خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٢

(إبراهيم) :
– أيوة عندي, في عمارة جديدة يادوب هأخلص تشطيبها كمان أسبوعين بالكتير في الحي الثامن, بس لمين ؟

(جلال) :
– آدم ابني رجع من السفر وعاوز له شقة كويسة ومش عاوزه يلف كتير وفي نفس الوقت تكون قريبة من الشركة.

(إبراهيم) :
– بجد ؟ رجع إمتى الواد حبيبي ده؟ ماشفتوش من أيام ماساب البيت عندك.

(جلال) :
– يادوب لسه راجع من يومين وإنت عارف إنه مش هيرجع الفيلا فعاوز له حاجة على ذوقك بقى.

(إبراهيم) :
– بس كده, عيوني ليه, نفسي أشوفه اتجوز ولا لسه ؟

(جلال) :
– أيوة اتجوز برا واحدة كندية بس اتوفت من ييجي سنة كده ورجع عشان يستقر هنا, هيشتغل مع أخوه في الشركة ويشوف مكان مناسب يعيش فيه هو وابنه, مش هأوصيك بقى.

(إبراهيم) :
– ماتقلقش ياجلال, اديني بس فرصة أسبوع تكون واجهة البرج قربت تخلص والشقة اتشطبت لأنهم لسه بيفنشوا فيها بس هيأخد شوية وقت على ما الاسانسيرات تشتغل .

(جلال) :
– ماشي ياحبيبي, هأكلمه وأقوله إنها منك إنت, أنت عارف إنه بيعزك وبيثق فيك.

(إبراهيم) :
– خلاص ماشي تمام, خليه يعدي علي في أقرب وقت نشوف العقود .

(جلال) :
– وبالنسبة للسعر ماتكلموش فيه بقى يا إبراهيم, الموضوع ده معايا.

(إبراهيم) :
– ياسلام ولو مني له هدية ماتدخلش إنت, آدم ده في معزة ماريا و يوسف.

(جلال) :
– ربنا يخليك لي يا إبراهيم, كنت عارف إني دايما أقدر أعتمد عليك.

وأنهى المكالمة في بعض المجاملات وهو يشعر بالارتياح يغمره, فهاهو يقترب من ولده أكثر ويحاول أن ينسيه موقفه السابق وتخاذله في نصرته, دعا الله أن يقبل ولده وأن يعيده إلى كنفه مجددا.

الفصل التاسع
__________

عاد (أدهم) للمنزل من عمله مرهقا للغاية فهو لم ينم طوال الليل ويعمل منذ الصباح المبكر وضغوط العمل كأنما تعمدت أن تزداد اليوم, كان الوقت متأخرا خاصة أنه سهر في الشركة عدة ساعات بعد انصراف الموظفين والساعة تخطت منتصف الليل, لم يتوقع أن يجد والدته مستيقظة تشاهد التلفاز الكبير في استقبال الفيلا وكأنها تنتظره, شعر بالدهشة وتوجس خيفة, لابد أنها تنتظره بالتحديد وشعر بالقلق من الأمر الذي تنتظره بسببه وتمنى من الله ألا يسبب بينهما مشكلة من أي نوع, أغلق الباب خلفه فالتفتت والدته ناحيته, ابتسم ابتسامة واسعة وأقبل نحوها وملامح وجهه تنطق بالإرهاق, رأته والدته بهذا الشكل وعلمت أنها اختارت الوقت المناسب لتحادثه بخصوص عمل (دينا) في الشركة, فهو مجهد يشتاق للراحة ولن تلح كثيرا قبل أن يستسلم حتى ينال قسطا من الراحة وطالما أخذت منه وعدا حتى وإن لم يرده فسوف يفي به, بادلته الابتسامة ومدت يدها إليه قائلة :
– أدهم تعالى ياحبيبي, شكلك مرهق.

اتجه إليها وأمسك بيدها وجلس إلى جوارها على الأريكة المريحة وغاص فيها محاولا الاسترخاء, أسند رأسه لمسند الأريكة وأغمض عينيه في تعب وهو يرد :
– جدا يا أمي, الشغل النهاردة كان صعب خاصة وإني مانمتش بالليل.

مسحت على شعره برفق ولم ترد معلقة على سبب عدم نومه فهي لا تريد استثارته وتعلم مكانة أخاه عنده لذلك تجاهلت الأمر وقالت بحنان :
– معلش ياحبيبي ربنا يعينك, بكرة آدم ييجي يشتغل معاك ويساعدك.

فتح عينيه وتطلع إليها في دهشة, منذ متى تتحدث أمه عن أخيه برفق وهدوء هكذا, لكنها استطردت لتنهي دهشته :
– حبيبي عاوزة منك طلب.

تخطى دهشته وعلم أن السبب في سهرها سيظهر الآن, فاعتدل في مجلسه وأعطاها انتباهه قائلا :
– خير ياحبيبتي محتاجة حاجة ؟

صمتت لحظة ثم حاولت اختيار كلماتها حتى لا تغضبه :
– أيوة ياحبيبي محتاجة منك خدمة عشان عمو مصطفى.

اندهش مرة أخرى, أما هي فكانت تعلم أن اقتران طلبها برجل يحترمه (أدهم) سيقلل من حدته فأكلمت :
– دينا بنت عمو مصطفى, باباها تعب معاها نفسه تتعلم الشغل عملي وتنزل معاه الشركة بس بتنزل يومين وترجع تتدلع وماتروحش الشغل, إنت عارف إن شركة باباها مصيرها لها بعد عمر طويل وباباها نفسه يبقى عندها الكفاءة والخبرة الكافية اللي تخليها تمشي الشركة بعده صح, المشكلة إنها دلوعة وهو كمان مدلعها ومش بيرفض لها طلب ولو قالت تعبت أو مش عاوزة بيسيبها.

ظلت الدهشة محفورة على وجهه وهو يتساءل :
– طيب وايه المطلوب مني يا أمي ؟

(فريدة) ببطء :
– المطلوب منك ياحبيبي شدة ودن وشوية حزم تخليها تتعلم الالتزام.

(أدهم) باستغراب :
– أنا اللي هاشد ودنها ؟ مش فاهم يا أمي وضحي من فضلك .

(فريدة) :
– أيوة يا أدهم, عاوزين نشغلها في شركتنا في أي حاجة مناسبة لتعليمها, بحيث تتعلم الالتزام وإن المكان ده مش هتتدلع فيه زي شركة باباها, ولو غلطت أو قصرت هتتحاسب, وأنا متأكدة إنها هتلتزم عندنا لأنها بتحترمك وبتقدرك.

(أدهم) وقد غلى غضبا لكنه لم يظهره :
– مستحيل يا أمي, أنا آسف, دينا مش بتاعة شغل أصلا, وحتى شكلها وطريقة لبسها مش مناسب لشركتنا, ولو اشتغلت عندنا هيحصل مشاكل بينا وبين عمو مصطفى لأني هاعاملها زي أي موظف وبالتالي الآنسة دلوعة مش هتتقبل .

(فريدة) محاولة التحدث بهدوء :
– عشان خاطري ياحبيبي, طنط ناريمان نفسها البنت تتعلم حاجة تستفيد بيها ونفسها حد يسيطر عليها, باباها مدلعها بزيادة ومش بيحب يضغط عليها إنما إنت هيبقى معاك الحق في أي حاجة بتعملها معاها في الشغل لأنها بتشتغل عندك مش في شركتها.

(أدهم) بلهجة حازمة قاطعة :
– معلش يا أمي اعفيني من الموضوع ده, الشركات كتير أصحاب عمو مصطفى وبرده ممكن يشغلوها ويسيطروا عليها ويعلموها .

(فريدة) وقد بدأت العصبية تتسلل لصوتها :
– ايه يا أدهم دي أول مرة منك حاجة تخص الشغل, بتحرجني مع طنط ناريمان وكمان باباك مع عمو مصطفى .

(أدهم) منهيا الحوار :
– طيب إنت قلت بنفسك أهو, في الشغل, وشغلي مش باحب حد يتدخل فيه خصوصا يا أمي إنك عارفة إني مش باطيق دينا أصلا فعاوزاني اشغلها معايا وكمان احتك بيها واشد لها ودانها, لا آسف مش هأقدر.

ثم وقف وأمه تكاد تشتعل غضبا وهو يكمل :
– تصبحي على خير يا أمي.

وانطلق صاعدا لغرفته فاستوقفته أمه قائلة بعصبية :
– للدرجة دي يا أدهم طلبي سهل ترفضه, بأقولك الراجل اللي بتحترمه محتاج منك خدمة تقوم ترفض بسهولة كده وبرده عشان حاجة شخصية المفروض مالهاش علاقة بالشغل, لما بييجوا يزورونا بتعاملهم بطريقة مش ظريفة وقلت ماشي مشاعرك وإنت حر فيها, لكن ده يعتبر بيزنس مالوش علاقة بحاجة تانية, واحدة هتبقى موظفة عندك تعاملها زيها زي أي واحدة تانية وحتى لو غلطت تعاقبها زيها زي غيرها.

كان الأمر منتهيا بالنسبة لـ (أدهم) والنقاش فيه لن يغير من رأيه فلم يعلق كثيرا واكتفى بقول :
– تصبحي على خير يا أمي, وانسي الموضوع ده خالص.

انفعلت والدته أكثر وهتفت :
– أدهم لما أكون بأكلمك تقف وتكلمني وباحترام وذوق وعينك معايا.

شعر بالغضب فهاهي تستغل احترامه لها, التفت إليها في صمت ونظر إليها فقالت بعصبية :
– إنت فاكر عشان بتدير الشركة إنها بقت بتاعتك خلاص تتحكم وتؤمر فيها براحتك ؟ دي شركة باباك يا أدهم وشركتي انا وأختك كمان ومن حقي أأمرك وتنفذ حتى في الشغل مادام يعتبر مالي , فاهمني ولا لا ؟

صمت (أدهم) لثوان كأنما يهضم ماقالته ثم نطق أخيرا بهدوء قائلا :
– نسيتي إن آدم له في الشركة كمان, حاجة تاني يا أمي ؟

ذهلت السيدة من تجاهل ابنها التام للأمر وكادت تفقد أعصابها أكثر لولا بقايا من عقل منعتها طلبا للتهدئة حتى يرضخ في النهاية فحاولت الالتفاف حول الأمر :
– خلاص يا أدهم أنا هأكلم باباك وهو يشوف شغله معاك.

رفع (أدهم) حاجبه في استخفاف وهو يثق بقرار والده قائلا :
– طيب يا أمي وأوعدك لو بابا وافق دينا هتيجي تشتغل في الشركة من بكرة.

برقت عيناها في ظفر فهاهي حصلت على وعدها, وهي تعلم تماما أن والده موافق منذ البداية فأشاحت بوجهها قائلة :
– خلاص يا أدهم هأكلم بابا ونبقى نشوف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *