كله بالحلال بقلم امل نصر ج٥
وفي الأعلى انتظرت حتى اختفت من امامها السيارة التي تُقلهم، واطمئنت لذهابهم بمرور الأمر على خير، دون كوارث كانت تتوقع أن تفتعلها والدتها التي وللعجب، استكانت قليلًا، او ربما هو هدوء تكتيكي، من أجل امتصاص غضب عزيز، والذي عاندها بقصد هذه المرة ، وكأنه وجد الشيء الذي يفرغ به طاقة غضبه، ليأتي هذا السمج على اخر لحظة يريد إفساد الأمر، اللعنة عليه.
سحبت شهيقًا كبيرا وطردته، في استعداد للشجار ، بعدما فضلت عدم تعكير مزاجها الى اَخر لحظة من هذا اللقاء الفاصل لها، لتنطلق بغضبها اليه الاَن، وقد كان في هذا الوقت يصيح في وسط الصالة مع والدتها معبرًا عن رفضه:
– ازاي يا خالتو تقبلي حاجة زي دي وترضخي لعبط عزيز؟ الناس دي مكنش ينفع تدخل البيت نهائي،
– يا حبيبي ما انا قولتك، متقلقش من حاجة، انا بس محبتش اكسر كلمته زي ما اتحجج، وقالي اني عايزة اطلعه عيل بعد ما اداهم كلمة، ما انت عارف جنانه.
– لا يا خالتو انا ميخصنيش دعوة بجنانه، الناس دي كان لازم تردي عليهم في وقتها، انتي كان لازم تطرديهم دلوقتي.
– تطرد مين يا غالي؟
هتفت بها ليلى متهكمة، لتتقدم وتصب جام غضبها به، فقد فاض بها من تبجحه:
– جاي وفارد قلوعك، وبتتأمر علينا بقلب مليان، صفتك ايه انت عشان تحكم وتتحكم ؟ تدخل ليه في اللي يخصنا؟
– بس يا بنت بطلي قلة أدب، ميصحش كدة تغلطي في ابن خالتك .
هتفت بها منار توبخها، ليضيف عليها سامح بتبجحه:
– قوليلها يا خالتو، بنتك الجنان نساها انا مين؟ ولا صفتي ايه؟ طب اقولك يا حبيبتي، انا خطيبك يا حلوة لو مش عارفة.
صرخت به بغضب يعتريها بشدة:
– خطيب مييين؟ دا انت هبت منك ولا ايه؟ ما توقفي ابن اختك العزيز دا من أوهامه يا ست ماما، انا خلقي ضيق ومعنديش مرارة من الأساس عشان اتحمل القرف ده.
ردت منار تعنفها، مخرجة كل ما في جعبتها:
– قرف في عينك يا بنت، هو مغلطتش على فكرة ، لان انت فعلا مخطوباله، ومش من النهاردة ، لا دا من زمان كمان، من ساعة ما كنتي عيلة في اللفة، يعني ان كنت انا سيباكي براحتك ولا مديالك الحرية، فدا عشان تعيشي سنك وتركزي في مزاكرتك، ولا فكرك التمثيلية اللي حصلت من شوية دي هتغير الواقع؟ لا يا قلبي، دا مجرد بس مهاودة لاخوكي اللي مصدق لقى لعبة يثبت بيها نفسه قدامي. انما وقت الجد…. مفيش حاجة هتم غير اللي انا عايزاها.. لا هو هيتجوز غير اللي انا مختراها، ولا انتي هتتجوزي اخو البنت اللي معلقة اخوكي، حتى لو كان ابوها راجل اعمال والولد مناسب، برضوا مرفوض، انا مش هسمح يبقالنا ارتباط بالعيلة دي من الأساس مهما كان وضعها، يعني مش حتة عيلة زي اللي اسمها بسمة دي هتفوز عليا.
– وايه تاني كمان يا ماما كملي.
جاء الصوت مباغتًا لها، حتى صعقت بحضوره المفاجئ، وسماعه كل ما سبق، ظهر الاجفال جليًا على ملامحها امام صدمته، فيما باحت به منذ قليل، حتى صار يطالعها بأعين زجاجية توقفت على النظر اليها وفقط، ابتلعت ريقها تخبره بمكابره:
– عايزاني اقول تاني ايه؟ ما انت سمعت بنفسك اهو وعرفت بسبب رفضي للولد ده اللي انت شايفة لقطة، اديك عرفت عيبه، يبقى لزوموا ايه بقى المسلسلات الهابطة في الأخد والرد والكلام الفارغ، اختك ملهاش غير ابن خالتها ، والده من اشهر الدكاترة اللي في العاصمة، هتلاقي احسن منه ايه تاني؟
– ايوة بقى يا خالتو، خليهم يفتكروا.
هتف بها سامح دعمًا لها، ليقابله عزيز بنظرة نارية آخرسته عن التكملة، امام امتقاع شقيقته، والتي سلمته دفة الحديث بأكمله، ليواجه والدته باستدراك متأخر:
– لدرجادي انتي بتكرهي بسمة يا ماما؟!
….. يتبع
الفصل الثاني والعشرون
– اكرهها دا ايه؟ هي مين دي عشان احطها في بالي من الاساس؟ انت اتجننت ولا ايه يا عزيز؟
هتفت بها منار، بدفاعية شرسة كرد فعل طبيعي، بعدم تقبل لاتهام ابنها والذي قابل قولها بتهكم:
– امال اللي انا شايفة قدامي ده اساميه ايه؟
تدخل سامح بقوله هو الاَخر، امام صدمة خالته التي امتقع وجهها، بغضب متعاظم:
– لا دا انت باينك فعلا اتجننت يا عزيز، بقى بتساوي مامتك ببنت قليلة الأدب زي دي.
– إخرص يا سامح.
صرخ بها عزيز، عله يسكت هذا الأحمق، عن التمادي بغبائه، دون تقدير لحالة الغضب التي تدفعه للفتك به، فتدخلت شقيقته بدعم له:
– انت فعلا انسان معندكش احساس، دا بدل ما تلطف الجو او تنقطنا بسكاتك، بتشعلل ما بينهم.
– انا بشعلل يا ليلى؟ شايفة يا طنت ولادك بيقولوا ايه؟
هتف بها سامح نحو خالته، والتي عقبت بمقت نحوهما:
– معلش يا حبيبي، ما هو دا المتوقع ، واحد السكينة سارقاه، بعد ما كان مدوب قلوب البنات في غارمياته، حتة عيلة لفته زي الخاتم في صباعها، والتانية بدافع عن صاحبتها ، اللي ضحكت عليها قبله ..
عقب عزيز ردًا لها:
– تمام أوي يا ماما، هي حتة عيلة وضحكت عليا وانا قابل، انتي بقى مش طايقاها ليه؟ بتعملي الخطط وبترفضي اخوها اللي تقريبا، فيه كل الصفات اللي تتمناه اي ام لبنتها ، ولسبب واحد بس انه اخوها، وعشان تبعديها عني ليه؟
حشرها في الزاوية التي لا يوجد منها مهرب، يريد اجابه واضحة عن أسئلته، كزت على أسنانها بحنق شديد، لتخبره بمراوغة:
– عشان خرابة بيوت ، بدليل انها قلبتك على والدتك من قبل حتى ما يبقى فيه اي ارتباط رسمي ما بينكم ، دي لو اتجوزتها هتعمل فيا ايه يا عزيز؟
– ماما بذمتك انتي مصدقة نفسك؟ ما تحترمي عقلي بقى شوية، انا انسان ناضج وبكامل قوايا العقلية قدامك، بلاش يخونك زكاتك وتفتكريني اهبل وهبلعها، انتي بتكرهي بسمة عشان انا حبيتها، عايزة واحدة بشخصية ضعيفة تتحكمي بيها براحتك، مش عايزة حد يبقالوا سيطرة على عقل ابنك غيرك.
صرخ بها يفحمها، حتى غلبها منطقه، لتتجه نحو سلاحها الاَخير، والذي دائمًا ما يسعفها في هذه الاوقات، وهو الضغط بالعاطفة:
– أنا يا عزيز ؟ انا وحشة للدرجادي يا عزيز، وجالك قلب ، تبجح في مامتك وتتهمها بكل التهم البشعة ، دا انا ست وحشة اوي على كدة، وحشة اوي يا عزيز….
قطعت تسقط بثقلها على الاَريكة من خلفها، لتدخل في نوبة من البكاء العالي، من ناحية تستدرجهم بعاطفتها ، ومن ناحية أخرى تمتص جنونهم ونوبة الهياج التي تلبستهم في الهجوم عليها، حتى تأخذ وقتًا مستقطعًا من أجل التفكير بروية لإعادة الأمور نحو الجهة التي تريدها،
اتخذ سامح وضعه جوارها على الاريكة، يؤازرها بصب اللوم عليهما:
– عاجبكم كدة؟ مامتكم لو جرالها حاجة دلوقتي بسبب زعلها منكم، تفتكروا هتعيشوا متهنين؟ اخص عليكم اخص.
تبادلت مع شقيقها نظرات الاستنكار بصمت ابلغ من الرد قبل ان يقطع عزيز، ، فيخرج تاركًا لهم المنزل بأكمله، تبعته ليلى نحو غرفتها، تغلق بابها عليها،
لترفع منار رأسها اخيرًا متمتمة نحو ابن شقيقتها بغيظ:
– شوفت يا سامح، الجزم الاتنين سابوني اعيط في حضنك من غير ما حد فيهم يعبرني ولا يعمل قيمة لدموعي، دا انا لو مربية حيوانات مكانوش هيسبوني اتفلق من العياط كدة .
– بس ولادك مش حيوانات يا ماما .
جاء الرد من ابنتها الأخرى ريهام، والتي غاب عنها معظم ما حدث اثناء نومها بغرفتها منذ ساعات، لتستقيظ على صوت الشجار، وتخرج من غرفتها قبل لحظات، لتشهد الهجوم، والهجوم المضاد من الجهتين، عزيز وليلى، ضد سامح ووالدتها، والتي عقبت ردًا لها:
– نعم يا ست ريهام، اتحفيني برأيك انتي كمان، ما هو النهاردة يوم الهجوم العالمي ضد الام اللي بتعمل المستحيل عشان مصلحة ولادها، وهما عُمي لا بيشوفوا ولا بيقدروا.
ردت بلهجة هادئة ، وكأنها كبرت في العمر عشر سنوات قادمة:
– بس ولادك مش عمي يا ماما، ولا ناكرين الجميل زي ما انت بتصوريهم دلوقتي عشان تبرري لتفسك،
– انتي كمان بتقولي عليا ببرر، جرا ايه يا ريهام، دا انا كنت بضرب بيكي المثل في العقل والرزانة، هو انا اتنشيت عين فيكم ولا ايه؟
صاحت بها منار كرد لها، ليضيف على قولها سامح:
– دي بابنها شوطة وكلهم اتفقوا مع بعض يا خالتو، انا من رأيي تبخري البيت.
تجاهلت ريهام الرد عليه، لتعود موجهه خطابها لوالدتها، بما يشبه النصح، رغم علمها بصلابة رأسها العنيد والغير قابل لأي رأي يخالفها:
– حاولي يا ماما تتفاهمي معاهم، عزيز المرة دي مش هيعديها، دا اخويا وانا عارفاه، وليلى وبرغم ضعفها المعروف، لكن الواضح انها مصرة على رأيها ، متفتكريش ان انا المثل الكويس ما بينهم، عشان كنت مطيعة ليكي.
– قصدك ايه يا بنت؟ انا شايفة انك اليومين دول، بقيتي تلمحي كتير لحاجات مش مفهومة، ولا انتي كمان قاصدة تشتتيني، هلاقيها منك ولا منهم.
تغاضت ريهام عن حدتها في الحديث، لتتناول حقيبتها، تستأذنها قبل الذهاب:
– والله انا قولتلك اللي في ضميري يا ماما، وانتي حرة، تسمعي او تمشي على نفس المنوال، اشوفك بخير بقى .
هتفت توقفها:
– استني عندك، هتمشي في الليل لوحدك،؟ ما تنتظري على ما يجي جوزك وتروحي معاه، اتصلي عليه يجي، ولا اتصلك انا؟
بشبه ابتسامة خالية من أي مرح، عقبت بالرد عليها:
– مالوش لزوم تتصلي يا ماما، لانه في الاخر برضوا مش هيجي، أكيد مشغول في أعماله اللي ما بتتنهيش، وانا معايا عربيتي يعني مش محتاجة حد .
تدخل سامح يدعي المروءة:
– خلاص يا ريهام، اجي معاكي انا اوصلك.
رفضت تكتم حنقها:.
– لا كتر خيرك، متشكرين على خدماتك ، انا قولت ان معايا عربيتي، عن اذنكم بقى.
❈-❈-❈
– ها يا بابا، رأيك ايه في منار دلوقتي بعد ما شوفتها، وعرفت شخصيتها؟
خرج السؤال من بسمة، بعدما اخبراها الاثنان بنبذة مختصرة عن فحوى اللقاء الذي تم منذ ساعة في منزل ليلى، وأجاب شاكر:
– اقول ايه بس ولا ايه؟ الست دي عايزالها مجلد يوصفها، عشان نفند الصفات الشكلية لوحدها، والقنعرة والمناخير المرفوعة لمترين قدام، دي كمان لوحدها، دي كانت بتعاملنا النهاردة ولا لكننا رايحين نشحت منها، مش ناس محترمين، ولينا وضعنا في طلب ايد بنتها .
– كله من اللي اسمه سامح دا يا بابا، هو اوس المصايب .
ردد بها ممدوح معبرًا عن حنقه، ليعقب والده باستهزاء:
– وايه قيمته دا كمان يا حبيبي عشان نعمله حساب؟ سيبك منه ومتفكرش فيه خالص، اهم حاجة دلوقتي البنت واخوها، اما منار دي فليها ترتيب تاني لوحدها.
ضحكا الاثنان يسألاه بشقاوة:
– ترتيب ايه تاني يا بابا؟
– شكل والدك عجبته اللعبة يا عم ممدوح ؟
– لعبة ايه يا بنت انتي؟ انا عجبتني الست نفسها.
قالها شاكر وانطلقت الضحكات من الثلاثة، مع تبادل التعليقات والمزاح المتبادل، حتى انتبهت بسمة على ورود الرسالة الغريبة بهاتفها:
– قدامك حل من تلاتة، يا تخرجي تقابليني دلوقتي حالا، يا تردي ع الفون واتصالي، أو اطلع انا ولا هيهمني والدك ولا خطوبة اخوكي لأختي، انا على أخري ، وعلى حافة الجنون لعمل اي فعل متهور.
– اي الجنان ده؟
غمغمت بها داخلها قبل ان تزعن لمطلبه، تاركة جلستها الجميلة مع والدها وشقيقها.
– الوو يا استاذ عزيز ، ممكن افهم ايه غرضك ورا الرسالة والتهديد الغريب ده؟
وصله صوتها عبر الهاتف بتنهيدة مثقلة، تحمل داخلها الإغتمام:
– مفيش اي غرض ولا اي تهديد، انا عايزك تسمعيني وبس يا بسمة، مخنوق ومفيش وتعبان يا بسمة .
قبضة قاسية اعتصرت قلبها، يكتنفها شعور سيء، تأثرًا بهذه النبرة التي يتحدث بها.
– عزيز ايه اللي حصل؟ بابا حكالي ان اللقاء ما بينكم مر على خير، ايه اللي جد؟
اجابها يخرج زفرات متتالية:
– اللي جد اني اتخانقت مع ماما يا بسمة، وبعدها خرجت وسيبتلها البيت ومشيت.
– يا نهار اسود، معقول يكون السبب زيارة والدي واخويا ليكم؟ هي لدرجادي رافضة الموضوع
قالتها بتخمين سريع وصل إليه ذهنها الحاضر دائمًا، ولأنه لا يشك في ذكائها، فضل ان يرواغ دون ان يكذب عليها :
– مكنش ع الموضوع بالظبط ، بس تقدري تقولي انها تراكمات مع الوقت ، وكأنها عبت بلونة كبيرة وانفجرت على شكة دبوس، المهم اننا واجهنا بعض بصراحة جارحة، وانا على اثرها اضطريت اخرج،
– طب انت فين؟
سألته تتغاضى عن الضغط عليه لمعرفة المزيد، الاهم الاَن، هو الاطمئنان عليه، ورد يجيبها:
– انا في العربية يا بسمة لفيت بيها كالعادة ولما تعبت، ملقتش غير المكان القريب منك، انا واقف بعربيتي بالقرب من بيتكم .
– قدام بيتنا، طب فين بالظبط؟
هتفت بها لتنتفض عن تختها تركض نحو الشرفة، تزيج ستائرها، قبل ان تفتح نافذتها وتخرج اليه، تتطع نحو الجهة التي وصفها اليها، ليترجل من السيارة على الفور ، كي يقف امامها، يبصرها باشتياق بحت به احباله الصوتية:
– وحشتيني اوي يا بسمة، وحشني الرغي مع بعض ع التليفون، وحشتني شقاوتك وضحكتك، هقدر اسمعها منك من تاني يا بسمة؟
كان يحدثها بلهفة العاشق ، كان يحدثها بألم احرق احشائها، ولكنها ليست بالمغيبة عن حقيقة وضعه الاَن:
– الضحكة اللي عايز تسمعها كانت بتطلع من القلب ، يمكن دي اول مرة تسمعها مني، بس انت كنت وما زالت حلم عمري يا عزيز، حلم عمري اللي سعيت له بنفسي عشان اقرب منه، حتى لو كان الحلم دا سراب هتوه فيه ، لكني حاولت، قبل الحلم ما يتبخر ويبقى لا شيء عشان انت مبقتش من حقي، بقيت حق واحدة غيري، يبقى عايزني اضحلك من قلبي ازي؟
توقفت الكلمات وتاهت بين نظراته الضائعة لها، لقد اعترفت له بعشقها، في وقت يصح لها الا تتحدث معه من الاساس بعد خذلانه لها، لقد كانت اشجع منه، وهو لم يكن الا عابث منعه شيطانه ان يشعر بلذة العشق الحقيقي، للركض خلف ملذاته، حتى استكبر عن الاعتراف لنفسه ظنا منه انه وهم، ولكنه استفاق الان!.
– قريب اوي هسمعها يا بسمة، ومش بطلب مني، لا دي هتبقى من القلب زي ما قولتي، انا بحبك يا بسمة .
❈-❈-❈
– ايوة يا ممدوح انا معاك اهو.
– معايا فين يا ليلى؟ انا بقالي ساعة بكلمك وانتي ساكته، مش بعوايدك، مع ان النهارده بالذات لازم نتكلم ونرغي ، هو انتي معندكيش الحماسة اللي عندي ولا ايه؟
– لا طبعا عندي، انت بتتكلم فيه ايه بس؟
قالتها بنبرة خالية من أي صدق قد يشعر به، مما أدخل بقلبه بالريبة ، ليواصل بالحاحه:
– بس انا مش حاسس خالص بكدة ليه؟ والدتك رافضاني صح؟
زفرت تنهيدة مطولة اخترقت أذنيه عبر الاثير محملة بقنوط يكتنفها، فقد كانت مجهدة، بطاقة مستنزفة بعدما شهدت وشاركت في هذا الشجار الكبير مع والدتها، والتي لم تخرج اليها حتى الآن من غرفتها، وقد التزمت محلها ، في تجنب واضح لها.
فقالت مخاطبة له برجاء:
– ممدوح، ممكن ما نتكلمش في أي حاجة دلوقتي، انا اصلا تعبانة والله وعايزة انام، لو ينفع نقفل دلوقتي ونكمل بكرة .
– تمام يا ليلى هقفل معاكي، ومش هضغط عليكي اكتر من كدة، مع ان كان نفسي ارغي معاكي، لحد اما يغلبني النوم على صوتك.
– معلش يا حبيبي، تتعوض كتير الايام اللي جاية ان شاء الله.
انهت المكالمة لتسقط اسفل الغطاء، وتسقط مع همومها، متكتفة الذراعين بشرود فيما حدث من ساعات، وسؤال ملح:
– من ستكون له الغلبة في الايام القادمة، جبهتها هي وأخيها أم الجبهة الشرسة، جبهة والدتها ، والتي تتخذ الامر وكأنه تحدي بينها وبين واحدة في عمر أصغر ابناءها؟
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي
وعلى مائدة الطعام، كان الحديث الدائر بين الثلاثة اثناء تناولهم وجبة الإفطار، قبل ذهاب شاكر لعمله:
– يعني ايه يا بسمة؟ قصدك كدة ان منار ممكن توقف الجوازة براسها الناشفة؟
سألها بقلق بعدما اخبرته عما شعرت به، بعد اتصالها بليلى وحديثها المقتضب معها على الهاتف، على عكس حالتها الأولى، قبل زيارتهم، فتدخل ممدوح يدلي بدلوه هو الاخر:
– انا قلبي كان حاسس يا بابا، من ساعة ما شوفت الزفت اللي اسمه سامح على باب الشقة ببوزه الفقر، وانا اتوغوشت من وقتها.
رد شاكر بحمائية:
– وقيمته ايه الزفت ده كمان؟ العيب كله من منار هي اللي بتديلو الفرصة، بغباءها عشان يتفرعن ويسعى للخراب ما بينكم، خصوصا كمان بعد ما عرفت انه عايز يتجوز ليلى، فشيء طبيعي ومتوقع ان يشعلل بين الأم وولادها.
عقبت بسمة بغيظ:
– بني ادم مقرف، انا عمري ما طيقته، من اول مرة شوفته،، دبيت معاه خناقة لرب السما .
سألها شاكر:
– امتى دا حصل؟
– من زمان اوي يا بابا، من ساعة ما كنت بزور ليلى عشان اذاكر معاها ايام ثانوي، شوفته وهو بيرخم على ليلى و اتخانقت معاه واديتوا على دماغوا ، لحد ما شاف منار، وراح اشتاكلها بغتاته، اتدخل عزيز ساعتها ، وسحبه من جنبنا، وكان هيتخانق معاه عشانا.
قالت الأخيرة تمنع ابتسامة لاحت على ملامحها قبل ثغرها، مع تذكرها لأول شرارة لعشق عميق نبت مع دفاعه الشرس عنها، بحمية رجل شرقي، رغم عبثه وعلمها بسمعته مع النساء.
اادعى شاكر هو الاخر عدم الانتباه لحالها الذي تبدل مع ذكر الاخر، وعقب بلهجة عادية:
– يخرب بيته، دا باينه مولود بالتناحة، وكأنه طمع فيها لوحده عن باقي الخلق.
اعرب ممدوح عن قلقه:
– طب وبعدين يا بابا، انا كمان حسيت ليلى امبارح مخنوقة وهي بتكلمني في التليفون، لدرجة انها مقدرتش تكمل دقيقتين وطلبت مني اقفل عشان تعبانة وعايزة تنام…… الواد ده ممكن اروح فيه في داهية على فكرة، دا انا ما صدقت لمست حلم عمري، واطمنت ان البنت اللي بحبها بتبادلني نفس الشعور، بعد ما كنت فاقد الأمل من الاساس ، ارجع تاني لنقطة الصفر، صعب والله.
– ومين قالك ان هسمح ان دا يحصل؟
هتف بها شاكر حازمًا، ليردف مطمئنا له بجدية:
– خليك واثق ان موضوعك دا هيبقى شغلي الشاغل اليومين الجاين دول، ليلى لا يمكن تبقى من نصيب حد غيرك .
❈-❈-❈
وفي مكان آخر
حيث كان جالسًا على طاولته بجانب الجدار الزجاجي، يتابع ترجلها من سيارة الأجرة، ثم سيرها نحو مدخل المقهي الذي ينتظرها به، الا ان وصلت لتصافحه بلهفة وعدم تصديق:
– انت قاعد مستنني كل ده، انا خوفت لتكون زهقت بعد ما اتأخرت عليك
اومأ يجيبها بثقة، بعدما تبادل معها المصافحة وأشار لتجلس على الكرسي المقابل له:
– لا طبعا مزهقتش، ولو قعدتي بالساعتين تاني كمان، كنت هستناكي انا عايزك في موضوع مهم، ومصمم النهاردة ان اتكلم معاكي يا رانيا .
….ينبع
الفصل الثالث والعشرون
– موضوع مهم، يعنى انت عايزاني في موضوع مهم يا عزيز ، طب ايه هو؟ اتكلم على طول انا عايزة اعرف
قالتها بلهفة أثارت اندهاشًا داخله، ليعقب متسائلًا:
– رانيا هو انتي فرحانة بجد ان اننا اتخطبنا؟
خرج الرد منها سريعًا:
– طبعًا يا عزيز، وهي دي محتاجة كلام،؟ ولا انا مش باين عليا يعني؟
اجاب على الفور:
– لا بصراحة هو باين عليكي فعلا، ودا اللي مخليني محتار، ومحتار جدًا كمان!
تعقد حاجبيها وعلامة استفهام كبيرة ارتسمت على ملامحها ، فجاءها الرد المباشر:
– انا قصدي ان محتار في شخصيتك نفسها ومش قادر افهمك، طب لو فسرت اللي حاسة بيه ده انه اعجاب حقيقي ليا ، هيبقى على أساس ايه؟ شكلي الوسيم مثلًا، ولا شخصيتي ان كانت كاريزما او دمي خفيف
– كلك على بعضك يا عزيز ، كلك على بعضك.
قالتها بلهفة أجفلته، لتتابع :
– انت تمشي في اي حتة، تلاقي البنات هتجنن عليك، ولا شخصيتك نفسها لما تلفت النظر ليك في أي قعدة وتاكل الجو بكريزمتك، انا مبسوطة اوي ان بقيت خطيبتك.
، يا سلام….. يعني انتي اللي عاجبك فيا الشخصية والكريزما والشكل الحلو، طب انا كنت عايز اعرف بقى، لما انتي شايفة كل المميزات دي فيا، ليه رفضتيني لما اتقدمتلك اول مرة، بس ياريت الإجابة مختلفة عن موضوع الفيديو بتاع الرقص والكلام الفاضي ده.
عبست ملامحها والتوى ثغرها بامتعاض واضح، لترد بنبرة عاتبة:
– شكلك لسة شايل مني من يومها، وعشان كدة مش راضي تصفالي،
– اه بصراحة انا شايل ومش هقدر اصفى ، لأني بصراحة مش قابلها ، ان السبب هو واحدة سلطتك عليا وهي اللي خربت ما بينا عشان الحوازة ميتمش. انا رافض جدا تحميل الخطأ للبنت صاحبتك، لاني حاسس ان الموضوع في حاجة مش فاهمها، رفضتوني وبعدها قبلتوا بكل سهولة، بمجرد ان ماما بلغتكم ان الفيديو قديم وانا ربنا هداني….. زي ما قالت وانتوا اقتنعتوا!
– ما هي فعلا لما ماما اتكلمت مع بابا وماما ، اقنعتهم بوجهة نظرها،
ضاقت عينيه يطالعها بارتياب، وشعور بعدم الارتياح، بدأ يزحف داخله؛
– طب لو قوتلك ان ماما بتكدب عليكم، وانا لا ربنا هداني ولا اي حاجة من الكلام ده، ما زالت بصاحب بنات، وبرقص مع الرقصات في أي حتة اسهر فيها مع اصحابي، مش بس الأفراح، تقولي ايه؟
ازبهلت في البداية تأثرًا بجرأته، لتشيح انظارها بعد ذلك ،بتشتت امام تركيزه الشديد لردود أفعالها، وحينما طال انتظاره، اردف بدهشة:
– لبه التفكير الكتير في حاجة بسيطة زي دي؟ انا بطلب رأيك في سمات الشخصية اللي ممكن ترتبطي بيها، مش حل لقضية مهمة ، ولا انت مأجلة تشوفي رأي ماما وبابا اولًا.
– طيب وفيها ايه لما امشي على رأي ماما وبابا، دا مش عيب على فكرة.
قالتها بحدة أثارت انتباهه، ليصمت تاركًا لها المجال حتى تستفيض في الحديث:
– مش عيب ان البنت تبقى مؤدبة وطيبة، وبتمشي ورا رأي الكبار، يعني احتمال الخطأ عندها يكاد يكون معدوم، انا بابا وماما ربوني كويس اوي، احسن من بنات التانية اللي ماشية على حل شعرها، تاخد راحتها مع الكل وتصاحب ولاد ونمشي معاهم .
– قصدك ايه؟
سألها يشتم رائحة سيئة من خلف كلماتها، ليتأكد ظنه مع قولها:
– قصدي انت فاهمه كويس اوي، الست بسمة صاحبة اختك، مش هي برضوا اللي لفت عقلك الفترة اللي فاتت ،
برقت عينيه باستدراك ، ليهدر بها مصعوقًا:
– ايه اللي بتقوليه ده؟ انتي عرفتي منين الكلام ده اصلا؟
اجابته بثقة:
– عرفناه من سامح ، ما هو يبقى صاحب اخويا، وهو اللي قرب المسافات ما بينا، بعد الحربابة دي ما لحست عقلك عن طريق ليلى الطيبة الهبلة.
– وايه تاني كمان؟
تمتم يستدرجها، وقد بدأت الصورة تنجلي امامه بوضوح تام، وقد بدأ عقله يعمل جيدا ليربط الخيوط ببعضها:
– بعد ما سامح قالكم عن الحرباية عملتوا ايه؟
ردت تفاجأه بحدتها:
– ودي محتاجة كلام، على طول وافقنا طبعا بزيارة طنت منار، وانا بقى عشان اغيظ البت دي، اتصلت بيها يوم قراية الفاتحة بتاعتنا وفرستها.
سهم بنظره لها بصمت ابلغ من الكلام ، يشجعها على المواصلة وهي لم تتوقف:
❈-❈-❈




