رماد الانكسار

حكايات شروق خالد
الرجالة سحبوا أحمد وأمه برة الشقة وهي بتصوت وتولول في وسط السلم، وجيران العمارة واقفين يتفرجوا بذهول وصدمة، محدش فيهم كان متخيل إن البنت الغلبانة اللي كانت بتمشي جنب الحيط لها ضهر يهد جبال بالمنظر ده.
الحاج مصطفى نزل وراهم بخطوات تزلزل الأرض، ركب عربيته وطلع على مستشفى عين شمس التخصصي. أول ما دخل الجناح اللي فيه سارة، لقى طارق أخوها قاعد جنبها وماسك إيدها وهي نايمة تحت تأثير المهدئات، وشها كان دبلان وفي أثر كدمة قوية على خدها الشمال مكان القلم.
أبويا قرب وقعد على الكرسي التاني، ملامحه الصارمة هديت تماماً وبص لطارق وقال له بصوت واطي: “أختك عاملة إيه يا طارق؟”
طارق مسح وشه بتعب وقال: “الدكاترة وقفوا النزيف يا فندم، الحمد لله رحمها سليم ومفيش خطر على حياتها، بس نفسيتها مدمرة.. عمالة تصرخ وهي نايمة وتفتكر اللي حصل.”
الحاج مصطفى ضغط على إيده بقوة وعينيه لمعت بشرار: “حقها هيرجع تالت ومتلت يا ابني، أحمد وأمه مش هيشوفوا النور تاني.. بس ده مش كفاية.”
في اللحظة دي، تليفون الحاج مصطفى رن. كان المتصل “اللواء رفعت”، واحد من تلاميذه القدام في الخدمة. فتح الخط وجاء صوته مستعجل: “يا فندم، إحنا نفذنا أمر الضبط، وأحمد وأمه دلوقتي في التخشيبة.. بس فيه حاجة تانية ظهرت في التحريات لازم تعرفها.”
الحاج مصطفى عقد حواجبه: “سامعك يا رفعت، قولي.”
اللواء رفعت كمل: “فتشنا لابتوب أحمد وتليفونه بناءً على أمر النيابة، ولقينا مصيبة.. أحمد مكنش بس بيعامل سارة وحش، ده كان بيمضيها على وصولات أمانة على بياض وهي مش دريانة وسط ورق مصاريف البيت، وكان ناوي يرفع بيهم قضايا عشان ياخد شقة مصر الجديدة اللي إنت كاتبهالها باسمها، والملعوب ده كان بالاتفاق مع أمه ومحامي شمال.”
أبويا سكت لثواني، والسكوت ده كان معناه إن المحروس وطاقمه دخلوا منطقة الإعدام الفعلي. رد بصوت هادي كالتلج: “المحامي ده يتجاب من قفاه الليلة يا رفعت.. والوصولات دي تتقدم للنيابة كدليل تزوير ونصب واقترانها بجريمة الإكراه والضرب المفضي لإجهاض. عايز القضية تقفل عليهم وميطلعوش منها قبل خمساشر سنة سجن مشدد.”
يقفل السكة وبص لسارة اللي بدأت تفتح عينيها ببطء وتنهج بضعف. أول ما شافت أبوها، دموعها نزلت وقالت بصوت متحشرج: “بابا.. ابني راحت يا بابا.. أحمد موت ابني.”
الحاج مصطفى وطى عليها، خدها في حضنه وباس راسها وقال بنبرة مليانة حنية وأبوة وهيبة تهز الحيطان: “ابنك عصفور في الجنة يا قلب أبوكي.. وأحمد وأمه الليلة بيموتوا في الحي السبع ميت موتة. ارفعي راسك يا سارة، إنتي بنت مصطفى الجيار، والكلب اللي مد إيده عليكي، بكره الصبح هيتمنى الموت وميطولوش.”
في نفس اللحظة، جوه تخشيبة القسم، كان أحمد قاعد في الركن بيعيط بهستيريا وبيرتعش من الخوف بعد ما عرف إن “الحاج مصطفى” اللي كان بيستهتر بيه هو لواء سابق مرعب في جهة سيادية، وأمه إلهام قاعدة على الأرض بتلطم وتصرخ: “يخرب بيتك يا أحمد.. ضيعتنا وضيعت نفسك.. إحنا وقعنا مع ناس مبيترحمش!”
النهار بدأ يشقشق على القاهرة، وسارة نايمة في حضن أبوها مطمنة، وهي عارفة إن العدالة لما بتيجي من ضهر زي ده.. مابتسيبش وراها غير الرماد.

