غلطه عمري نورهان العشري 2

على مدار أسبوع كامل، كانت حماتها مستلمة الدفة؛ تلف على المعارف والجيران، تجمع صور البنات وتعرضها على فهد وهو راجع من شغله قرفان ومنهك. كان بيبص للصور ببرود ويرميها على التربيزة ويقولها بنبرة ناشفة:
“مش وقته يا أمي، سيبيني في اللي أنا فيه”. هو مكنش شايف ولا عايز يشوف ست في الدنيا غير اللي قاعدة جوة الأوضة وصوت عياطها المكتوم كان بيبث النار في صدره. حكايات نورهان العشري
أما نهى، فكانت في الأيام الأولى عايشة في شبه غيبوبة، لحد ما في ليلة، وهي باصة لوشها في المراية، لقت عينيها منفوخة، وشكلها دبلان، وحماتها كلماتها لسه بتعوي في ودنها زي الذئاب. في اللحظة دي، جواه حاجة اتمزقت واتبدلت.. حست بكرامتها اللي بتقل، وبأنها رخصت نفسها أوي. حكايات نورهان العشري
وقفت قدام المراية، مسحت آخر دمعة بعنف، وقالت لنفسها بصوت قوي لأول مرة:
*”لو فهد هيتجوز عليا، أنا مش هكون موجودة أصلاً عشان أشوفها.. أنا رجعت عشان خاطر اللي في بطني وبناتي، وعمري ما هقبل أكون نص ست في حياة راجل، حتى لو الراجل ده فهد”
من تاني يوم، الشقة اتغير حالها. نهى قامت، غسلت وشها، لبست فستان بيتي صيفي أنيق ومرتب، رفعت شعرها بشكل جميل، ورشت من عطرها اللي فهد بيحبه. فتحت الشبابيك ودخلت الشمس، وبقت تقضي طول اليوم مع بناتها؛ تلعب معاهم، وتضحك بصوت عالي وهي بتلعب وراهم في الصالة، وتغني لهم عشان تشغل عقلها وقلبها عن الوجع اللي بيعصرها من جوة. كانت بتصبر نفسها بإن فهد ابن عمها وحبيبها وعمره ما هيعمل كدة، ولو عمل.. يبقى لكل حادث حديث، والباب يفوت جمل.
فهد كان مراقب كل ده.. الشقة اللي مفاتيحها معاه، كان يدخل ببطء ومن غير صوت، ويقف في الممر يراقبها من بعيد لبعيد من غير ما تاخد بالها. كان بيشوف ضحكتها مع البنات، طريقتها وهي بتهتم بنفسها وبلبسها، والبرود اللي غلف ملامحها فجأة. حكايات نورهان العشري
التجاهل ده بدأ يجننه.. مكنش ده الرد اللي مستنيه! كان فاكر إنها هتيجي تبكي وتترجاه ميتجوزش، كان عايز يديها درس عمرها عشان اللي حصل دا ميتكررش تاني. أو على الأقل تظهر عليها علامات الغيرة والكسرة. لكن نهى بقت تتعامل معاه كأنه شبح في البيت؛ تجهز له أكل وتسيّبه على السفرة وتمشي، تحط له هدومه المكوية على السرير من بعيد لبعيد، ولما يتقابلوا في الممر، بتبص له بنظرة باردة، وخالية من أي عاطفة، وتعدي من جنبه كأنها بتعدي من جنب حيطة.

