رماد الانكسار

حكايات شروق خالد
مرت ثلاثة أيام، وسارة بدأت تسترد عافيتها الجسدية، وخرجت من المستشفى ورجعت مع أبوها وأخوها لبيت العيلة في مصر الجديدة—البيت القديم اللي كله دفا وأمان، والي مكنش بيفارق بوابته حراسة معينة من وقت اللي حصل.
في قعدة المغربية، كان الحاج مصطفى قاعد في مكتبه، لابس نضارة القراءة وبيراجع ملفات وتقارير باعتها له اللواء رفعت. طارق دخل ومعاه كوبايتين شاي، وقعد قصاده وقال بنبرة هادية: “يا فندم، المحامي الشمال اللي كان متفق مع أحمد اتمسك الصبح في مكتبه، وأول ما شاف الكلبشات اعترف بكل حاجة.. اعترف إن أحمد وأمه هما اللي خططوا لكل ده عشان يستولوا على الشقة والفلوس اللي معاها.”
الحاج مصطفى قلع النضارة وحطها على المكتب، وبص لطارق وعينيه فيها نظرة حاسمة: “المحامي ده يتشطب من النقابة ويدخل معاهم في نفس قضية التزوير والنصب والابتزاز. وسارة؟”
“سارة نايمة يا بابا، بدأت تاكل وبقت أحسن، بس لسه الخضة في عينيها.”
أبويا قام وقف، وبص من شباك المكتب وقال بصوت رخيم: “الخضة دي مش هتروح غير لما تشوف نهايتهم بنفسها.. بكره الصبح الجلسة الأولى في النيابة لوجه لوجه، وأنا عايز سارة تحضر وتقف بطولها قدامهم.”
بكره الصبح، جوة مبنى النيابة الكلية، الأجواء كانت مشحونة.
أحمد وأمه إلهام كانوا واقفين في الممر، متبهدلين، لبسهم متبهدل، ووشوشهم صفرا من قلة النوم والرعب والكلبشات في إيديهم. أول ما الباب انفتح وظهر الحاج مصطفى وبطوله وهيبته، وساندة في إيده سارة اللي كانت لابس فستان أسود شيك ورافعة راسها لفوق وعينيها قوية.. أحمد انهار تماماً.
جرت إلهام وهي بتعيط وتتشعلق في عباية سارة: “ببوس رجلك يا بنتي! سامحينا! إحنا جهلة ومب نفهمش! خليهم يخرجونا وأنا هبقى خدامة تحت رجليكي العمر كله!”
سارة ميرمش ليها جفن، نفضت إيد حماتها عنها ببرود وقرف، وبصت في عين أحمد اللي كان بيبكي بهستيريا ويقول: “سارة أنا جوزك حبيبيك.. مكنتش في وعيي.. شيطان ودخل بيننا!”
سارة قربت من أحمد خطوة واحدة، وبصت له من فوق لتحت وقالت بصوت مسموع وثابت زلزل الممر كله: “إنت مش جوزي.. إنت الكلب اللي ق*تل ابني ومد إيده عليا وأنا بنزف. جوزي حبيبي ده كان وهم، والنهارده الوهم ده بيدخل السجن ومش هيخرج منه غير وعمره ضايع.”
دخلوا لغرفة وكيل النيابة، وبناءً على التحريات السيادية والتقارير الطبية الدامغة واعترافات المحامي، ومكالمات اللاسلكي والتليفون المقبوض عليها، أصدر وكيل النيابة قراره التاريخي: “إحالة المتهم أحمد والمتهمة إلهام إلى محكمة الجنايات العاجلة بتهم الإجهاض العمدي المقترن بالضرب والتعذيب، والتزوير في محررات رسمية، والابتزاز والإكراه، مع استمرار حبسهم احتياطياً.”
أحمد وأمه اتسحبوا من العساكر وهم بيصرخوا ويصوتوا، وصوت صراخهم كان بيرن في المحكمة كلها.
سارة خرجت من مبنى النيابة، ولأول مرة من شهور، خدت نفس طويل ونظيف، وبصت لأبوها الحاج مصطفى وابتسمت بدموع وقالت له: “شكراً يا بابا.. شكراً إنك ضهري.”
أبويا حضنها وقال بنبرة هزت شوارع مصر الجديدة: “إنتي بنت الجيار يا سارة.. والجيار مبيتكسرش، وضهره عمره ما بينحني لأي حد في الدنيا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *