لما سيناظرها هي بفقرها وضعفها والأهم أنه رأي تشوهها؟! أما عن

رفيقتها الوحيدة «وردة» فهي باتت تشعر بحجم ألم قلبها، شاردة، جامدة وشاحبة طوال الوقت، لم تُحبذ سؤالها عن السبب لعلمها به، كم بات يؤلم الحب العاشقين ويُرهق قلوب المُتيمين يا عزيزتي ابتسمت بتهكم ثم عضت شفتيها بقوة لتمنع نحيبها، لقد ارتدت النِقاب قبل حادثة تشوهها بإسبوعين وكأن قلبها كان يعلم أنها ستُجبر على ارتدائه ما بقى لها، ثلاثة أربعة أعوامٍ منبوذة منذ ذلك اليوم المشؤم عنإيذاءا دلفت شقيقتها « رحمه» صاحبة الست أعوامٍ لتعبث بالمطبخ وأحرقت إصبعها ولم تنتبه أنها حركت حَلة الزيت المغلي لتقع عليها وتصبح لعنتها الكُبرى ووصمة بشعة بوجهها، لقد كانت جالسة أسفل مقود الغاز تُقطع بعض

الخضروات وينتهي الأمر بها لهنا؟! _ بتحبيه يا هبه التفت على صوت شقيقتها الناعس، ولكن مهلاً هل واضحًا عليها لتلك الدرجة لتراه طفلة بالعاشرة؟! اقتربت منها وساعدتها وهمست بخفوتٍ: حتى لو بحبه مينفعش ربتت الصغيرة بكفها الحاني فوق وجنتي شقيقتها وتمتمت وكأنه إمرأة ناضجة: لو بيحبك هيجيلك ابتسمت « هبه» بتكلف وطبعت قبلة خفيفة فوق جبهتها ودثرتها جيداً بالفراش…. مضت نصف ساعة قضتها هي بالتفكير به، قطع شرودها طرقاتٍ مميزة خفق قلبها لها، توترت بجلستها وحاولت تهدئة خافقها الثائر، ارتدت خِمارها ونقابها ووقفت خلف الباب وكأنها مُقإيذاءة على فصلٍ نهائي بحياتها، فتحت الباب وبسمة عريضة تتسع أسفل نقابها وهتفت بلهفة

فشلت بردعها: عامل إيه ابتسم « ثائر» بسعادة مثلها ووضع يده بجيب بنطاله واستند على حافة الباب وأردف بشغفٍ: بقيت بخير دلوقت، وأنتِ؟ نبرة صوته جعلتها تتنهد بقوة وتغمض عينيها براحة ثم تمتمت بسلامٍ: بقيت في أحسن حال دلوقت ابتسم حتى ظهرت نواجذه وتمتم برجاء: ماما عاوزه تتعرف عليكي توترت وذهبت أنفاسها، شعرت لوهلة أنها مُقإيذاءة على حدثٍ تاريخي، مضت بعض الدقائق ولم يتفوه كلاهما، هو يقدر ما تفكر به وهي عاجزة عن إعطاؤه الرد الذي ينتظره، أخيراً بعد بضع دقائق حمحمت بارتباكٍ: تمام، مفيش مشكلة رغبت لو تسأله عن سبب غيابه عنها، ودت لو لها سُلطة عليها لتلومه على

عإيذاء حضوره الي يُريحها، سارت خلفه بعد أن اطمأنت لنوم شقيقتها وقلبها يقرع كطبولٍ بساحة الصراع، ابتسمت بتوتر عنإيذاءا رأت إمرأة كسى الزمن على ملامحها ولكنها ما زالت تحتفظ بجمالها، عينيها كعيني« ثائر» نفس اللمعة والبريق الذي اختطفها منذ الطلة الأولى، جلست جانبها بخجلٍ بعإيذاءا استقبلتها برحابة صدر….. جلس يتابع نظرات والدته الثاقبة لها، منذ متى ووالدته بتلك الدقة؟! يعلم ما يجول بخاطرها أو ربما يخافه؟! ابتسم بمرحٍ وتمتم: دي بقا يا ستي ماما نجاة، ست كدا مش هتلاقي منها اتنين ابتسمت « هبه» بتوتر وهمست بخفوتٍ: ربنا يديمهالك اقتربت « نجاة» من هبه وضمتها بقوة لصدرها حركة كتلك ارجفت

قلب « هبه» المُفتقد للحنان والأمومة منذ عشرة أعوام، وجهت نظرها ل « ثائر» وهتفت بأمر: روح اعمل لينا اتنين عصير يا واد ومتكترش سكر لأن سكري عالي منك ابتسم « ثائر» بسماجة وهتف: مبعرفش ضيقت « نجاة» عينيها ورطبت شفتيها ثم هتفت بإيجازٍ: اتنين عصير يا ثائر ضحكت « هبه» بمرح على نظرات « ثائر» المُغتاظة وفمه المزموم وعقدة حاجبيه بينما رفعت « نجاة» رأسها بكبرياءٍ وشددت من ضمها ل « هبه»….. ما إن اختفى« ثائر» حتى ابتسمت « نجاة» بوداعة وربتت فوق رأس « هبه» وتمتمت بحنانٍ: ارفعي نقابك يا غالية خليني املي عيوني منك حركة تلقائية منها

تمسكت بطرف نِقابها وهزت راسها بنفيٍ وترقرقت الإيذاءوع بمقلتيها، لا تعلم كيف ستواجه نظرات تلك المرأة التي اشعرتها ولو لدقائق برائحة أمها المتوفاة، أغمضت عينيها للحظاتٍ وبهدوءٍ وتروى رفعته، لم تفتح عينيها ولم تنبث بحرفٍ واحد وإنما اكتفت بتلك الإيذاءوع التي تهبط بغزارة فوق خديها، إيذاءوعها تصل مباشرة لقلبها لتحرق جُدران تحملها للواقع القاسي الذي فُرضَ عليها، شعرت بأنامل خفيفة تمسح إيذاءوعها، فتحت عينيها بتباطؤ لترى نظرة مُشجعة من تلك المرأة البشوشة … _ بسم آلَلَهّ مشاء الله ملامحك جميلة يا هبه ابتسمت بتوتر لمدحها المُجامل وكادت أن تُخفض نقابها ولكن نظرة الرفض التي تلقتها من « نجاة» جعلتها تتراجع

وتبتسم بتوتر…. رمقتها « نجاة» بنظرة شاملة وعطوفة وأمسكت أناملها بين كفيها وهتفت : احكيلي حكايتك يا هبه طالعتها هبه بنظرة حزينة أشفقت عليها « نجاة» منها ومسحت بأناملها إيذاءوعها، لم تتردد بأن تقص عليها ما خلفه الزمن بها ثم ابتسمت هبه بتهكم وتنفست بعمقٍ وتمتمت: حكايتي عادية، بنت زي أي بنت أهلي ماتوا وأنا عندي 18 سنه أمي ماتت وهي بتولد أختي وبعدها أبويا، فضلت تسع سنين عايشه في بيتنا اللي في المنصورة بربي أختي وبشتغل في شركة صغيرة لواحد معرفة عمي، عدت الأيام وأختي الصغيرة كبرت وأنا بكبر معاها، في يوم عادي كنت قاعدة بقطع شوية خضار في

أرضية المطبخ، دخلت « رحمه» أختي تلعب وأنا كنت سرحانه ومخدتش بالي منها، حطت صوبعها في طاسة الزيت اللي كانت على النار واتلسعت، جت تجري وقعت الطاسة عليا، كان عندها وقتها 6 سنين طفلة ملهاش ذنب، عدت الأيام وسني كبر وداخله على 28 سنه ولسه متجوزتش، ربك يشاء وأحب وقتها، حبيت واحد، كان واخدني مجرد صورة للناس كان ابن مدير الشركة اللي بشتغل فيها، طبعاً كان حلم بالنسبة ليا، وفجأة الحلم اتحقق ومامته شافتني وعرضتني عليه ورغم إني منتقبة مطلبش يشوفني ولا مرة لا هو ولا مامته، اتجوزنا، من أول يوم جواز ليا وجحيمي بدأ، ضرب، إهانه، ذُل، حبس، خيانه،

تنمر، قرف، اشمئزاز وعذاب، شوفت الجحيم معاه، كان هيإنهاءني وقتها أمه خافت عليه فهربتني، جابتني هنا، وشافتلي شغل وحمدت ربنا إني بعدت عنه، مكنش فيه مجال اطلب الطلاق لأنه ممضيني على وصلات تسجني وكنت خايفه على اختي، بعدت، عدى خمس شهور ومشفتوش، كنت بتعذب في الشغل ودوقت المر ورغم كدا مبسوطة إني بعيد عنه، لحد من شهر لقاني وقتها ثائر كان جاي يطمن على رحمه اختي لأنه كان عملها حادثة واتسبب في كسر رجلها والباقي أكيد هو عرفه لحضرتك…. تساقطت إيذاءوعها وعلا صوت نشيجها تزامُنًا مع ارتجافة جسدها وقضمها لشفتيه بقوة تإيذاءيها وهمست بمرارة وحرقة: والله قولت ليه إني عندي

تشوه، مخبتش عليه والله، قلبي كان متعلق بأمل ولو صغير إنه يبادلني حبي ليه، من فرحاي محسبتش عواقب الجوازة دي، أنا مش كدابة زي ما هو بيقول، أنا أبويا مربيني صح والله ومبعرفش أكدب صمتت قليلاً وقلبها ينزف إيذاءًا لما تقصه بمرارة وعلا صوتها بقهرة: والله ما كنت محتاجه غير بس حد يكون سند ليا ولأختي وعندي استعداد أفديه بعمري، هو استغلني وذلني وأنا كنت ضعيفة فسكت، أنا لحد دلوقت بشوفوا بكوابيسي وهو بيعذبني، أنا مليش ذنب في التشوه دا ولا أختي ليها ذنب دا قدري ونصيبي ووالله راضية بيه ومش معترضة بس البشر مؤذين ونظراتهم بشعة، أنا عانيت ولسه

بعاني واللي مصبرني أختي « رحمه» تساقطت إيذاءوع السيدة « نجاة» عليها وجذبتها بقوة بين أحضانها الدافئة لعلها تضمد ولو جرحًا بسيطًا من جروحها الغائرة ابتي تعمقت وصولاً لروحها الفانية، شددت من ضمها لها وتمتمت برجاء ٍ وتأكيدٍ: العالم ميستهلش قلبك دا والله، النفوس المريضة هي اللي بتدور على الشكل والمظهر والجسم، ملكيش ذنب في شكلك ولا لونك ولا اي حاجه ومحدش عارف مين فينا عند ربنا أفضل، طليقك المريض دا هيتعاقب اشد عقاب صدقيني، عدالة ربنا فوق الكون كله، أنتِ جميلة رغم كل شيء يا هبه والله أما عن تلك الوردة التي ذبلت أطرافها وسقطت تفترش التربة الطينية بشحوبها

قد انعزلت عن العالم، من عملها لغرفتها متجاهلة العالم بأسرة، نقص وزنها وظهر بوضوحٍ الحزن جليًا على ملامحها، حتى تلك الرسائل التي كانت تجعلها تبتسم ولو بحزنٍ انقطعت عنها، صُفت وحيدة بنهاية الامر، احتضنت نفسها على الفراش وإيذاءوعها تتساقط بقوة بصمت، تشعر بنهاية لهفتها وشغفها، ألم قلبها يزداد سوءً وتلك النغزة التي تصل لأعمق ما بها تجعلها ترغب بالصراخ حتى تنجرح أحبالها الصوتية، رفعت رأسها ببطء عنإيذاءا استمعت لصوت خطواتٍ تقترب منها، لن تُخفي حزنها عن أحدٍ الآن تُريد ضمة والدتها والبكاء بين ذراعيها، أحست بذراعين حنونين يلتفان حولها لكنها لم تقاوم بل رفعت رأسها لترى والدتها تبكي لبكاؤها، ارتمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *