رماد الانكسار

حكايات شروق خالد
ركبوا العربية الجيب السودا بتاعة الحاج مصطفى، وطارق هو اللي كان بيسوق وهو حاطط إيده على الدريكسيون وباصص في المراية وبيمسح دموع فرحة مكتومة. العربية مشيت في شوارع مصر الجديدة الواسعة، والشمس كانت دافية وبترسم خيوط نور على قزاز العربية، وكأن الدنيا كلها بتبارك لسارة على رجوع حقها.
لما وصلوا بيت العيلة، سارة نزلت ودخلت شقتها القديمة، الشقة اللي شهدت طفولتها وضحكتها قبل ما تدخل سجن أحمد. دخلت أوضتها، وقفت قدام المراية، وبصت لوشها.. الكدمة اللي كانت معلمة على خدها راحت، والكسرة اللي كانت في عينيها اختفت، وحل مكانها نضج وقوة لست عرفت قيمتها بجد.
فتحت الدولاب، طلعت لبس المستشفى اللي كانت شايلاه في كيس أسود—اللبس اللي كان مليان دم ووجع الليلة المشؤومة دي. نزلت المطبخ، ولعت عين البوتاجاز، ورمت الهدوم دي في طبق صاج كبير وولعت فيها النار. فضلت واقفة بتراقب الهدوم وهي بتتحول لرماد، ومع كل حتة قماش بتتحرق، كانت بتحس إن الوجع، والخوف، والضعف بيتحرقوا هما كمان ومش هيحضروا في حياتها تاني.
الحاج مصطفى دخل عليها المطبخ، شم ريحة الحريق وبص للرماد، وبعدين بص لعينيها وفهم كل حاجة من غير ما تنطق بكلمة. قرب منها، وحط إيده الحنينة الكبيرة على كتفها وقال بنبرة هادية وراسخة: “الماضي اترمى في النار يا سارة… من بكرة، فيه صفحة جديدة تماماً بتبتدي.”
سارة ابتسمت وهزت راسها: “فعلاً يا بابا… أنا هقدم على ماجستير في إدارة الأعمال زي ما كنت حالمة زمان، وهنزل أشتغل في الشركة معاك ومع طارق. أنا مش هسمح لثانية واحدة من عمري تضيع في الزعل على ناس متستاهلش.”
بعد سنة كاملة…
كانت سارة واقفة في قاعة المؤتمرات الكبرى في القاهرة، لابسة بدلة رسمية بيضاء أنيقة، وبتستلم جائزة أفضل مشروع ناشئ لتمكين المرأة والمعيلات في مصر. القاعة كلها كانت بتصقف بحرارة، وفي الصف الأول كان قاعد الحاج مصطفى، لابس بدلته الرسمية القديمة برتبها ونيشانها، وجنبه طارق بيبتسم بفخر.
سارة مسكت المايك، وبصت للجمهور وقالت بصوت قوي وواضح هز أركان المكان: “الجائزة دي مش ليا لوحدي… الجائزة دي لكل ست افتكرت في يوم إن ملهاش ضهر، ولكل أم اتكسرت وافتكرت إن حقها ضاع. وبقول لكل بنت؛ خليكي قوية، ومتقبليش بالقليل، لأن الضهر الحقيقي هو كرامتك… وأهلك اللي بيحبوكي بجد.”
لفت سارة بعينيها وبصت لأبوها، ورفعت الجائزة لفوق، والحاج مصطفى وقف بكامل طوله وهيبته وسط القاعة، وصقف لبنته وهو عارف إن “بنت الجيار” مش بس رجعت حقها… دي بقت هي الضهر والسند لكتير غيرها.




