طعنه غدر بقلم منى السيد ٢

نبرة التوتر اللي في صوته خلت كل شكوكي تتحول لليقين. السكوت اللي ساد بيننا على الخط مكنش سكوت عادي، ده كان سكوت واحد اتفاجئ بضربة مكنش عامل حسابها. طارق اللي دايماً صوته عالي وعنده رد لكل حاجة، واقف دلوقتي مش عارف يقول إيه.
رديت عليه ببرود عكس النار اللي بتاكل فيا بقول كده عادي يا طارق، أصل الشقة تفصيلتها غريبة شوية، كأنها كانت معمولة لذوق حد تاني خالص غير ذوقك اللي أنا عارفاه. إنت ليه اتوترت كده؟
حاول يجمع نفسه بسرعة، وضحك ضحكة صفرا ماليانة تصنع وقال أتوتر؟ وأتوتر ليه يا بنتي؟ أنا بس استغربت سؤالك اللي ملوش معنى ده. الشقة زي ما قولتلك ورث، وأنا اللي مقسمها على ذوقي من كام سنة. عموماً، بلاش كلام ملوش لزمة في التليفون، بكره لما نتطابق في الشقة نبقى نتكلم. هعدي عليكي الساعة أربعة، خليكي جاهزة.
قفل الخط بسرعة كأنه بيهرب من الأسئلة. رميت التليفون على السرير وقعدت وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. طارق كداب، كداب ومخبي حاجة كبيرة. رد فعله وسؤاله حد قالك حاجة عن الشقة؟ أكدلي إن الست الغامضة دي معاها حق في كل كلمة قالتها.
مسكت التليفون تاني ودخلت على الرقم المجهول. كتبت برعشة في إيدي أنا سألته واتوتر، قوليلي مين أميرة دي؟ وإيه
حكاية الشقة والسبعين ألف؟ أرجوكي ردي عليا. فضلت باصة للشاشة مستنية علامة القراية، بس الرسالة مأخدتش غير علامة صح واحدة، الرقم اتقفل.
يومي عدا كأنه سنة. مكنتش باكل ولا بتكلم مع حد. ماما كانت بتبصلي بنظرات كلها قلق، بس أنا كنت بتهرب من عيونها عشان عارفة إن لو اتكلمت هنهار، وأنا مش عايزة أبان ضعيفة قدام حد لحد ما أفهم الحقيقة كاملة. نمت الليلة دي بالعافية، وكل ما أغض عيني أشوف نفسي واقفة في شقة غريبة، والحيطان بتضيق عليا، وفيه صوت ست بيضحك في الخلفية.
تاني يوم، الساعة جت أربعة بالدقيقة. لقيت طارق بيكلمني وبيقولي إنه تحت البيت. نزلت وأنا حاطة قناع البرود على وشي، ركبت العربية وقولتله بطرف لساني مساء الخير.
بصلي بطرف عينه وهو بيدور العربية، ملامحه كانت مشدودة ومش طبيعية، بس حاول يتكلم عادي مساء النور يا حبيبتي. مجهزالك مفاجأة في الشقة، المهندس جاب عينات الرخام بتاعة المطبخ عشان تختاريهم بنفسك.
مرديتش، فضلت باصة من الشباك على الطريق والبيوت اللي بتعدي بسرعة. كنت بفكر، يا ترى الشارع ده مشي فيه مع أميرة دي؟ يا ترى كان بيجيبها هنا؟ وصلنا العمارة، ونزلنا. ركبنا الأسانسير في سكوت تام، وكل ما الدور يعلى، ضربات قلبي كانت بتعلى معاها.
فتح باب الشقة، ودخلنا. الشقة كانت في مرحلة المحارة والتشطيبات الأساسية، ريحة الأسمنت والتراب في كل مكان. المهندس مكنش جه لسه. طارق دخل الصالة وقال ادخلي يا نادين، اتفرجي براحتك لحد ما البشمهندس يوصل.
مشيت في الطرقة بخطوات بطيئة. كل ركن بقيت أبص له بنظرة مختلفة. دخلت الأوضة الكبيرة اللي المفروض هتبقى أوضة النوم. بصيت على الحيطة، ولقيت في زاوية دارية ورا الباب كتابة خفيفة بالرصاص ممسوحة، بس لسه باينة. قربت وعيني اتسعت من الصدمة. كانت مكتوب أ ط… بيت العمر.
حسيت بركبي سابت. أ يعني أميرة. ط يعني طارق. الكلام ده مكتوب من فترة، الشقة دي فعلاً كانت بتتوضب لواحدة تانية! الشقة دي مكنتش ورث مهجور زي ما قالي، دي كانت حلم لقصة تانية خالص وهو جاي يكملها بيا!
سمعت صوت خطواته ورايا. مسحت عيني بسرعة والتفتت له قبل ما يلاحظ. كان واقف على الباب وباصصلي بنظرة غريبة، كأنه بيراقب ردود أفعالي. قال بنبرة هادية زيادة عن اللزوم واقفة هنا ليه يا نادين؟ الأوضة دي لسه مفيهاش حاجة تتشاف.
بلعت ريقي وقولتله وأنا بحاول أتحكم في نبرة صوتي طارق… إنت ليه اخترت الشقة دي بالذات؟ وليه قولتلي إنها ورث مع إن شكلها بيقول إنها كانت متباعة أو مأجرة لحد قبل كده؟
وشه اتغير، وملامحه اتشنجت. قرب مني خطوتين وقال بحدة هو إنتي مفيش وراكي غير السيرة دي؟ من إمبارح وإنتي أسئلتك غريبة وتلميحاتك بايخة. فيه إيه يا نادين؟ حد من أصحابك ملا دماغك بكلام فارغ؟ ولا إنتي بتدوري على أي مشكلة عشان تطلعي تطلبي حاجات زيادة زي موضوع الخاتم؟
لما جاب سيرة الخاتم، حسيت إن كرامتي اتهانت تاني. قولتله بصوت عالي لأول مرة متحورش الموضوع يا طارق! وماترميش بلاك عليا! أنا مش غبية. الكتابة اللي ورا الباب دي بتاعة مين؟ أ وط… مين أ دي؟ مين أميرة يا طارق؟!
الاسم نزل عليه زي الصاعقة. خطوتين لورا رجعهم، وعينه برقت بخوف حقيقي مكنش قادر يداريه. حاول يتكلم بس الحروف تاهت من لسانه لثواني، وبعدين زعق عشان يداري على كدبه إنتي اتجننتي؟ أميرة مين وزفت مين؟ وإيه الكتابة دي أصلاً؟ تلاقيها من العمال اللي كانوا هنا! إنتي جاية تفتشي ورايا وتعمليلي فيها قاضي؟
في اللحظة دي، تليفوني رن في جيبي. طلعته بسرعة وأنا عيني في عينه. كان نفس الرقم المجهول! فتحت الخط وفتحت السبيكر علطول من غير ما أفكر، وقولت أهو الرقم اللي كشفك بيرن… اتفضلي قولي اللي عندك قدامه!
جاء صوت الست من السبيكر، بس المرة دي مكنش واطي، كان واضح وحاد وقوي، وصداه ملى
لمحة نيوز



