جمر الهيام نورهان محسن

لكن صوت شهد اخترق الصخب، ممزوجًا بالذعر: الراجل ده بيقول ان بابا مجوزني له عرفي يا جلال… وانا اول مرة اشوفه في حياتي!!
تحوّلت ملامح جلال إلى وجه قاتم يقطر نارًا، وصوته خرج مشحونًا بالوعيد: بالذوق كده هتطلع الورقة للي كتبتها انت وابوها… ولا هخليك تطلعها بطريقتي
تراجع مختار بخوفٍ ظاهر، واندفع نحو الدولاب بخطوات مترددة، لكن جلال قبض على الروب من الخلف، مهسهسًا بصوت جليدي: أي حركة غدر منك هسيحلك دمك
تمتم مختار متلعثمًا: الخزنة… الخزنة في الدولاب
أدار جلال رأسه لشهد وهو يأمرها بنبرة حاسمة: افتحي الدولاب
تقدّمت شهد بخطوات حذرة وفتحت الباب، ليخرج مختار من الخزنة عدة أوراق، لكن جلال خطفها من يده بسرعة، وقلب بها بعينين متوحشتين ليتأكد، ثم ألقى به أرضًا، وأشعل ولاعته فى الأوراق، فتصاعدت ألسنة النار لتلتهمهم، ثم دهسهما بقدمه حتى تحوّلا إلى رماد.
لم يكتفى بذلك، بل مدّ يده إلى الخزنة يُفتش، ليخرج منها أسطوانات وأقراصًا مدمجة، وبعد الصور لفضائح مختار مع فتياتٍ أخريات، فصاح الأخير هلعًا: للي بتعمله ده مش هيعدي، انت مش عارف ممكن اعمل فيك ايه؟
اقترب منه، وقال بتهديد صريح: وانا عايز اشوف الراجل النطع للي زيك بيعمل، قسما عظما لو بس هوبت نحيتها… لا اكون ملبسك طرحة وافضحك بالقرف للي في إيدي
أنهى حديثه بإحتقار، ثم أطبق قبضته على يد شهد، وسحبها خلفه بخطوات حاسمة، تاركًا مختار غارقًا في خوفه وذله، وجدار الغرفة لا يزال يهتز من صدى كلماته.
يتبع…
رواية جمر الهيام
بقلم نورهان محسن
الجمرة الرابعة
لم يمضِ سوى أيام قليلة على الحادثة، حتى تحوّل الحي الشعبي إلى خلية نحلٍ تلوك الألسنة سيرة شهد ووالدتها وخالتها، الناس في الحارة لا ترحم، وكل همسٍ على الأبواب كان كالسكاكين يُغرس في ظهور النساء الثلاث، كلمة هنا، نظرة هناك، صارت الحكاية كأنها فضيحة تلوكها الألسن بشراهة.
في المقابل، جلس جلال في شقته بالطابق الثالث، وقد أثقل صدره حملٌ لا يُحتمل، والده يضغط عليه، ووالدته تلحّ بدموعها: يا ابني فيها ايه لما تريح قلب امك وتتجوّز هدى… دي بنت عمك وفلوس أبوها ماينفعش تطلع بره، البت زي فلقة القمر وبتحبك وبتتمنلك الرضا ومتربية في بيتنا وع ايدينا
كان جلال يجلس على الكرسي، ملامحه متصلبة كجدار، وعينيه معلّقتان في فراغٍ غامض، قبل أن يردّ بصوتٍ قاطع: أنا هتجوز شهد


