معركه باب التلاجه منى السيد 1

نزلت قعدت على قهوة بلدي على ناصية الشارع، وشي في وش مدخل عمارتها بالظبط. طلبت حجر شيشة تفاح وواحد شاي كشري مظبوط، وسبت عيني مبرقة على بلكونتها. دقات قلبي كانت أسرع من خبطات الطاولة اللي ورايا، بس جوايا طاقة شماتة وراحة غريبة.. لأول مرة من شهور أحس إن نفسي راجعلي، وإن دموعي اللي نزلت على تورتة التوت ما راحتش هدر.
مرت حوالي نص ساعة، والهدوء اللي كان مسيطر على الحتة فجأة اتقطع بصوت صرخة مكتومة، جاية من الدور الثالث. الصرخة دي ميزتها من وسط مليون صرخة.. دي حنجرة طنط نادية لما تكتشف مصيبة! شفت شيش البلكونة بيتفتح بهبدة، ووشها ظهر وهي حاطة إيدها على راسها، وعمالة تبص يمين وشمال كأنها بتدور على حريق أو قنبلة انفجرت في البيت.
طلعت الموبايل من الشنطة وحطيته قدامي على الترابيزة. دقيقة.. اتنين.. وبدأ التلفون يرن بـ نغمة “حماتي الملاك”. سبته يرن لحد ما فصل. رن تاني.. وتالت. في المرة الرابعة فتحت الخط وحطيت التلفون على ودني بكل برود الدنيا، وبمنتهى الرقة قريت:
— أيوة يا طنط نادية يا حبيبتي؟ صباح الفل، لحقتي تشوفي المفاجأة؟
جالي صوتها من الناحية التانية مخنوق، طالع بالعافية، كأنها بتنازع:
— مفاجأة إيه وزفت إيه يا شيرين؟! أنتي إيه اللي هببتيه في مطبخي ده؟ أنتي جيتي هنا إمتى؟ وفين الأكل؟ فين حلة الممبار اللي كنت حاشياها صباع صباع من الفجر؟ فين السمنة والخير اللي مالي البيت يا خطافة الرجالة؟
ضحكت ضحكة مكتومة وحطيت رجل على رجل:
— خطافة رجالة إيه بس يا طنط، الله يسامحك! أنا قولت أردلك جمايلك الكثيرة معايا. أنتي مش كنتي بتدخلي شقتي ترمي “الأكل المعفن” اللي مش عاجبك عشان خايفة على صحة ابنك؟ أنا برضه دخلت ولقيت تلاجتك كلها سموم ثلاثية الأبعاد.. كوليسترول، ودهون مشبعة، وأملاح ترفع الضغط في ثانية. أنا رميت كل القرف ده عشان بحبك وخايفة على قلبك، وحطيتلك مكانهم توفو ولبن جوز هند.. ده غالي جداً على فكرة و…
مكملتش الجملة ولقيتها قفلت السكة في وشي بهبدة تسمّع في ودني. عرفت إن الحرب الرسمية معلنة، وإن الجولة الأولى خلصت لصالحي، بس الجولة الثانية هتبدأ في شقتي أنا، وبالتحديد لما طارق يرجع من الشغل.
رجعت بيتي العصر، دخلت غيرت هدومي وعملت نفسي مش عارفة حاجة. وبدأت أجهز في صنف أكل دايت خفيف، وفتحت التلاجة أبص على تورتة التوت المفعوصة اللي مدهونة شوكولاتة رخيصة.. حسيت بانتصار ملوش مثيل.
على الساعة ستة، الباب اتفتح هبد. طارق دخل وعيونه بتطلع شرار، وشه أحمر وعروق رقبة نافرة، والشنطة رماها على الأرض من غير ما يقول حتى السلام عليكم. بصلي وهو بيلهث وقال بصوت زلزل الحيطة:
— شيرين! أنتي إيه اللي عملتيه في بيت أمي ده؟ أنتي اتجننتي رسمي؟ بقى تروحي شقة ست كبيرة، ترمي شقاها وتعبها وأكل أسبوع بحاله في الزبالة؟ أمي بتكلمني وهي بتبكي ودموعها مغرقة وشها، وضغطها وصل ٢٠٠ بسببك!
وقفت بكل ثبات إنفعالي، حطيت المعلقة من إيدي، ولفتله بابتسامة باردة وهادية جداً:
— جرى إيه يا طارق؟ مالك داخل حامي كدة ليه؟ أنا عملت إيه غلط؟ أنا عملت بالظبط بالظبط اللي مامتك بتعمله معايا كل أسبوع!
طارق اتعصب زيادة وقرب مني وهو بيشاور بصباعه:
— لا متقارنيش! أمي لما بتيجي هنا بتيجي بيتها، ده بيت ابنها! وبتعمل كدة بدافع الأمومة والنظافة، بتعدل المايل، بتطبخلك وتأكلك بدل الأكل الغريب اللي بتاكليه. إنما أنتي تروحي هناك تفتشي وترمي أكلها؟ دي قلة أدب وقلة ذوق!
هنا بقا، نبرة صوتي اتغيرت، والابتسامة اختفت تماماً وحلت مكانها نظرة حاسمة وقوية:
— لاء يا طارق! لحد هنا واقعد مكانك واسمعني كويس. مفيش حاجة اسمها بيت ابنها طالما أنا عايشة فيه، ده بيتي ومملكتي، وخصوصيتي خط أحمر. أمك دخلت تلاجتي رمت برطمانات وجبن بالآلاف، رمت أكل صحي أنا شرياه بفلوسي وتعبي، بوظتلي تورتة عيد ميلادي وحطتلي رنجة بالبصل كبست على نفسي ونكدت عليا. وأنتي ساعتها قولتلي إيه؟ فاكر؟ قولتلي “أمي نيتها طيبة وكلي صباعين محشي وفكيها”!
طارق اتلعثم شوية وحاول يتكلم، بس أنا مديتلوش فرصة وكملت:
— أنا كمان نيتي طيبة جداً يا طارق! وطالما النية الطيبة بتشفع للناس تقتحم خصوصيات غيرها، يبقى تشفعلي أنا كمان. أنا دخلت رميت السمنة والممبار عشان خايفة على صحة حماتي حبيبتي، وحطيتلها كينوا وتوفو عشان تعيش أطول وتشوف عيالنا. روح قولها بقا “شيرين نيتها طيبة، كلي حتة توفو وفكيها بقا”!
طارق وقف متنح، بيبصلي وكأنه أول مرة يشوفني. الكلمات طارت من دماغه، مكنش متوقع إن البنت الهادية المطيعة اللي كانت بتبكي في المطبخ تطلع بـ الوش ده. لف ضهره وهو بيبرطم:
— أنتي حسابك معايا بعدين.. أنا نازل لأمي أشوف المصيبة دي هتتحل إزاي، والنسخة اللي معاكي دي هتعمليلها إيه!
وقبل ما يقفل الباب قولتله بصوت مسموع:
— المفتاح مش هيرجع غير لما المفتاح التاني يرجع يا طارق.. البادي أظلم!
فات يومين، والبيت كان عبارة عن معسكر حرب باردة. طارق بيرجع ينام وم بيكلمنيش، وأنا مطنشة تماماً وعايشة حياتي، بقرأ رواياتي، وبتابع صفحاتي، وبنزل شغلي. طنط نادية م رفعتش سماعة التلفون عليا، بس أنا عارفة الستات دي كويس.. السكوت ده مش استسلام، ده هدوء ما قبل العاصفة، وبتخطط لرد يكسر ضهري.
وفي اليوم الثالث، رجعت من الشغل العصر. أول ما حطيت المفتاح في الكالون ولفيته، حسيت بحاجة غريبة.. الباب اتفتح بس كان فيه ريحة بخور تقيلة جداً، ريحة جاوا ومصطكي تقلب البطن، مالية الطرقة.
دخلت الشقة بخطوات بطيئة، قلبي بدأ ينبض بقوة. ناديت: “طارق؟” مفيش رد. مشيت في اتجاه الصالون.. الشقة كانت هادية، بس الريحة كانت بتزيد. وصلت لحد باب المطبخ، ووقفت مصدومة.. مش قادرة أصدق عيني!
المطبخ الأمريكان الواسع، اللي كنت برصه بالمسطرة، كان متبهدل بهدلة السنين. الرخام كله عليه بقع زيت وسمنة، والحوائط المتناسقة مطرطش عليها صلصة حمراء. بس الصدمة الأكبر.. الصدمة اللي خلت ركبي تخبط في بعضها، كانت التلاجة!
بابين التلاجة كانوا مفتوحين على الآخر، ومفصولين من الكهرباء.. الماية كانت بتسيل من الفريزر على الأرض. وجوه التلاجة؟ مكنش فيه أكل.. كان فيه “كارثة”.
طنط نادية جابت تلات قتات (مقاطف) خوص كبار مليانين فجل وجرجير وبصل أخضر بطينهم وعروشهم، وحشرتهم جوه الرفوف بالتراب بتاعهم! الرف الثاني كان عليه راس كرنب نية، ملفوفة بجرنان قديم ومحطوطة فوق علب الكريمات المستوردة بتاعتي. أما الرف الأخير.. فكان فيه صدمة عمري: بلاص مش قديم، من الفخار اللي بيسرب زيت، محطوط في قلب التلاجة، والـ مش والعسل الأسود سايلين على الرفوف الإكريليك الشفافة ونازلين يغرّقوا درج الخضار!
وعلى باب التلاجة، كانت لازقة ورقة كراسة مربعات، مكتوب عليها بخط إيدها الكبير والمهرجل:
“شيرين يا بنتي، جيت أسقي الزرع تاني، لقيت تلاجتك فاضية ومفيهاش خير يفتح النفس. قولت أعمل بأصلي وأجيبلك خير بلدنا.. جبتلك بلاص المش ده من المنوفية مخصوص عشان يفتح نفسك أنتي وطارق، وحطيتلك الخضار بطينه عشان يفضل طازة وصاحي. والكهربا فصلتها عشان المش مبيحبش الساقعة بيجمد ويموت. رديتلك المفاجأة يا حبيبة قلبي. بوسة، ماما.”
وقفت وسط المطبخ، عيني بتتنقل بين المش اللي بيسيل على الأرض، وبين طين البصل الأخضر اللي ملا الرفوف، وبين ريحة البخور والفسيخ اللي بدأت تظهر في الجو. الدموية طارت من وشي، والشماتة والانتصار اللي كنت حاسة بيهم من يومين اتبخروا في ثانية. طنط نادية م لعبتش في الأكل المرة دي.. طنط نادية دمرت التلاجة نفسها! دمرت فخري وعزي في البيت!
مسكت الموبايل وإيدي بتترعش، وطلبت رقم طارق. أول ما فتح السكة، صرخت بأعلى صوت عندي، صرخة طلعت من غليلي وحرقة قلبي:
— طارق!!! تعالي حالاً!! أمك دمرت الشقة! أمك حاطة بلاص مش وطين في تلاجتي وفصلت عنها الكهربا! الأكل كله باظ والتلاجة اتمرمطت! لو مجيتش دلوقتي واخدت منها المفتاح، أنا هلم هدومي وأمشي، والموضوع ده مش هيعدي على خير!
طارق رد ببرود مستفز، كأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر:
— جرى إيه يا شيرين؟ مش أنتي اللي بدأتي وروحتي رميتي أكلها؟ أمي بتردلك الزيارة بالخير.. المش والفجل دول خير وبركة، كلي لقمة مش بصلتين وفكيها بقا! والبادي أظلم يا شيري!
قفل السكة في وشي. رميت التلفون على الرخامة المتسخة، وقعدت على الأرض وسط الماية السايلة وطين الجرجير. دموع القهر والغل نزلت من عيني.. عرفت إن المواجهة دي مش هتخلص بكلمتين، وإن طنط نادية قررت تلعب معايا “عض أصابع”، واللي هتصرخ الأول هي الخسرانة.
قمت وقف على رجلي، مسحت دموعي بكم كم قميصي، وبصيت للمطبخ المتبهدل. عيني لمعت بنظرة شريرة مكنتش أعرف إنها جوايا أصلاً. قولت لنفسي: “ماشي يا طنط نادية.. أنتي اللي اخترتي طريق العنف، والمرة دي اللعب مش هيبقى في التلاجة.. اللعب هيبقى في حتة تانية خالص أنتي متتخيليهاش!”
بدأت أخطط للخطوة الجاية، خطوة هتخلي طارق نفسه يندم على اليوم اللي أدي فيها أمه نسخة من المفتاح…
(يتبع في الفصل الثالث…)

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *