رماد الانكسار

حكايات شروق خالد
مرت الأيام والشهور زي القطار السريع، وجاء اليوم الموعود اللي مصر الجديدة كلها كانت بتتكلم عنه؛ يوم النطق بالحكم في محكمة جنايات القاهرة.
المحكمة كانت زحمة على آخرها، الصحفيين والمحامين وجيران العمارة كلهم حضروا عشان يشوفوا نهاية “أحمد وأمه”. سارة كانت قاعدة في الصف الأول، لابسة بدلة رسمية كحلي شيك، وجنبها الحاج مصطفى بطوله وهيبته اللي تمنع أي حد يقرب، وطارق أخوها واقف وراهم زي الحرس.
على الناحية التانية، في قفص الاتهام، كان منظر أحمد وإلهام يقطع الخميرة من البيت. أحمد دقنه كبرت وشعره بقى منكوش، والندم والخوف آكلين ملامحه. وأمه إلهام كانت لامة نفسها في ركن القفص، ماسكة في الحديد وبتترعش، ووشها بقى شبه الأموات بعد ما قضو الشهور اللي فاتت في التخشيبة وسط المجرمين بجد، وعرفوا يعني إيه تتبهدل في السجون.
حاجب المحكمة زعق بصوت جهوري: “محكمة!”
الكل وقف في ثانية، وحل سكوت تام في القاعة. دخل المستشار الجليل ووعلى وشه صرامة وهيبة العدالة. فتح الملف، وبص لقفص الاتهام بنظرة كلها قرف واشمئزاز، ونطق بالحكم اللي نزل على دماغ أحمد وأمه زي الصاعقة:
“حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء، أولاً: بمعاقبة المتهم أحمد بالاشغال الشاقة المؤبدة لمدة خمسة وعشرين عاماً عما أسند إليه من جرائم الضرب المفضي إلى إجهاض والتزوير والإكراه. ثانياً: بمعاقبة المتهمة إلهام بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً لاشتراكها وتدبيرها للجر*يمة. ثالثاً: شطب المتهم الثالث المحامي من نقابة المحامين وسجنه عشر سنوات.”
إلهام أول ما سمعت الحكم صرخت صرخة مكتومة ووقعت من طولها على أرضية القفص مغمى عليها، وأحمد مسك في الحديد وبدأ يصرخ بهستيريا ويبكي ويزعق: “حرام عليكم! عمري ضاع! سارة سامحيني يا سارة!”
سارة ميرمش ليها جفن، مبكتش، ومبصتش عليه بنظرة شفقة واحدة. لفت وشها ببطء وبصت لأبوها الحاج مصطفى اللي ابتسم لها ابتسامة خفيفة مليانة فخر، وطبطب على إيدها.
خرجوا من قاعة المحكمة وسط فلاشات كاميرات الصحافة، وسارة كانت ماشية بخطوات ثابتة وقوية، حاسة إن روح ابنها اللي راحت ظلم ارتاحت في قبرها، وإن الوجع اللي عاشته اتحول لقوة مفيش بشر على الأرض يقدر يكسرها تاني.
أول ما طلعوا على سلم المحكمة، والهوا النضيف خبط في وشها، سارة بصت للسما وخدت نفس طويل، ولفّت للحاج مصطفى وقالت له بصوت دافي وثابت: “يلا بينا يا بابا.. نرجع بيتنا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *