مصطفى وعايده 1

أول ما يفتح الباب, يلاقيها مستنياه, لابسة عباية بيتي نضيفة, وشعرها ملموم, ووشها منور. تقوله: “حمدالله على السلامة يا سي مصطفى.” الكلمة البسيطة دي كانت بتريح قلبه كله. كانوا يقعدوا يتعشوا سوا على الطبلية قدام التليفزيون. وبعد العشا, عايدة بقت عاملة طقس ثابت. كل ليلة فيلم جديد. “انهارده جايبالك فيلم عربي قديم, فاتن حمامة.” “بكرة هنشوف فيلم أجنبي مترجم, بتاع الراجل اللي تايه في الجزيرة ده.” كانوا يقعدوا جنب بعض على الكنبة, بينهم مسافة صغيرة في الأول, وبعد كام يوم المسافة دي راحت لوحدها. يتفرجوا ويتكلموا. تحكيله عن أمها الله يرحمها, وعن أيامها السودة مع مرات أبوها, وكانت بتحكي من غير شكوى, بتحكي كأنها بتحكي حدوتة عن واحدة تانية. وهو يحكيلها عن المحل, وعن أبوه الحاج عز, وعن وجعه بعد الطلاق وكلام الناس اللي كان بيقطع فيه كل يوم.

كانت بتسمعه. بجد بتسمعه. مش بتقاطعه ولا بتلومه. ولما يسكت, تحطله كوباية شاي بالنعناع وتقوله: “كله هيبقى خير, ربك كبير.” عايدة كانت عايشة أسعد أيامها حياتها. أخيرا بقت في بيت فيه أمان, مع راجل بيحترمها ويبصلها كأنها حاجة غالية. كانت كل يوم تستناه يرجع, وتجهز السهرة كأنها عيد. ومصطفى؟ مصطفى كان وقع, ووقع جامد. بقى يعشق البيت, يعشق ريحة الأكل, يعشق صوت ضحكتها وهي بتتفرج على فيلم كوميدي. بقى يبصّلها وهي سرحانة ويسرح في جمالها الهادي. كان بيهرب من أوضته بالليل عشان ما يفكرش كتير, بس التفكير كان بيجي لوحده.. لحد ما حصلت حاجة غيرت مجرى حياتهم تماما.

في يوم, كان مصطفى قاعد في محله تحت, ودخل عليه دكتور عاطف, صاحب أقدم صيدلية في الصاغة, وكان صديق مقرب لأبوه الله يرحمه. نادى عليه وقال: “يا مصطفى يا بني, كنت معدي وعايز أقولك كلمة لوجه الله.” مصطفى ساب التوزيعة اللي في إيده وقام استقبله: “أمر يا دكتور, اتفضل.” الدكتور قعد بحزن وقال: “أنا كنت رايح بلدكم مغاغة من كم يوم في مشوار, وقابلت واحد قريب لمراتك القديمة هناك, وكان زعلان من حكاية الكلام اللي طلع عليك بعد الطلاق. الراجل ده حكالي إن طليقتك منار هي اللي كانت متابعة في معمل تحليل هناك وإنها هي اللي كان عندها مشاكل صحية من الأول مش انت, وإنها دارت على الموضوع ده عشان تطلع نفسها بريئة قدام أهلها والبلد!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *