كله بالحلال بقلم امل نصر ج٥

على دربك على قدرك
خطوة وخطوة تمشي
والنجمة الليلة بعرسك
بإيدك تقلب كمشة

على دربك على قدرك
خطوة وخطوة تمشي
والنجمة الليلة بعرسك
بإيدك تقلب كمشة

يا رب انت السامع
صوتي لصوبك طالع
بدعي لأغلى انسانة
يا ربي انت العاطي
الليلة بتسمع دعواتي
فرحك تحضن إيماني

مندورة أيامك
للورد وللياسمين
يا عروسة أحلامي
يا أميرة هالحلوين

مندورة أيامك
للحب وأحلى سنين
يا عروسة أحلامي
يا أميرة هالحلوين

كانت بالفعل كالاَميرة بين يديه، يدور بها بخفة والفستان يدور معها وكأنها خرجت من قصة بعالم الخيال، ابتسامتها تجعله يزداد هيامًا بها،

– بحبك اوي يا ليلى.
همس بها بجوار اذنها، لتنتبه عن الابتسام لإحدى صديقاتها التي تشير لها من قريب ، وترفع رأسها اليه تطالعه بتساؤل ان كانت ما سمعته صحيحًا، ليؤكد لها متمتمًا بشفتيه، قبل ان يعود ويدور بها مرة أخرى:

– بحبك،  بحبك ، بحبك.
شهقة خرجت من جوفها، بعدما شعرت بقدميها مرفوعة عن الهواء، وذراعه التي تطوق خصرها بقوة تبعث الدفء والامان بقلبها لتتمتم هي الأخرى بعشق تصرخ به كل خلية داخلها:

– وانا بعشقك،  واي كلمة حب قليلة عليك
توسعت عينيه بمرح، وافتر فاهه، متصنعًا المفاجأة،  ليزيد من ضمها وضحكة ارتسمت على وجهه بملئ فمه، يلفتا انظار الجميع نحوهما، حتى بسمة التي كانت مندمجة مع الأخر، اجفلت لتلكزه بقبضتها قائلة:.

– شايف يا عزيز، للمرة التالتة اهو بيلف بيها،
تطلع نحوهما مثلها ثم عاد قائلا لها بمشاكسة:
– اه وانتي عايزاني اشيلك يعني؟ دي عيال خفيفة يا بسوم، واحنا زيهم برضوا.

كان وجهه قريبًا جدًا من وجهها، يتراقص العبث بعيناه، وهيئته المهلكة، تكاد أن توقف قلبها الذي يجاهد للثبات، لا تصدق انه أصبح يخصها وحدها ، اسمها اقترن باسمه، ترى الحب داخل عينيه، كما أنه فعل الكثير من أجل الارتباط بها
، وسيم حد اللعنة، يتلاعب بها بمكره، تعلم انها لن ترتاح ابدا طوال زوجها به،، وهو يملك الجاذبية التي تجعل الفتيات من حولهما لا يرفعن ابصارهن عنه.

– عزيز بطل بقى، انا بدأت اغير بجد والله.
ضحك بصوت مكتوم ليزيد من قربه المهلك يهمس بصوت يدغدغ اسماعها:
– تدفعي كام طيب.
رفعت رأسها اليه بتساؤل، لتفهم الأجابة من تعابير وجهه وغمزة بطرف عينيه، ليعود اليها مغمغمًا :

– احنا كتبنا كتابنا على فكرة .
ظلت صامتة دون إبداء أي رد فعل ، حتى قطب بحيرة لرد فعلها لمشاكسته، حتى أدارت رأسها عنه بعد ذلك بجمود جعله يقرب رأسه منها سائلًا:

– انتي اتقمصتي ولا ايه؟ انا بهزر يا مجنونة، ظلت على وضعها حتى اجفلها بحمله لها بذراع واحدة ليصدح صوت ضحكتها التي كتمها فقط صوت السماعات ، وذراعيها تتعلق برقبته:

– دلوقتي ضحكتي بعد ما نفذتلك رغبتك، ومن شوية كنتي عاملة نفسك تمثال للشمع، اه يا عزيز يا غلبان.

– انت غلبان، يا راجل حرام عليك خلي حد غيرك يقول الكلام ده.
قالتها وانفاسها تلفح بشرته، وقد قرب وجهها قبال وجهه ، ليعود لمشاكستها مرة اخرى غامزًا:
– طب ايه رأيك ، ينفع كدة في وسط الناس، دي هتبقى احلى ترند، واهي التليفونات مرفوعة وبتصور.

بهتت بصدمة وهي تراه مصوبًا ابصاره نحو ثغرها:
– عزيز متهزرش الكل بقى مركز  معانا دول مستنينها بالفعل، خلي عندك شوية خشا بقى، انا بقيت في نص هدومي بجد والله.

زاد اتساع ابتسامته حتى صدر صوت تألمًا منه، ليتلف عنها متأوهًا:

– اه  انت يا ممدوح اللي عملت كدة؟
اومأ له الاَخر بحزم لا يخلو من الابتسام:.
– عشان تفوق وتلم نفسك، انا اخوها وصحيلك يا حبيبى،

– والله.
تمتم بها عزيز ليوجه خطابه نحو شقيقته:
– عاجبك كدة يا ست ليلى؟ اسيب البنية دلوقتى من ايدي واقف لكم ع الواحدة،

ردت ليلى بدلال:
– اعمل اللي تعمله يا حبيبي، احنا ناس مؤدبين مش زيك

– ماشي، ماشي يا قطتي الصغيرة مردودالك.
تمتم بها ردًا لها بتحذير مستحب، حتى انتبه على سؤال الأخرى:

– هي طنت منار راحت فين انا مش شايفاها.
التفا الأربعة حولهما على وجوه البشر الكثيفة ، ليعقب ممدوح هو الاَخر:

– ولا بابا كمان موجود، يا ترى اختفوا فين هما الاتنين..

❈-❈-❈

في جانب وحدها، انفردت بنفسها فيه، بعدما فرغت من التهاني والمباركات ، وهذه المظاهر الاجتماعية، وقد أدتها كما ينبغي، حتى لا تثير انتباه احد،

وقفت هنا الاَن بعيدا عن الجميع تشاهد دون ملاحقة من احد ، السعادة الواضحة على وجوه ابناءها الثلاثة ، بداية من ريهام، والتي استعاد وجهها الفاتن رونقه، تضحك بملئ فمها وسط مجموعة من الفتيات من
اصدقائها القادمى والجدد،

بطنها المنتفخ لقرب ميعاد ولادتها، يجعلها قبلة دائمة لعينيها،  رغم غيظها الشديد منها، وقد كان لها النصيب الاكبر في التأثير عليها ، حتى قبلت على مضض بارتباط الملاعين بأبناءها، تبًا

هذه الفرحة التي تراها على وجهيهما، تجعل قلبها المتمرد يقفز فرحًا داخل صدرها، رغم غضبه، ماذا تفعل أمام هذه السعادة التي تفضحها افعالهم، ليتها تملك قلبا غير هذا الضعيف ..

– تسمحيلي اشاركك القعدة هنا، في الركن المختصر عن الجميع ده.

قالها شاكر وقد انتبهت لوجوده قريبًا منها اللاَن، لتزم شفتيها تقول باستنكار:
– وحضرتك ضاقت بيك الدنيا عشان تسيب القاعة بحالها كلها وتيجي هنا تكتم على نفسي

– بعد الشر عليكي من كتمة النفس، انا بس كنت عايز اتكلم معاكي يا ست منار.

التفت اليه قائلة بحدة:
-،وتتكلم معايا ليه بقى؟ ما انت خلاص خدت غرضك انت وولادك، وخدتوا ولادي الاتنين، يارب بس تكونوا استريحتوا

قالت الاَخيرة بضعف جعله يشفق عليها،  رغم جلافة قولها، ليعقب لها بلين:
– محدش ف الدنيا يقدر ياخد ولادك منك ، بل بالعكس بقى ، ولادى هما ولادك يا منار، احنا ناس حظنا حلو عشان وفقنا في ناس زيكم، وانتي ست جميلة من الداخل، قبل الخارج، مهما حاولتي تلبسي قناع بعيد عن شخصيتك.

– وايه هي بقى شخصيتي؟
هتفت به بحدة وتربص، فكان رده بابتسامة:
– بنوتة رقيقة على هيئة ست اضطرت تشيل المسؤلية قبل اوانها بعد وفاة جوزها، عاشت فترة صعبة من بعده لما اكتشفت حجم الديون اللي عليه، وملقتش حد يقف جمبها ، لا أهل ولا أصحاب، محدش انقذها غير نفسها، لما باعت مجهوراتها وحطت الفلوس في البنك وبقت تقسط للديانة من عوايدهم، قفلت على نفسها من البشر، لا حد يعرف بتصرف ازاي ولا بتاكل ولا مبتاكلش، اعتبرت ولادها هما ثروتها الحقيقة، فقررت تعمل المستحيل عشان يعيشوا سعدا، وميدقوش مرار الفترة اللي عاشتها .

– انت عرفت منين كل الحاجات دي؟
اجاب سؤالها بابتسامة متوسعة:
– سألت عنك وعرفت كل حاجة، استجدعتك بجد، ومهما تعملي يا منار انا هتقبل عشان انتي ست بمية راجل.

كان لكلماته اثر السحر حتى وضح على ارتخاء ملامحها امام عينيه بالإضافة لهذه اللمعة بمقلتيها، مع تذكرها لهذه الفترة الصعبة من عمرها، فتابع ليزيد من طمأنتها:

– اوعدك من كل قلبي ان عمرك ما هتندمي على نسبك بولادي، ولا حتى لما….

– لما ايه؟.
سألته بعدم فهم، فتبسم بمرواغة يغير دفة الحديث السابق لأوانه:
– خلينا دلوقتي في فرحة الولاد،  وبعد كدة كل حاجة تيجي في وقتها، ياللا بقى خلينا نكمل الفرح معاهم.

قالها قبل ان يفاجأها بحزمه، بأن جذبها من يدها،  لتسلم مزبهلة لسحبه لها حتى وصل بها إلى ساحة الرقص مع الأربعة،لتتلقفها بسمة اولهم، وتضمها بامتنان، جعل عزيز هو الاخر يفعل مثلها،  فتبعه ممدوح وليلي،  لتشتعل اغنيه من الدجي معبرة عن حالة الفرح التي تكتنف الأسرتين ، حتى ريهام انضمت معهم في حالة من الرقص المعبر عن فرحهم.

……

انتظروا الحلقة الخاصة لاحتفالية عيد الحب

الحلقة الخاصة

أشعلت المذياع على إحدى الاغاني الصباحية، في عادة تفعلها منذ نشأتها، لا يكتمل الصباح سوى بأغاني فيروز ، مع ارتشاف قهوتها ، والتطلع على كل ما هو جديد وهام، وقد حل الهاتف مكان الجرائد اليومية، تضع النظارة على عينيها وتتصفح الأخبار اليومية في الصفحات المشهورة بذلك

كانت منكفئة بتركيز لدرجة جعلتها لم تنتبه على قدوم أحدهما من خلفها حتى اجفلت بقبلة على وجنتها ، علمت بصاحبتها، لتلتف اليها بابتسامة رزينة كعادتها والأخرى تلقي التحية بشقاوة لم تتخلى عنها حتى بعد مرور أكثر من سنتين منذ زوجها:

– صباح الخير يا نونا.
كبتت بصعوبة شعور الغبطة الذي يتسلل اليها في كل مرة تذكرها بلقب الدلال الذي اختارته هي لها، لتردد به على الدوام، رغم استهجانها في البداية وعدم تقبله منها، لكن مع إصرار الأخرى على التقرب ، رويدا رويدًا أصبحت تلين ، وبتكرار منادتها به، أصبح الجميع يقلدها، وكأنها خلقت بهذا الأسم:

– صباح الخير يا قلب نونا، صاحية متأخر يعني؟ مش بعادة.

التفت تجيبها وهي تسقط على الكرسي المقابل لها وتتمطع بذراعيها بتكاسل:
– ما انا بصراحة مكنتش عايزة اسيب السرير، بعد ما خلصت من المذاكرة ومن الامتحانات والمرمطة، مفيش احلى من الراحة يا نونا.

– يعني واخده اجازة؟
– بالظبط كدة يا نونتي.

– اممم
ارتخت على مقعدها، تطالعها بمكر قائلة:

– ولما انتي اجازة النهاردة يا حلوة، مش كان اولى بقى تقضي اليوم مع جوزك، بدل ما تسبيه يخرج لوحده ويروح النادي.

– النادي! مين قالك ان هو راح النادي؟
رددت بالسؤال مزهولة لتزيد عليها الأخرى:
– انا سمعته بنفسي وهو بيتفق مع واحد صاحبه انهم يتقابلوا هناك…

توقفت لتردف بخبث:
– شكله عايز يعمل ماتش تنس، ويرجع أمجاده القديمة، اللي انت عارفاها بقى، ختمت بغمزة، لترى على الفور رد فعل الأخرى، والتي تحولت ملامحها، مرددة بجزع؛

– يا نهار اسود.
– انتي متأكدة من كلامك دا؟
– وانا من إمتى كنت بهزر؟ تعرفي عني الكلام دا يا بسمة؟

– لأ طبعا،  انتي عمرك ما كنتي بتهزري
هتفت بها بسمة وهي تنهض عن مقعدها، تدبدب الأرض بقدميها مغمغمة:

– انا عارفة من الاول، هيفضل تاعبني كدة طول العمر ؤ
ولا هيتهد ابدا حتى لو بقى كركوبة.

تبسمت منار تلاحقها بالسؤال:
– طب انتي رايحة على اؤضتك ليه دلوقتي.
– عشان رايحة انيل اغير هدومي، وهروح النادي انا كمان اما اشوف اخرتها ايه معاه سي كازنوفا.
همت لتتحرك مرة أخرى ولكن منار أوقفتها بقولها:

– ما انتي لو كنتي خلفتيلوا عيل زي ليلى بنتي ما عملت، يمكن كان اتلهى فيه دلوقتى.

كتمت بسمة زفرتها، لتخفي ضجرها لهذا الحديث الذي لا تنفك حماتها العزيزة بتذكيرها به، فخرج ردها بنزق:
– عشان ليلى معاها ممدوح يساعدها في الدراسة وف رعايا البيبي وف كله
،لكن انا ربنا وفقني في واحد اسم الله عليه، ممكن ينساني انا نفسى قدام ماتش كورة بيتابعه..  عن اذنك بقى عشان اروح اغير هدومي.

مصمصت منار خلفها، تغمغم وهي تعود لمطالعة الهاتف:
– وماله يا ختي حظك؟ مش دا اللي حفيتي عليه؟ اشربي بقى…… ياما نفسي بقى اشيل حفيدي منه هو كمان .

لم تكمل قراءة الخبر جيدا حتى اتاها عدد الرسائل اليومية على تطبيق الوتس:

– صباح الفل والياسمين،  الجميل عامل ايه النهاردة.
تنهدت تخلع النظارة من فوق عينيها،  وابتسامة شقت ثغرها، قبل ان تضغط على أحرف الكلمات في ردها له:

– يا راجل مش ناوي بقى تعقل وتراعي سنك. مفيش مرة تبعت رسالة من غير معاكسة!

❈-❈-❈

وضعت طفلها في مهده وقد غفى بين ذراعيها، بعد انتهائها من ارضاعه، لتضعه بحنان، ثم تعود إلى زوجها الذي كان يرتب بعض المقتنيات التي حصدها نتيجة الرحلات التي قام بها قبل الزواج وبعده،

خاطبته وهي تقترب منه
اجي ارتب معاك؟
رفع رأسه اليها بابتسامة تفهمها جيدًا ، لتعرف الاجابة منها:.

– ما انا قولتلك يا جميل، كله الا ثروتي القيمة، اسمحلك تشاركيني في أي حاجة وتعبثي وتعملي اللي انتي عايزاه، لكن عند دولابي الغالي، ونقول ستوب.

– اممم
زامت بها تجلس على المقعد القريب منه ، تراقبه وهو يمسح على التمثال الصغير من الأتربة بحرص شديد،  لتعلق ساخرة:

– اقعد كدة حافظ بقلبك على دولاب الجوايز الغالي لحد ما يكبر ابنك سنتين تلاتة وتلاقيه هو اللي كسره ودمره بلعبة الكورة بتاعته.

برقت عينيه بزعر امامها وقد تخيل الصورة امامه:
– يا نهارك اسود يا ليلى،  معقول دا يحصل فعلا، دا انا ممكن تيجني سكتة قلبية فيها دي؟

– سلامة قلبك يا حبيبي من كل شر،  انا مش قصدي اخوفك والله،  بس انت بصراحة بتفكرني بحاجة الستات الإزاز اللي بتحتفظ بيها في النيش،

قالتها بعفوية ندمت عليها حينما رأت بعينيه عتابه الصامت لتسقط على الأرض بجواره في محاولة لترضيته:

– طب انت ليه زعلت؟ انا بهزر والله، ودا مجرد مثل خطر في دماغي حالا قدامك، مقصدتش منه التقليل ابدا، لكني بصراحة بستغرب الخوف الشديد دا منك, على حاجة ممكن تتعوض بمنتهى السهولة  خصوصا وان معظمهم تكلفتهم بسيطة،

– لا يا لولو مش بتكلفتهم المادية
قالها ثم عبر برفع السلسال الغريب امام عينيها:
– يعني مثلا السلسة دي،  بقلبها اللي مشغول يدوي بالخرز، ليها في قلبي زكريات الرحلة اللي قومت بيها في الصحرا عند اخوانا البدو، بالظبط زي القلادة اللي ادتهالك هدية من صديقي الافريقى، اظن انتي كمان محتفظة بيها.

– طبعا دي اغلى عندي من كنوز الدنيا.
قالتها ليطالعها بغيظه بعض الوقت حتى طرق بكفه على جانب رأسها:
– طب يعني فاهمة اهو،  امال ايه لزوم الرغي بس؟ دا انتي منار باينها بهتت عليكي.

ضحكت تحاول الابتعاد برأسها عن مرمى يده، حتى تذكرت لتسأله:
– اه صحيح انت مقولتليش، عن سبب إصرار بابا شاكر على عزومتو لينا النهاردة .

بكذب مكشوف انكر قائلا:
– ممم بصراحة مش عارف.
ضاقت عينيها لتلكزه على ساعده بإلحاح تخاطبه:
– طب بزمتك انت مش عارف،  ممدوح حط عينك في عيني.

ضحك تاركًا ما بيده ليقبض على ساعديها، يستجيب لمطلبها بإشراق وجهه الضاحك:
– اهو قدامك اهو، عيوني الاتنين في عيونك، طلعي منهم الأجابة براحتك.

ارتبكت قليلًا ثم سرعان ما تحول التواصل البصري، والمشاكسة، لمشاعر أخرى مليئة بالدفء والعشق،  لتنسى السؤال،  وينسى هو معها ما كان يحرص عليه منذ قليل، ذهبت رغبته فيما كان يفعله، وقد امتلك بين يديه الاَن اغلى مقتنياته،  بل الأغلى من روحه:

– بقولك ايه الواد نايم صح؟
أومأت بهزة بسيطة من رأسها،  ليتكفل هو بالباقي، ينتهز الفرصة بكل اجتهاد، ولكنها لم تكن سوى لحظات قليلة حتى فصلت قبلتهما، لتدفعه عنها وتنهض على الفور ، على اثر صراخ صغيرها:

– الواد بيعيط يا ممدوح.
– اقسم بالله دا انا اللي هعيط
ردد بها من خلفها، قبل ان ينتبه على رسالة الوتس، وصورة لعزيز التقطها من داخل الملعب ، يضحك بملئ فمه، ويخبره عن نتيجة المبارة التي ييخوضها الاَن، وجمهور الفتيات من خلفه يشجعن بحماس شديد ..

زفر ممدوح يلقي الهاتف من يده، يغمغم بغيظ شديد:
– روح يا عزيز ، الهي يارب يبتليك بجوز توأم من عينة الواد الغلس اللي جوا ده..

❈-❈-❈

– الماتش كان جامد اوي يا عزيز، مهما تغيب بالشهور ولا بالسنين حتى لازم تكسب وتبقى شيء مميز

وصلت لاسماعها فور ان وصلت اليه داخل المربع الذي اقيمت به المبارة منذ قليل وفاز به، ليفوز ايضًا بجمع الفتيات الاتي أتين لتهنئته قبل المغادرة

– عزيز طول عمره جامد، ودي حاجة مش غريبة عنه.
تفوهت بها فتاة أخرى

– يا جماعة مش لدرجادي يعني، الكابتن اللي لعب قصادي كمان مش قليل.

تمتم بها بابتسامة زادت من اشتعال النيران بأوردتها، لتقطع عليه لحظة الانتشاء بالنصر والحديث مع الفتيات، تباغته بحضورها، وكأنها ظهرت من العدم

– ايوة يا حبيبي بس انت برضوا اجمد منه .
اقتربت لتضع كفها فوق كتفه تميل بجسدها عليه بتملك مخاطبة الفتيات:

– ولا ايه رأيكو يا بنات ؟ في جوزى…..
ضغطت على أحرف الأخيرة، ترمق الفتيات بنظرات تحذيرية صارمة، وكأنها قطة في انتظار الهجوم، حتى ادخلت الرعب في قلوب الفتيات لينسحبن من أمامها واحدة تلو الأخرى،  فلم يتبقى الا هي وهو،  ليكن تعقيبه الاول :

– خلاص عملت نمرتك وخوفتي البنات بجنانك، عن اذنك بقى.

قالها وتحرك ذاهبًا من خلفها، لتلحق به مرددة من خلفه:.
– وبتستأذن وتسيبني؟  لدرجادي مش طايقني يا عزيز .

لتجاري خطواته، صارت تعدو بسرعة وكأنها تركض، حتى وصل لغرفة الملابس، فدلفت خلفه مستغلة غياب البشر في هذا الوقت، فغلقت الباب لتدلف خلفه، تستند مائلة بجسدها على احدى خزائن الملابس المغلقة، ويبادرها الحديث بعدما خلع عنه ما كان يرتديه في الأعلى من ملابسه رياضية؛

– نعم يا حلوة، انتي جاية ورايا هنا كمان عشان تكملي، محدش عرفك ان وجودك هنا غير مرغوب، عشان دا مكان مخصص للرجالة.

ردت ببساطة:
– عارفه انه مخصص للرجالة، بس انا مع جوزي حبيبي ، يعني محدش له عندي حا… اه
تأوهت بالاَخيرة وقد باغتها بدفعه لها حتى اصطدمت بالجدار من خلفها ليحاصرها بجسده، يطالعها بتحفز اثار قلقها، بالإضافة لحالة الارتباك التي تكتنفها الاَن، بقربه الشديد لها، مع وقوفه أمامها بجذعه العاري ووسامته التي تأثر قلبها كلما نظرت اليه، بالإضافة لاشتياقها له، وقد ساهمت الظروف في الفترة الأخيرة لابتعادهما عن بعض، وصل اليه ما كانت تشعر به، فظل صامتًا يتلذذ بهذا الشوق الذي يراه في عينيها، حتى ترجته قائلة:

– على فكرة احنا كدة وضعنا غلط يا عزيز، في أي لحظة ممكن اوي حد يدخل ويشوفنا كدة، هيبقى منظرها زبالة حتى لو قلنا اننا متجوزين.

– متجوزين اااه

تمتم بها بما يشبه السخرية،  ليردف بحنق ما يجثم على انفاسه:

– تعرفي جوزك بس غير لما نار الغيرة تشعلل قلبك، لكن غير كدة عادي اوي في حياتك، يجي درجة تالتة بعد  الدراسة اللي لازم تجيبي فيها درجة امتيار، ولا شغل والدك اللي بتخلقيلو وقت عشان تشيلي من بعده الشركة بعد ما يزهد من الشغل ويقرر يعيش حياته.

ذهب سحر ما كان يكتنفها منذ قليل، ليخرج السؤال منها بصدمة:
– مين قالك الكلام ده يا عزيز؟.
ابتعد فجأة، ليجيبها وهو يرتدي القميص الذي كان قد خلعه سابقًا:
– العصفورة هي اللي قالتلي، عشان افوق لنفسي بقى ، واصحى من أحلامي، بعد ما كنت بصبر نفسي بانتهاء امتحاناتك عشان……

توقف حتى لا يخبرها بغباءه عما كان يخطط له من اجل الاستمتاع بوقتهما لأكبر قدر،  وقد أهلكه الاشتياق لها..

– عشان ايه يا عزيز؟ كمل.
– ارتدى سترة حلته ثم وضع النظارة الشمية أعلى عينيه ، دون ان يكلف نفسه عناء تمشيط شعره،، وقد كان شديد الجاذبية بشعره الناعم المشعث، ليعدل من هيئته، ثم يقول ببساطة:

– مليش مزاج اكمل.
– ملكش مزاج تكمل.

تمتمت بها، تطالع مغادرته امامها بتشتت، لكن سرعان ما استدركت،  لتعدو مسرعة حتى تلحق به،

حتى وصل الى السيارة وفور ان دلف بها، انضمت معه في الأمام :
– عزيز انت لازم تفهمني جايب الكلام دا منين؟ مينفعش تسيبني كدة ارجوك.

زفر انفاسه الخشنة، ليلتف اليه بغضبه قائلًا:
– عايزة ايه بالظبط يا بسمة؟ مالك انتي باللي قالي ولا اللي فهمني؟ مش برضوا دي هي نيتك، ولا هتنكري كلامك مع والدك امبارح في التليفون

ارتدت برأسها للخلف ترفرف بأهدابها تعيد بذهنها حديث الأمس مع والدها عبر الهاتف،  والذي يبدوا انه قد سمعه منها رغم انها كانت وحدها في الغرفة.

– انت قصدك لما قولت لبابا، متشيلش هم يا بابا، وانا خلاص فضيت عشان اسد عنك في الشركة؟

بدا على ملامحه انها اصابت التخمين، ليعلق بلهجة تشبعت باللوم:.
– أديكي جيبتيها لوحدك اهو، زكية وشاطرة، وعمليه بشكل مبهر.

خرجت كلماته الأخيرة بسخرية، قبل ان يلتفت لقيادة سيارته وظلت هي صامتة حتى عودتها للمنزل، فلم تنبت ببنت شفاه سوى بعد غلق باب الغرفة عليهم:

– أكيد انت مكملتش باقي المكالمة،  لأنك لو سمعت الباقي أكيد دا مكنش هيبقى موقفك، ومع ذلك برضوا انا كنت اتمنى تيجي تواجهني بدل ما تزعل وتشيل في قلبك مني .

عقب ساخرا:
– كنت هكتشف في اخر المكالمة انك كنتي بتهزري معاه
صح؟
– لأ مش صح يا عزيز وانا مقدرة غضبك، عشان ما فضلت متحمل الفترة اللي فاتت من امتحانات ومذاكرة،  بس انا كنت بكلم بابي على اساس ان اخره شهرين ولا تلاتة بكتير يتفسح ويعيش الاجازة اللي بيتمناها، لاني بعدها انا اللي هاخد الاجازة الطويلة سنة ولا سنتين ولا تلاتة حتى……..

ردد خلفها بعدم تصديق:
– سنة ولا تلاتة حتى! وهتقدري تعيشي كدة بقى؟ دا انتي تموتي لو قعدتي كدة من غير ما تلاقي اللي تشغلي نفسك بيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *