رماد الانكسار

#حكايات_شروق_خالد
الحاج مصطفى خطى خطوة واحدة جوة الصالة. خطوة هادية، بس كان ليها رنين زي دقات ساعة الموت.
أحمد حس فجأة إن الهوا في الأوضة اتمسح، لف وشه ببطء وهو لسه رافع إيديه، وفي ثانية واحدة، النظرة اللي في عين الحاج مصطفى خلت إيد أحمد تنزل جنب جنبه تلقائي وركبه تخبط في بعضها.
أبويا مقربش من أحمد، ومبصش لإلهام اللي كانت بتترعش على الكنبة واللقمة وقفت في زورها. مشي بخطوات ثابتة ناحيتي، وطى بظهره اللي عمره ما انحنى، ولف دراعه حوالين كتفي وسندني. مسح دموعي بطرف صباعه وقال بصوت واطي ودافي ملوش علاقة بالبركان اللي جواه: “قومي معايا يا سارة… حقك عليا يا بنتي، ارفعي راسك فوق، طول ما أنا عايش مفيش كلب يوطيها.”
سندت عليه وأنا بنهج، وخرجني برا الشقة لحد ما ركبني عربية أخويا الكبير “طارق” اللي كان مستني تحت العمارة وعينه حمرا زي الدم من الغل. الحاج مصطفى بص لطارق وقال له بلهجة أمر عسكرية قاطعة: “خد أختك على المستشفى تاني تتطمن عليها وعلى النزيف… وسيبلي أنا هنا الشقة باللي فيها.”
أبويا لف وطلع الشقة تاني، وقفل الباب وراه بالمفتاح.
أحمد كان واقف في الصالة وشه جايب ألوان، وحماتي قامت تقف وهي بتقدم رجل وتأخر رجل وقالت بصوت مرعوب ومبحوح: “منور يا حاج مصطفى… إحنا بس كنا… بنربي بنتك عشان ردت على جوزها… إنت عارف الأصول برضه.”
الحاج مصطفى ميرمش له جفن، قعد على الكرسي المفرد اللي في الصالة، وحط رجل على رجل، وطلع من جيب جاكتته القديم تليفون صغير وجهاز لاسلكي أسود، وبص لأحمد وقال بنبرة هادية تقطع الخميرة من البيت: “الأصول يا إلهام… إن الراجل يتربى في بيت أبوه قبل ما يدخل بيوت الناس. والظاهر إن ابنك كبر ومحدش عرفه مقامه.”
أحمد حاول يستجمع شجاعته المزيفة وقال بصوت بيترعش: “يا عمي دي مراتي وأنا…”
أبويا رفع إيده بس، أحمد سكت في وقتها. الحاج مصطفى ضغط على زرار في اللاسلكي وقال بكلمتين اتنين بس: “امسحوا المكان.”
في أقل من دقيقتين، باب الشقة المصفح اخلع من مكانه بصوت هبدة هزت العمارة كلها. دخل أربعة رجالة ببدل ورسمية ملامحهم زي الحجر، وفوق كتافهم رتب تخلي أي حد يقف انتباه. إلهام صرخت ولمت رجليها وهي شايفة الرجالة بتنتشر في الشقة، وواحد منهم قرب من الحاج مصطفى ووقف انتباه وقدم له التحية العسكرية: “يا فندم، كل أوامرك جاهزة، والملف بالكامل على مكتب السيادة.”
الحاج مصطفى بص لأحمد وقال له: “أنت شغال محاسب في شركة المقاولات بتاعة الميرغني، صح؟ من بكره الصبح، مفيش شركة في مصر هتقبل تدخلك من بوابتها، وقضية حبس وتعذيب وشروع في ق*تل جنين مرفوعة ضدك وضد أمك حالاً بالتقارير الطبية بتاعة مستشفى عين شمس اللي طلعت بطلب سيادي.”
أحمد وقع على ركبه وبدأ يبكي ويزحف لحد رجل الحاج مصطفى: “ببوس إيدك يا فندم! أنا مكنتش أعرف… أنا فكرتها بتتدلع… بيتي هيتخرب وأمي ملهاش ذنب!”
إلهام بدأت تلطم على وشها وتصرخ: “سامحنا يا حاج مصطفى! إحنا ناس على قدنا وم نعرفش قيمتك!”
الحاج مصطفى قام وقف، وعدل جاكتته بكل هيبة، وبص لأحمد ونزل لمستواه وقال بنبرة فحيح ترعب: “اللي يمد إيده على بنت مصطفى الجيار وهي بتنزف… بقطعها له من لغاليغها. الشقة دي بأمر النيابة والتمكين بقت بتاعة سارة من الليلة، وهتخرجوا منها بهدومكم اللي عليكم بس… والكلبشات دي هتتفك في السجن بعد ما تتربوا هناك.”
الرجالة كلبشوا أحمد وهو بيصرخ ويبكي، وسحبوا إلهام وراهم وهي بتصوت في وسط ذهول ورعب سكان العمارة اللي طلعوا على السلالم يشوفوا نهاية “أحمد وأمه” اللي افتكروا إن مالهاش ضهر، ونسيوا إن ضهرها بيمشي دولة بحالها بكلمة منه.



