جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك ج١ الاول

“أستنى يا عبد الجبار.. متمشيش”..

كور قبضة يده بقوة حتى استمع لصوت أصابعه وكأنها تُكسر، بينما صوت كسر قلبه و قلبها كان أقوى، تسمر مكانه دون أن يستدير لها..

لحظات مرت كانت بالنسبة له كالأعوام، كانت تجاهد “سلسبيل” خلالهم لمنع نفسها عن ما تود فعله لكنها فشلت فشل ذريع،

و من دون تفكير كانت قطعت المسافة بينه وبينها و أرتمت بثقل جسدها علي ظهره ملتفه بكلتا ذراعيها حول خصره، و ضمته لها بكل ما أُتت من قوه و صوت بكاءها يقطع نياط القلوب، زلزلت كيانه كله دفعه واحده بفعلتها هذه رغم وقفته الثابتة ..

“هتوحشني.. هتوحشني أوي أوي “..
تحدث بصوت منخفضت بها بتقطع من بين شهقاتها، كانت دافنه وجهها بظهره تقبله بحراره أذابت عظامه، أغرقت عبراتها ثيابه، وقبل أن يستوعب ما تفعله كانت ابتعدت عنه و ركضت مسرعة أختفت داخل المنزل قبل حتى أن يلتفت..

شعر ببرودة تجتاح أوصاله فور ابتعادها عنه، و من ثم إزعاج حاد بصدره كاد أن يفتك به و كأنها خلعت قلبه من بين ضلوعه و أخذته معاها، تركته خاويًا جسد بلا قلب و روح..

.. نهاية الفلاش باااااااااااك..

فاق من شروده على صوت والدته “بخيتة” تقف عند باب المنزل الداخلي مستندة على عكازها، و تنادي عليه بلهفة قائلة..
“عبد الچبار يا ولدي!!”..

أخذ نفس عميق قبل أن يغادر سيارته، و سار نحوها بخطواته الرزينه، و هيبته التي تُدخل على القلب السرور، ولكن قسمات و تعابير وجهه مختلفه، عينيه انطفأ رونقها و لم يبق بها سوي نظرة حزن ممزوجة بصلبته..

تأملته “بخيتة” بتفحص قليلاً، و من ثم قالت بعتاب لا يخلو من الغيظ و الانفعال..
“طلقت سلسبيل.. طلقت البنتة الصغيرة مش أكده يا عبد الچبار ؟”..

“أيوه.. طلقت سلسبيل يا أمه.. هو ده الصُح.. چوازي على خضرا من لأول كان غلطة.. غلطة واعرة كانت هتحرم بناتي من أمهم.. و بناتي عندي أهم شيء بالدنيا كلها “..
قالها “عبد الجبار” بهدوء عكس ضجيج قلبه..

كانت “خضرا” ملمسة ودية عليه تركض من الداخل فور سماع صوت حماتها تنطق بأسمه، فعلمت إنه عاد إليهم أخيرًا بعد فترة غياب لأول مرة يغيبها عليها هي و بناته..

تطلع نحوها بترقب، ملامحها عادت من جديد للطيبة و الحنو التي لطالما كانت تتحلى بهما، أختفت النظرة العدائية منها، و عادت زوجته كسابق عهدها قبل زواجه عليها، ملامحها مشرقة، و الفرحة تُشع من عينيها و هي تري زوجها فضلها هي و بناتها على غريمتها و عاد إليهم ثانيةً ..

“و أفرض سلسبيل طلعت حبله منِك!!”..
قالتها “بخيتة” بتمني شديد، و هي ترمق “خضرا” بنظرات نارية، سؤالها هذا جعل الأثر تنسحب من وجهه “خضرا” و بهتت ملامحها و هي تنتظر الإجابة يتفوه بها زوجها بنفاذ صبر..

“أطمني.. هي مش حبلة يا أم عبد الچبار”..
جملته هذه أكد بها ظن ” بخيتة ” و أصبحت على يقين الآن أن حفيدها في الطريق، و أن ولدها طلق “سلسبيل” قلقًا عليها هي و جنينها..

التقطت “خضرا” أنفاسها المقطوعة، و هرولت نحوه أرتمت داخل صدره تعانقه بلهفة و هي تقول..
“بركة إنك رچعت لنا يا خوي.. حمد لله على السلامة.. نورت دارك يا أبو فاطمة”..

سبتها ” بخيتة” و لعنتها بأفظع الشتائم يسرها، و هي تسير بخطي غاضبة و قد استشاطت غيظًا منها،

لم يبادلها “عبد الجبار ” عناقها هذا، و أكتفي برفع يده و ربت على كتفها بكفه ببعض القوة مرددًا بنبرة أثارت الريبه بقلبها..
” الله يسلمك يا غالية”..

ابتلعت” خضرا” لعابها بصعوبة، و ابتعدت عنه بتوتر، و نظرت تجاه سيارته، دارت بعينيها يمينًا و يسارًا وكأنها تبحث عن شيئًا ما، فضيق” عبد الجبار” عينيه و هو يسألها مستفسرًا..
“أيه.. مالك.. بدوري على حد و لا أيه؟!”..

زاد توترها و قلقها أكثر، و تأكدت أن” حسان” انكشف أمره، و ربما أمرها هي الأخرى، فستجمعت قوتها و جاوبته بشجاعة زائفة..
“أيوه.. الصراحة بدور على حسان.. لأچل ما أخليك تطرده.. معوزاش أشوف خلقته أهنه مرة تانية يا عبد الچبار “..

نظر لها نظره تحثها على استكمال حديثها، ففركت هي يديها ببعضهما و هي تقول بصوتٍ مرتجف يدل على مدى ذعرها..
“هقولك.. هحكيلك اللي حُصل”..

…………………………………. سبحان الله العظيم….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *