قلوب ضائعة بقلم دنيا صلاح ج١

-القهوة يا آنسة “صابرين”..
تناثرت البسمة على وجهها، وبمشاكسة :
-برضو يا عم “صابر”، دا أنت الي ماضي على ورقة طلاقي..
قابل بسمتها بأخرى أكثر اتساعًا، وبنفس اللهجة الحانية :
-برضو هتفضلي آنسة لحد ما تلاقي واد ابن حلال..
-لا حلال ولا حرام يا عم “صابر”، أنا خدت نصيبي من الدنيا والحمد لله على كدة.
-بكرة تلاقي الي يراضي قلبك، وهتقولي عم
” صابر” قال..
-طيب يا عم “صابر”..

-يلا يا بنتي اشربي قهوتك..
حركة رأسها بإيماء خافت، قبل أن تعود للورقة من جديد، وعقلها يُبحر في ملامح الطفل….
ترجل “خالد” من سيارتهُ، وعيناهُ تبحث عن لافتة المجلة أين تقبع، لتقع عيناهُ عليها بالدور الثالث، فيُسارع بالتهام الدرج ، لتمر دقيقتان وكان يقف أمام الباب يبحث عن أحدًا يُخبرُه؛ بمكتب مدير المجلة، لتقع عيناهُ عليها ليُسارع بالقول :
-لو سمحتي فين مكتب أنكل “ثروت”.
تعجبت من وجود شخصًا كهذا هُنا، ربما لأنها تعرف وجوه العاملين، وقبل أن تبدأ بتفسير الأمر كان صوتهُ، بتلك الكلمة يزيد من تعجُبها، لتضع تعجبها جانبًا قبل أن تُجيب:
-آخرة الطرقة يمين..
شكرها بهدوء، وتحرك لوجهتهُ، لتعود لأوراقها من جديد…

**
ضجيج مُحبب ينتشر بين جُدران البيت، فتلك هي عادتها التي لن تتخلى عنها، أكملت “رحمة” صياحها مُرتفعة، وتُلقي حذائها بجوار الباب، ويداهُ تُحرر شعرها من عِقاله، لتُسارع لغُرفة والدتها، يمرح :
-نونا، يا نونا…
اغلقت “نعيمة” مُصحفها، وبتلك النبرة الحانية المُشبعة بقليل من الحزم :
-كنتِ فين يا “رحمة” لدلوقتي…
سارعت يداها برفع الغِطاء؛ لتُلقي جسدها بجوار والدتها، وبنبرة مُنهكة للغاية؛ فقد قضت ليلتها في التنقل بين الغُرف :
-يا لهوي يا نونا كانت نبطشية فل، طبلت على دماغي في الأخر..
-النبطشية بتخلص على 8الصبح، والساعة داخلة على 2بعد الظهر كنتِ فين؟..
اعتدلت في نومها، ويداها تُسارع برفع كتف والدتها لتندس بداخله، لتُكمل بمرح :
-رغم أني حاسة بإهانة لكن مش مهم، بصي يا ستي، النهاردة كام في الشهر..
-بطلي لف ودوران يا “رحمة” كنتِ فين؟..
-لا لف ولا دوران كنت بجيب جدول الامتحان، هبدا على أول الشهر..
-طيب وشغلك..

أغمضت عينيها بإرهاق شديد، وبهمس نائم :
-ولا أي حاجة، الشفت بتاعي هينزل مساء بعد الامتحان، تصبحي على خير، لتسقُط في ثبات عميق دون أن تُبدل ملابسها، لتبقى عيني “نعيمة” تطوف على وجهها بأسي فهي لم تخطوا العِقد الثاني بعد وتتكفل بدراستها دون أن تزيد من أعباء ابنتها الكُبرى، لتنفرج شفتيها بدعاء دون كلل أو ملل بالصلاح لهم…
**

دقت الساعة الجدارية تمام الرابعة عصرًا، لترفع “صابرين” عينها عن الورقة، وبسمة راضية تُزين ثغرها، فقد قضت ما يُقارب من ثلاث ساعات للوصول لذلك الشكل النهائي، لتهب واقفة؛ لتتجه لغُرفة مدير المجلة، طرقة، اثنتان، وكان الجواب بالدخول، لتفتح الباب بإستحياء لا يُفارق وجهها، وبنبرتها الهادئة :
-أستاذ “ثروت” خلصت..
انفرجت شفتاهُ عن بسمة لزجة أظهرت اصفرار أسنانُه، وبعين سافرة تطوف على سائر جسدها، رغم حشمة ملابسها وحجابها، ولكن هُناك البعض لا يُبالي سوي بكلمة أنثى أو ما لُحِقَ بتاء التأنيث، ليمد يداهُ في طلب الورقة التي بحوزتها مُتعمدًا لمس أصابعها يدها، ولكن…

كان “خالد” يُراقب الوضع، وتعجب من نظرات “ثروت” لها، وقبل أن تصل يدي ” ثروت” لها كانت أصابعهُ تلتقط الورقة من يدها، ليستطيع رسم ملامح مُنهكة في التدقيق في تلك الرسومات، ولكن زال إنهاكهُ المُفتعل في ثوان، ليحتل إنهاك حقيقي بفعل تلك الرسمة، ربما تقليدية ولكن بها نكهة ما لا يعرفها، فقد كانت رسمة كرتونية لطفل يرتدي إحدى ملابس القِتال من كرتون الأطفال، وبيدهُ يحمل سيفًا من نهايتهُ أو على حد صحيح مقبض اليد الذي يُمسك بهِ السيف كان بشكل الصابون، وعيني الطفل تشتعل بال ليُ ذاك الشكل المُقيت للفيروس… ليبتسم بصدق، وعِبارات الثناء تهرب من حلقه :
-حلو أوي…

أصابها التوتر لبضع ثوان؛ فلا تعرف ماذا تفعل، وتخشي أن يرفض المُدير التصميم فتعود من جديد للبحث بين حنايا عقلها عن شكلًا أخر….
رحم “ثروت” توترها الجلي، وأخذ الورقة من “خالد”؛ ليُقيمها، وبلهجة عملية :
-كويس يا “صابرين”، عدي على الحِسابات، وأنا هبلغهم…
حركت رأسها بنعم، وهمست بخفوت :
-شكرًا، عن إذنك، وفرت هاربة من أمامهم فقد شعرت بتسلط الأنظار عليها، لتُسارع بالوصول لغرفة الحِسابات لأخذ ثمن رسمها، فهي لا تعمل بأجر ثابت طوال الشهر، بل تعمل بعدد الرسوم التي تُقدمها….
وعلى الجانب الأخر، كان مدح “خالد” ما زال قائماً، ليُضيف بتساؤل :
-خريجة أيه؟..

قهقه خافتة تميل ل سخ,,رية، ويُغلفها العبث :
-خدت اهتمامك ولا أيه؟…
بنفي قاطع :
-خالص، لكن الرسمة رائعة، موهبة بجد مش مجرد خطوط…
تحرك من كرسيه؛ ليعد كوب قهوة على تلك المكينة ، ليُجيب :
-مش خريجة حاجة، مؤهل بسيط..
بذهول، يعلوه عدم التصديق :
-مستحيل…

-ولا مستحيل ولا حاجة، هتنزل الشغل من أمتي؟..
-بكرة، عن إذنك، ورحل سريعًا فُهناك وحشًا بداخله يطلُب المعرفة، لتك التي أشعلت فتيل الفضول…
**
أنهت “جميلة” ” وضع أطباق الطعام على المائدة، وسارعت لتُنادي ابنتها، التي قررت الاعتكاف في غرفتها تلعب بما لديها من ألعاب ، لتُصيح بانفعال :
-” رضوى ” أنتِ يا مقصوفة الرقبة…
توقفت” رضوى “عن اللعب بالدمى، وبجواب :
-ايوه يا ماما…
بحنق شديد :
-يلا سيبك من المساخيط دول، وتعالي كلي، قبل ما تروحي الدرس..

افتعلت بطنها، وبنبرة طفولية :
-بطني يا ماما بت ني أه..
-بطلي تمثيل، يلا هتاكلي وتروحي الدرس مش ناقصة دوشة… لتتوقف عن الاكمال .
قبل دقائق استيقظ “حمدي” من نومة بفعل صوت اختهُ الهادرة، ليفرك عيناهُ بنوم، ويتحرك بكسل، وبنبرة ناعسة :
-في ايه يا “جميلة”؟..
-مفيش يا “حمدي”…
اكملت “رضوى” بُكائها وركضت صوب خالها :
-مش عاوزه أروح يا خالي..
ربت على رأسها، وبنوم :
-خلاص، ما خلاص يا “جميلة” متحبكيهاش..
زفرت بسخط:
-طيب.
-تعالي كُل، واحكيلك الموضوع الي عاوزك فيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *