رماد الانكسار

دخلت من باب الشقة وأنا لسه بلبس المستشفى اللي كله دم، بعد كام ساعة بس من خسارة ابننا.. جوزي مسألنيش حتى لو كنت لسه عايشة، ومسألش إيه اللي حصل—هو كل اللي عمله إنه ضربني بالقلم على وشي عشان العشا مكنش جاهز. ولما همستله وأنا بموت من التعب: “أنا سقطت”، قال عليا كدابة ورفع إيده عشان يضربني تاني… لحد ما في ضل ظهر عند الباب خلى الصالة كلها تقلب سكوت تام.
أنا اسمي سارة، وفي الليلة دي اتعلمت إن في ناس ممكن تشوف قمة الوجع والكسر، وبرضه تختار القسوة.
الباب اتقفل ورايا براحة، وأول حاجة شميتها كانت ريحة بيتزا غرقانة زيت مالية الشقة بيبو (في مصر الجديدة). صوت بلاي ستيشن كان عالي جداً وطالع من سماعات الصالة، ومكسور بضحك عالي كان طالع في وقت غلط وبشع. رجلي مكنتش شايلاني، وكل خطوة كنت بمشيها كانت بتسمّع بوجع وندم في كل حتة في جسمي.
كنت لسه بلبس المستشفى.
مش عشان نسيت أغيره..
لأ، عشان بعد كل اللي مريت بيه، مكنش فيا ذرة طاقة حتى إني أرفع إيدي.
قبلها بكام ساعة بس، دكتور الطوارئ في مستشفى عين شمس التخصصي بصلي بنظرة كلها شفقة وحزن، وقال لي بالراحة الكلمتين اللي أي أم في الدنيا بتترعب تسمعهم: “البقاء لله، الجنين نزل”.
دخلت الصالة براحة على قد ما أقدر، وكنت حاسة بالذنب إني بقطع عليهم قعدتهم!
جوزي، أحمد، كان ممدد على الكنبة وفي إيده الدراع، ومندمج تماماً مع شاشة التلفزيون. وجنبه كانت قاعدة والدته، حماتي “طنط إلهام”، ماسكة التابلت وبتفر فيه براحة شديدة وكأنها ليلة عادية جداً ومفيش أي حاجة.
ولا حد فيهم كان باين عليه القلق.
ولا حد فيهم سألني كنت فين.
إلهام حتى مرفعّتش رأسها تبصلي.
قالت وهي بتبرطم: “أخيراً جيتي؟ اضطرينا نطلب بيتزا من بره.. والمطبخ يضرب يقلب”.
أحمد بصلي أخيراً، وكان باين عليه قرفان ومتعصب:
“هو أنتِ عارفة الساعة كام أصلاً؟ أنا طافح الدم في الشغل طول النهار، وأرجع ألاقي مفيش عشا، والأرض تفتح النفس، وأنتِ دايرة بره وراجعة وشك يقطع الخميرة من البيت!”
سندت على الحيطة لأني مكنتش ضامنة إن رجلي هتشيلني ثانية كمان.
همستله: “أنا كنت في الطوارئ.. بعتلك رسائل وكلمتك كتير”.
قلب عينيه بملل وقال: “كنت مشغول.. أنتِ على طول بتألفي حوريات ودراما عشان تخلعي من اللي وراكي”.
في اللحظة دي، مكنتش مصدقة وداني.. الكلام وقف في زوري، وعافرت عشان أنطق:
“أنا سقطت.. البيبي مات”.
الصالون كله سكت فجأة.
وقفت مستنية صدمة.. مستنية زعل.. أو حتى ريحة حنية.
#حكايات_شروق_خالد
لكن وش أحمد خشب وملامحه بقت قاسية جداً: “لأ مسقطتيش”، قالها ببرود يقهر. “دي حجة جديدة ومكشوفة عشان نسيتي تعدي على السوبر ماركت تجيب لنا طلبات”.
إلهام نفخت بقلة صبر، وكأن حزني وكسرتي جم عطلوا سهرتها اللطيفة.
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتدمرت تماماً.
أحمد قام من على الكنبة وقرب مني.. قرب أوي لدرجة تخوف.
رفعت إيدي وأنا بترعش، مش عشان أضربه، بس عشان أعمل مسافة بيني وبينه لحمايتي.
“أحمد.. أرجوك”.
هو مسمعش خوفي.. هو اعتبر إن دي قلة أدب ووقوف قصاده.
إيده نزلت على وشي بقلم جامد لدرجة إن دماغي لفت، والدنيا اسودت في عيني.
مسكت في ترابيزة الصالة بسرعة قبل ما أقع على الأرض.
بصيت له من وسط دموعي، وأنا مش قادرة أستوعب إزاي الراجل اللي اتجوزته ووثقت فيه، يمد إيده عليا بعد كام ساعة بس من خسارة ابننا!
همست وأنا كلي كسرة: “أنا لسه جاية من المستشفى..”
عضلات وشه اتشدت، ورفع إيده تاني وعمل قبضة صوابعه عشان يضربني أقوى..
وفجأة..
كل حاجة اتغيرت.
هدوء مرعب ونفس قاطع حل على الشقة.
كان في حد واقف عند الباب ورا أحمد بالظبط.
أبويا.. “الحاج مصطفى”.
مصرخش، مطلعش صوت، ولا عمل نمرة.. هو بس كان واقف هناك، بيقيس كل تفصيلة في المكان بنظرات هادية جداً.. النظرة دي مبيعرفهاش غير الراجل اللي عاش حياته كلها بيواجه مواقف ومخاطر حقيقية.
أحمد مخدش باله منه..
بس إلهام شافته.
الدم هرب من وشها في ثانية، ولونها خطف لدرجة إن التابلت كان هيقع من إيدها.
لأنهم طول عمرهم كانوا فاكرين إن أبويا مجرد راجل عجوز على المعاش وطيب وفي حاله.
عمرهم ما سألوا عن السنين والخدمة اللي قضاها في جهة سيادية وجيش لخدمة البلد.
عمرهم ما عرفوا هو مين بجد.. ولا يقدر يعمل إيه.
وفي الكام دقيقة اللي جايين دول..
كانوا هيتمنوا لو كانوا سألوا وعرفوا من زمان.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *