امسكت بيدي قمر علي 2

الفصل الثامن

تنهدت بتعب ، عيناها لا تكف عن استراق النظر له ، اخرجت زفره خافته و هي تلمح جسده يستقر بعيداً عنها ، يتحاشى النظر لها ، تشعر بانها حشرة كرية يتوجب الهر,ب منها ، يعاملها بهذا الجفاء دائماً ، لا يكلف نفسه حتى عناء النظر في عينيها ، دائماً هر,ب و هي صامته لا تعلم الحل ، الوحدة تخ.نقها و بعده يقلقها ، هل مل منها ! كلمه وجدتها مؤ,لمه و ما زاد إلامها بانها هي السبب ، مع كل اشر.اقة يومٍ جديد تكتشف بانها مخ,طئة ، تكتشف ارتكا,بها لذ,نبٍ خط,ير ، ذ,نب لو دفعت كل عمرها لن توفية ، لو تحكمت بعقلها ، لو استطاعت السيط,رة على خنو,عها و ضع,فها لتغير الكثير و لكان هناك امل.

تطلعت شارده الى الامام ، عباراتها تصارع جفنيها للخروج و قلبها يقرع طبول الخوف و الاسى كأن مارداً فوق رأسها ، السكون كل ما تريده و حياة هاديء بعيده عن كل هم ، و لكن الا اين المفر فهي هش ضعيفة ، تستجمع قواها من امراةً تكررت زياراتها و ازدادت كلماتها قوة ، تحاول ان تتذكر حروفها كلما ضعفت ، لم تستطع منع نفسها من استراق نظرة خاطفة و هي تتذكر تلك المرأة التي احضرها هذا الغريب ، طبية نفسية عرفت عن نفسها بكل لباقه ، جميلة ناعمه ، بشوشة ، ابتسمت لها بكل اتساع و هي تخبرها بان المشوار سيبدأ معها ، سيحاولان معاً التخلص من عوالق الماضي ، كلماتها بدأت تصبح كأنها قوانين في حياتها و اركان تستند عليها ، تتذكر ما قالته في زيارتها الاولى ” أنتِ قوية ، الغبي من يظن بأننا ضعفاء ، تستطيعين النهوض و بناء مملكة من السعادة على اطلال الظلام ، لا تخا,في ، لا تتراجعي ، لا تسمحي لشبحٍ خبى بريقه بان يسير حياتكِ و يوجه مستقبلاً تستطيعين إنارته بقوتك و بروحٍ تأبى الوقوع و الانحناء .

في تلك اللحظات اشتهت البكاء بشدة فلعل وعسى أن تتسلل تلك الضيقة خارجةً برفقة مياه أعيُنها ولكنها ليست تبكِ ! هل جففت شمس الشقاء آبار أدمُعها ؟ يبدو كذلك ، حتى دمعاتها تخلت عنها هذه المرة ولم ترحها من بعض حِملها الثقيل كالمعتاد ، عصفت بها الحياة بشتى الأوجاع المُتراكمة على بعضها البعض ، وأبقتها   تحت رحمة أمطار الواقع المريرة !

********

نظرت بطرف عيناها نحوه ، لا تفهم لما احضرها الى هنا ، محل عملها القديم ، المكان الذي تكررت إها,نتها هنا ، التع,نيف و الصر.اخ ، ارتج,ف جس.دها و هي تتذكر توسلاتها للحفاظ على هذا العمل الم,هين ، يد امتدت و أحكمت إمساك بيدها و انامل تشابكت مع أناملها الرقيقه ، دفعه قليله للأمام كفيلة بتحريك جس.دها و جعله يسير كألةٍ أصدرت اوامرها و انتهت برمجتها .

دفع الباب و عبرت من خلاله برفقة غريبها ، الد,فء تسلل حتى احرق جس,دها و الحرارة انبعثت حتى إذا,بة جليد قلبها ، قوة و سكون ، و الم و شجون ، حيرة و طريق ملبدٌ بالأعا,صير ، ذكريات د,فنت تحت النعو,ش و الا,م سطرها الشجون ، همس سرت كتيارٍ منصهر أذ,ابت كل صلبٍ : ابتسمي .

أدارت حدقتاه نحوه و هزت راْسه و امر عينيه جعلناها تطيع بلا حرف بلا كلمه ، العناد اختفى و االاعتراض أذعن لسيده ، ابتسامه شقت وجهها و عيونٌ حاقده اختر,قت جس,دها ، صوت كريه تردد على مسمعيها و جمد الد,ماء داخل جس,دها : منار ، ماذا تفعلين هنا ؟

ذكريات عادت كالعا,صفه و الخو,ف احكم سيطرته كو,حش عاد للحياة ، ذكريات ذلك الرجل تر,عبها فهي لا تقل عن ذكريات زو.ج أمها المر.عبه ، رب عملٍ نظر لها كما ينظر زوج أمها لها ، حاول بأكثر من طريقه جعلها جسد يفر.غ   و يس.تلذ بطعم صباه .

ذكريات تزاحمت و لمسات محر.مة على جس.دها منذ نعومة أضافرها اعادت السير نحو عقلها ميقضه كل نفور ، كل الم ، كل ذكره سعت لطمس معالمها و النهوض على عرشها ، لم تقل لأحد عن ، لم تفتح فمها الا لتلك الطبيبة التي كانت كشعاع نورٍ بعث لنجدتها ، بقة ضوء صغيرة داخل ثقبها الأسود المخيف ، ابتسامه دوت و شماته انطلقت جعلتها تعود للوراء عدة خطوات تبحث عن سد تحتمي بهِ ، لكن هيهات اي الهرو.ب فالخوف مهما تراجعنا يعود ، مهما ضعفنا يعود ، ملك ستجبر و حاكم يسيطر .

” لا تخافي انا هنا ” همس تسللت الى ق.لبها و ملكت جوا.نحها ، همس اختلفت و اختلف معناها ، حروف قليلة أشعرتها بوجود من يسندها ، بوجود من يحميها ، الان كل شيء مختلف هنا شخص بجانبها ، هناك من تستند عليها و تتقدم ، ركن يبقيها واقفه مهما انهارت الأعمدة مِن حولها و مهى انخسفت الارض تحتها .

سارت بآباء و هي تسمع أوامر زو,جها و سندها رجل لن تجد له مثيلاً بوجود ، يأمر من حوله بإظهار أغلى ما عندهم فهو يريد الشراء ، و ليس لأي أحد ، يريد ان يغر,ق زو,جتها بأغلى الثياب ، كلمات هزيل عند غيرها ، لكن تكفي حروف فمه لتنهش ج.ثت أفنتها السنو.ن و داست عليها جيو,ش الظ,.لم و الجبروت .

نظرات حسد و شماته ، قلوب ملأها الحقد ، زوجها يقلب الأشياء ، يعجبه شيء و يكره شيء ، مديرها يتبعه كجروٍ صغير يستجدي عطفه ، يطلب رضاه بل يطلب رضاها فهي من تختار و هو يأمر بإبعاد ما لا ينال استحسانه و يطلب بإنزال ما يثير بريق عيناها ، هي سيد ، لم تستطع الا الابتسام ، لم تستطع الا الطلب ، الامر و النهي عاده كأنها زرعت بها منذ سنوات ، لا تشعر بمرور الوقت و هي تشعر بقيمتها ، لم تعد من تضر,ب لأتفه الأسباب ، لم تعد من تستجدي القروش فهي الان من تبعثر الكنوز .

التفت موسى الى منار يرمقها بنظرة تذوب رقة وعاطفة ، بينما اقتربت منه حتى استطاع إن يشم رائحتها الناعمة العذ,بة التي تثي.ر الحو,اسه وتبرز شخصيتها ، وكاﻻحمق أخذ يستنشق تلك الرائحة حتى كادت تسك.ره ، تاركا حواسه تستجيب لها ، اغمض عينيه يسيطر على احساسه الجديد قبل ان ينحني نحو بشرتها ، لفحت انفاسه صفيحة وجهها البيضاء ، رفعت وجهها تنظر له بعدم فهم قبل ان يهمس يخشونه : علينا الذهاب فقد تأخرنا عن موعدنا .

نظرت له و وجهها يزداد توهجاً من نظراته العا,شق قبل ان يكمل ببحة خاصه
: هيا الان .

امسك بيدها يخرجها من المكان بعد ان أعرب عن سخطه و عدم ر,غبته للشراء من محل القمامة هذا ، شيء اغضب صاحب المحل و جعل وجهه يش.ع حر.جاً امام المشترين الآخرين ، نظرت الى موسى بعيون تلمع بإحساس جديد لا تعلم من اين جاء ، كان أطول منها بكثير ، فآل.مها عنقها لكثرة ما مدته لتنظر إليه ، تمنت ان ﻻ يسير قريباً منها إلى هذا الحد ، ﻷن ذلك يشعرها بعدم اﻹرتيﻼح و بشيء من التوتر ، إﻻ أنه بشكل ما ، جعلها تشعر بأنو.ثتها بشكل لم تعرفه من قبل مع ايٍ كان و في اي زمان .

اخفضت بصرها تطالع الفراغ ، لا تعلم القادم و الى اين يقودها الزمان ، و الأهم الى اين ياخذها الان !

*********

عاد الر.عب ، الخوف يغر.س انيابه ، لا تصدق ما تراه ، بيتها القديم ، ها هي تقف امامه ، التفت بحذر تتفر.س بملامحه ، تطلب ، لا تستجدي تبريراً لإعادتها لهذا المكان ، لماذا احضرها ! لا تريد العودة ، المكان الذي شهد بؤ.سها و انتهاك كرامتها ، المكان الذي انتهكت برائتها و بيعت طفولتها ، بدون تبريرات ، بدون اعذار سحبها خلفه الى الداخل ، الجميع ينظر لها بتعجب ، يرمقونها بعيون غريبه و وجوه مكف.هر ، همسات وصلت الى مسامعه بعضها كان اشد قس.وة من محاولة

” أهذه منار !”

” لقد تغيرت ”

” أهو حبيبها ! ”

” تقصدين العش.يق الذي تحدثت عنه أمها ”

” لقد ادخلت أمها السج.ن لتاخذ هي الحريه في تصرفاتها ”

” لا بد انها أغْرَ.ته بجس.دها ”

” يال زو.ج أمها المس.كين ، دخل الس.جن بسببها ”

” اجل ، لا بد من انها هي من نصبت له الكم.ين لتوقع به ”

” لم أرتح لها يوماً فهي امراةً لعو.به ”

” بالتأكيد لعوبه ، لقد حاولت الإيقاع بزو.جي عدة مرات ، لكني احمد الله لنجاته من عقر.بةٍ مثلها ”

جمل تطايرت حولها ، من هنا و هناك ، كلمات تبعثرت بالهواء ، افواه تكلمت دون مراعات ، أظل.مت عيناها بعد ان كانت تهدد بهطور امطار الخو.ف من ذكريات جر.حتها في الصميم ، لا تصدق ما تتفوه بهِ الالسن ، الم يكونواً شاهدين على ما حدث لها ! الم يكونوا حاظرين عندما رميت في الشارع كالكلا,ب الشارده ! الم يروا تمزق ثيابها و خيوط الد.م على وجهها ! الم يشهدوا على الد.ماء التي كست ثيابها ! دليل مقاومتها المس.تميتة .

ابتسمت بمراره و رفعت رأسها بأباء ، بقيت تتقدم و هو يسير خلفها بعد ان قررت تجا,وزه ، فهمت و عادت كلمات تلك الطبيبة تهز كيا,نها ، هذه المواجه التي تكلمت عنها ، خطت حتى وصلت ، دفعت الباب و دخلت ، بدأت تتجول بالمكان براحه ، تتذكر حيث. انته.كت و حيث حط.مت ، تغير الكثير ، المكان باجمعه لا تعلم شكله ، لم تعد تشعر بالألفة ، ليس ما كانت نحسه سابقاً ، إحساسٌ ألي.مٌ لن تستشعر قس.وته مالم تحسه بنفسك ، بدى كما لو أن ظهرها قد قـُصِم ، وكل ما بجز.سدها من عظامٍ تح.طمت دفعةً واحدة ، وابتلعت غص.اتها كجم.راتٍ لاهبة ، كأن شيئاً ما غير مرئي يخن.ق رق.بتها بو.حشية معاقباً إياها ، لكن الان تغير الكثير و اصبحت هي امراةً جديدة ، امراةً لن تهد.مها العوا.صف ، ولن تحط.مها السنادين مهما زادت قوتها .

************

تجلس بجانبه داخل السيارة ، عيناها لا تكف حركتها العشوائية ، قلبها يتسارع ، الوضع اختلف ، لقد كان بينهما سد غريب من التجاهل و الحز,ن و الآثا,م ، لكن بعد ما حدث الْيَوْمَ ، تشعر بالخفه و شعور غريب يخالج روحها ، قلبها متوهج بشكل غريب و عقلها يحلق بسماء غريبه ، تريد شكره ، تريد التعبير عن امتنا,نها لانتشا,لها من ظلمتٍ معتمه و ق.بر بنته في حياتها ، كل الأفكار تبخ.رت كأنها السر.اب ، لم تعد قادره على الإحساس ، ثلج غريب بنى على اطرافها قبل ان ترفع جس.دها و تطبع قب,له دافئة على خده الأيمن .

رمش غير مستوعب ، لكن ذره من جس,ده غير مستوعب ، مرر يده برفقٍ على خده قبل ان يعود للإمساك بخصرها ، مقربها منه ، ش,هق خا,فته فارقة شفتيها و انفر,ج فمها من  .

و قبل أن تتكهن منار بما ينويه ، رفع يدها إلى فمه يقب,ل راحتها ، عندها شعرت بدفء أنفا,سه على جلدها أخذت ترتجف ، وتتسا,رع أنفاسها ، شعرت بالدوار ، بينما تملكها مزيج من البهجة و اﻹثا,رة  و إحساس بأنها بشكل ما قد خرجت من ذاتها و أصبحت شخصاً آخر ، دخلت حياة أخرى ، حياة أكثر إثا,رة من حياتها بكثير ، حياة يمكن أن تؤدي بها إلى الخ.طر ، بينما كان الدوار يتملكها ، سمعت موسى يقول بصوت أج,ش : لا أطيق صبراً لنصل آلى بيتنا يا ج,نتي .

**************

دفع الباب بشده حتى إنفت.ح على قاعة جلوس فسيحة كثيرة النوافذ ، وعاد وأمسك بذر,اعها بقوة ، فإنغر,زت أصا,بعه في ذراعها الطرية وهو يهمس ،محذ,را ، فوق شفتيها بينما عيناه الملتهبتان تغوصان في عينيها المصدومتين الغافلتين الناعمتين :وأخيرا ،أصبحنا وحدنا ، كيف أمكنك اﻻستمتاع بإغاظتي طوال النهار ،يا حبيبتي؟ لكنك اﻵن أصبحت لي ، ويمكنني إن أوقع بك العقا,ب الذي أريد .

شتت صوته الرقيق الخافت ،وكلماته تلك ما بقي من إدراكها ، وشعرت بأن ا تمز.ق كيانها ، ثم عانقها ، مسكتا اﻻحتجاج الذي كان سيصدر عنها وكان عناقا حطم دفاعاتها وكأنه قن.بلة ذرية .

همست باسمه بلهجة مفككة ، مصرة على إن يتوقف على ما يفعله ، ويفسر لها سبب ذلك ،لكن حواسها غير المعتادة على كل هذه اﻹثا.رة قاومت كل ما كان عقلها المذهول يحاول تفسيره ، فالجمود الذي أحدثته الصدمة إذا.بته حرارة البهجة التي أرسلتها مشاعر أندريس الجيا.شة في كيانها ، كما أخذت شفتاها الناعمتان ترتجفان تجاوبا مع هذه المشاعر التي لم تألفها ودون وعي بما تفعل ، ازدادت اقترابا منه ، واقفة على أطراف أصابعها ، لكي تتمكن من اﻻستمتاع ببهجة عناقه ، يداها على ذراعيه تتلمسان برفق بينما قلبها يخفق بر,هبة لهذه الصدمة غير المألوفة ولما يتملكها من مشاعر جديدة .

كانت رائحة عطره تغطي على حواسها ، مشاعره ، رجولته فشعرت بشيء ما في داخلها لم تألفه من قبل يستجيب لذلك تماما كما كان قلبها يستجيب له ، وهي تتأرجح بين ذراعيه بإنسجام، وكأنها تحثه على شدها إليه أكثر .

شاعرة بالدوار ، فتحت عينيها اللتين أغمضتهما عندما عا.نقها وهي ترتجف ، فرأت ش.ررا ينطلق كلمعان البر.ق من عينيه وهو يحدق إليها ، فشعرت بنفسها معلقة بين السماء و اﻷرض في هذا المكان الذي تشعر فيه بالخ,طر و اﻷمان في إن معاً ، سرعان ما همس بصوت أج,ش : اح,بك يا ملاكِ .

و ازداد لمعان الش,رر في عينيه ، بشكل أقوى و كأنه وجد في هذا المفهوم شيء يرضيه للغاية بادلته النظرات بو,هن ، فصدرها يخفق بسرعة مخ.يفة ، جس.دها مليء بأل.م مذهل غير مألوف ما هو إﻻ الحاجة إلى إن يضمها إليه و كان هذا التفكير يسرع بخفقان قلبها و يجعلها تتأ,وه محاولة اﻹلتصاق به : أنت ، أنت تح,بني .

أحست باللهفة في صوته ، فازدادت التصاقاً به بشو,ق بالغ ….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *