بقلم صافي هاني

يا حبيبتي، من أول الشهر ده كل واحد فينا يشيل نفسه ويصرف على نفسه، أنا الصراحة زهقت من إني شايل البيت لوحدي وكل شوية اصرف وأدفع. طارق قال الجملة دي وهو واقف في المطبخ بكل ثقة ويقين، لدرجة إني في ثانية واحدة، ثانية واحدة بس، صِعب عليا من كتر غباؤه.
كنت واقفة بخرّط كزبرة خضرة عشان العشا، صوت السكينة وهي بتخبط في القطاعة كان منتظم، والتلاجة بتزن في الخلفية، وصلصة المحشي بتتسبك على البوتاجاز.
ما زعقتش.
ما عيطتش.
ولا حتى اتفاجئت أو إيدي وقفت ثانية.
قلتله بكل برود ماشي، معنديش أي مشكلة.
طارق تنّح في مكانه، كان باين جداً إنه مستني خناقة وصوت عالي ورد فعل عنيف، بس لقى هدوء وموافقة مفيش أسهل منها.
معندكيش مشكلة؟!
آه، ذمتنا المالية تبقى منفصلة، ده كلام عادل وجيلنا كله بيعمل كده وكل حاجة تبقى واضحة، ونبدأ من بكرة إن شاء الله.
بوقه اتفتح بحيرة ومطلعش منه ولا كلمة.
جوزي مهندس مدني في شركة مقاولات كبيرة وهاي كلاس في التجمع الخامس، بيصمم فيلات وقصور في زايد والساحل، والزبائن بتوعه بيشوفوا شغله ده على إنه بيوت الأحلام. بيكسب كويس جداً، بل ممتاز كمان.
بس بقاله سنين عايش في مية المخلل، وفاكر إن البيت ده بيمشي بالسحر والبركة. النور، الغاز، المية، مصاريف اتحاد الملاك، خزين البيت، المنظفات، حتى مناديل التواليت! كل

ده في خياله بييجي لوحده كده رباني.
أنا بقا مديرة لوجستيات دولية في شركة عربيات مالتي ناشيونال في القرية الذكية. بقبض أكتر من طارق، وبشتغل ساعات أطول، ومع ذلك كنت بضيع يوم السبت من كل أسبوع وأنا واقفة في المطبخ بعمل عزومة لأهله كلهم، كأن بيتي مطعم بوفيه مفتوح وتيك أواي ببلاش.
في الأول، كنت بطبخ بحب.
أمي الله يرحمها كانت دايماً تقول إن الأكل ده هو الطريقة اللي بنحضن بيها الناس من غير ما نلمسهم. وعشان كده كنت بستمتع وأنا بعمل بط ومحشي ورق عنب، ورقاق باللحمة المفرومة، وصواني مكرونة بشاميل، وملوخية، وفراخ محمرة، وحلويات، وكل الأكل اللي يخلي ريحة البيت دافية وتفتح النفس.
الطبخ نفسه مكنش الأزمة.
الأزمة كانت في حماتي، طنط فادية. كانت بتشرف كل يوم سبت ومعاها علب الثلاجة الفاضية، وشنطة مليانة انتقادات وتلقيح كلام.
المكرونة البشاميل معجنة شوية النهاردة يا خلود.
الورق عنب كويس، بس كان محتاج ليمون وسمنة بلدي أكتر.
هو بالمرتب اللي بتاخديه ده مش قادرة تجيبي لحمة بلدي نضيفة من جزار غالي؟
وبعد ما تاكل، تلم العلب وتملى أكل من تلاجتي لسلفتي رانيا وجوزها هاني وعيالهم التلاتة، كأن تأكيل عيلة طارق كلها بقا فرض عين عليا ومسؤوليتي القانونية.
محدش فيهم عمره سأل الأكل ده بيتكلف كام.
محدش مد إيده يغسل طبق.
ولا حد بيقول تسلم إيدك من غير ما يحط بعدها تاتش النقد بتاعه.
الشهر ده، ومن كتر الفضول، فتحت شيت الإكسيل بتاعي.
حسبت اللحمة، الفراخ، الخضار، الحلويات، العصاير، هدايا أعياد ميلاد عيالهم، السبلايز بتاعة المدارس لولاد أخته، وحتى دوا حماتي اللي طارق كان بيجيبهولها من صيدليتي عشان أمي مزنوقة الشهر ده يا خلود.
عزومات يوم السبت لوحدها كلفتني في سنة واحدة حوالي ٢٥٠ ألف جنيه!
ربع مليون جنيه!
عشان بط ومحاشي وعصاير ومنظفات، وكرم كل الناس بتتعامل معاه على إنه حق مكتسب ليهم.
طارق كان بيشارك ب ٥٠٠٠ جنيه بس في الشهر في الحساب المشترك، والباقي شايله لنفسه بلايستيشن، خروجات مع صحابه على القهوة وفي الكافيهات، كوتشيات براندات، وتحويلات فلوس وفودافون كاش لأمه.
الأسبوع اللي فات، في موقف خلاني أقف وأركز.
طارق رجع البيت ومعاه البلايستيشن الجديد عشان يفصل من ضغط الشغل. وفي نفس اليوم ده، كنت أنا دافعة فاتورة الكهرباء والغاز، وشاحنة كارت المية، وشارية خزين البيت بالشئ الفلاني، وجبت شنطة مدرسة جديدة لابن هاني الصغير عشان حماتي قالت الواد عينه هتطلع عليها وصعبان عليا بشنطته القديمة.
لما طلبت من طارق يزود مشاركته في مصاريف البيت، اتنهد وضيق عينه كأني كتمت على نفسه.
أنتِ مبقاش وراكي غير الفلوس والماديات يا خلود؟!
ما ردتش عليه.
بس كتبت كل حاجة في سري.
فكرة فصل الفلوس دي مكنتش فكرته هو لوحده أصلاً.
بقالنا أسابيع وطارق بيردد كلام زميله في الشغل، تامر، راجل مطلق ومُعقد من عيشتة وكل كلامه إن الستات بتعيش على قفا الرجالة. وحماتي كملت الناقص في عشا يوم الأحد اللي فات.
قالت وهي بتمسح بوقها بالمنديل بكل برستيج البيوت الحديثة دلوقتي كل واحد فلوسه لوحده، عشان محدش يحس إنه شايل التاني ويمنّ عليه.
هنا كل حاجة نورت في دماغي.
هما فاكرين إني عايشة على قفا طارق!
فاكرين العزومات، والشوبينج، والنظافة، والفواتير، والفرهدة، وحتى المرتب اللي بيدخل لجيبي، دي حاجات هما متفضلين عليا بيها وأنا مديونة لهم بيها.
ليلتها، كملت عشايا لوحدي.
وطارق مكنش حاسس إن التجربة بدأت فعلياً من اللحظة دي.
تاني يوم الصبح، عملت فطار لشخص واحد بيض عيون بالبسطرمة، توست محمص، حتة جبنة قريش بزيت زيتون، وكوباية شاي بلبن سخنة. قعدت وكلت بقمة المزاج والهدوء.
طارق نزل، شعره منكش، قميصه مكرمش، وعينه مشققة من النوم.
فين الشاي بلبن بتاعي والفطار؟
قلتله وأنا بشرب بق شاي اعمل لنفسك، مش إحنا فصلنا المصاريف؟ كل واحد يعمل حاجته بنفسه ويشيل مسئولية نفسه.
فتح التلاجة.
الاستيكرات البمبي كانت مالية كل حتة.
على كرتونة البيض.
على قالب الجبنة الشيدر.
على علبة السمنة.
على اللانشون والتركيز المدخن.
على الفاكهة.
على برطمان النسكافيه.
على أزايز اللبن.
حتى على
لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *