قلوب ضائعة بقلم دنيا صلاح ج١

-وإحنا قصرنا معاكي يا ماما، الحال ربك هيدبرها، لكن نوقف علاجك لا، دا أحنا مصدقنا ايدك تتحرك من تاني، يلا أنا يدوب الحق أوصل.. وسارعت بالخروج من الغرفة لتضع الصينية بالمطبخ، وتركض لارتداء ملابسها…
**
امتلاء المنزل بعبق رائحة طعام الإفطار، لتتسلل الرائحة في مداعبة غير ناصفة للبطون، فتجعل من تُداعبهُ يُصيح بانفعال، ليُخبر من حولة عن زقزقة الطيور ببطنه، وهو لم يختلف كثيرًا، بل خرج من غرفة نومة سريعًا، ويداهُ ترتفع لوضع تلك العبائة السوداء على كتفه، وبصياح غا,,ضب.. – فين الأكل يا “جميلة..
زفرة ساخطة، تليها تحريك شفتيها يمينًا ويسارًا، قبل أن تمتد يديها لغلق الموقد، لتحمل طبق الفول الناضج بيد، وبالأخرى تحمل أكواب الشاي، لتتحرك ببطء مُعتاد ومع كُل خطوة تخطوها تصدر الحلقات الذهبية حول يديها أصواتًا، لتمر دقيقتان وتضع أكواب على المائدة، وبلهجة سا,,خطة :

-في إيه يا “جابر” من صبحية ربنا بتز,,عق..
دس عدة لُقم دفعة واحدة لفمه، لتبدأ أسنانهُ بمضغ الطعام، و شفتاهُ تنفرج بالجواب :
-ساعة عشان تخلصي الفطار، دا مكنش طبق فول وشوية بطاطس..
امتعض وجهها من نبرتهُ، وبلهجة حانقة :
-طب كُل يا أخويا، أهو دا الي باخدوا منك..
وبتساؤل :
-فين البت “رضوى”؟..
-نايمه، هتكون فين يعني..
بسخط عجز عن كتمة :
-هو أنتِ لو رديتي عدل هتتعبي يا ولية..

يبدوا أنها لما تسمع سخطها منهُ عدا كلمة ولية التي نطقها، لتنفرج شفتيها ب و ، يعلوهما الاستنكار :
-مين دي الي ولية يا “جابر”، فشر دا أنا ست الستات.
تجرع ما بالكوب دفعة واحدة، وهم بالانصراف مع كلمات حانقه :
-نسوان تجيب الفقر… وصفع الباب خلفه، ولسانهُ لا ينفك عن إلقاء الشتائم..
زاد مُعدل ال لديها حتى وصل لذروته، لترتفع يدها في عُنف لتجمع الأطباق من فوق المائدة، وتتحرك ب نحو المطبخ، ليصل لاذانها طرقات على باب البيت، لتتحرك صوب الباب دون السؤال عن الهوية؛ فليس هُناك من يطرق باب بيتها سواه، لتفتح الباب بترحاب، يسودهُ العِتاب :
-كدة يا “حمدي” الغيبة دي كلها..

أغلق “حمدي” باب الشقة خلفة، وتحرك للجلوس على الاريكة، ويداهُ تخلع الحِذاء :
-معلش يا “جميلة”، ما أنتِ عارفة الشغل وهمو..
جلست على الكُرسي المُجاور، وبسخط :
-شغل إيه يا أخويا، إلي يغيبك الغيبة دي كلها، إن مكنش حال إنك قافل الدُكانة الي حيلتك وبتتسرمح بالتاكسي..
-أنتِ هتقطميني ولا أيه يا بنت أبويا..
-ولا هقطمك ولا نيله ..
-طب قومي جهزيلي لقمة، وأنا هريح شوية.

-طيب، روح ريح في أوضه مصطفى.. وهمت بالانصراف لتحضير طعام الغداء، وعقلها يُبحر في حال ابنها الهارب من ع,,شق تلك البومة، وأخيها الأحمق المُتعلق بأختها، وكأن الدينا ليس بها نساء سوى بنات “نعيمة”.
**
داعبت شمس الصباح عينها بإزعاج، لتنتهي من ركضها على تلك الألة الرياضية، وتتحرك بخيلاء أنثى لم تتجاوز الثامنة عشر رغم دلوفها لمنتصف العِقد الخامس، ولكن إن لم تتحرك بخيلاء فمن ستتحرك!..
فهي ليست شخصًا عاديًا فحسب، بل هي “صفية الجيار” إحدى إبناء الطبقة الراقية، وإحدى،، المُذيعات اللامعات في فترة التسعينات، أكملت طريقها إلى المطبخ؛ لتُلقي التعليمات على الخادمة بتجهيز طعام الإفطار، لتُسارع بالخروج والذهاب لغرفتها، لتُلقي تحية الصباح على الجالس على كُرسيه المُتحرك بهدوء :
-صباح الخير يا “توفيق”.. ولم تنتظر الجواب بل سارعت لأخذ حمام دافئ يُعيد لها حيويتها من جديد، ويزيل حبات العرق من جسدها..

حرك “توفيق” رأسهُ بلا فائدة، فزوجته لم ولن تتغير، لا تُقدس سوى روتينها الصباحي، وكأن لا وجود لهُ، لترتفع يداهُ السليمة ببطء شديد لتضغط على زر الكُرسي؛ ليتحرك في أرجاء البيت، تلك الشقة التي استطاع الحِفاظ عليها بعدما خسر جميع أمواله في الثورة، ليُكمل الضغط على الزر ليتوقف في الشُرفة، وعيناهُ تُسافر في صفحات النيل، بشجن يُصيب وتينهُ في م ، لتخرج أنفاسُه حارة كالجمر رغم مرور ” خمس وعشرون عام” لم ولن ينساها، فأن أصاب عقلهُ الجنون، فقلبهُ العاشق حد الثمالة لن يطاوعهُ، لتعصف بهِ الذكريات لقبل سنوات….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *