انا متجوزه. روماني مكرم

عند خروجنا من مكتب المأذون، وقف أحمد أمامي للمرة الأخيرة في حياته، تطلع في وجهي وفي الكدمات الخفيفة التي كانت لا تزال أثارها الزرقاء باقية على وجنتي ورقبتي، وقال بنبرة مكسورة ملؤها الندم والتحسر:
* “سامحيني يا هناء.. أنا عرفت متأخر جداً إن الخسارة الحقيقية مش خسارة أهلي ولا كلام الناس، الخسارة هي إني خسرتك أنتِ وابني، وخسرت رجولتي وكرامتي قدام نفسي وقدام المنطقة كلها.”
نظرت إليه ببرود تام، ودون أن ترف لي جفن أو تهتز فيّ شعرة، رفعت رأسي للأعلى وقلت له بكلمات قاطعة أعدت بها كل ذرة كرامة سُلبت مني:
* “الرجولة مش كلمة تتقال في السعة والهدوء يا أحمد.. الرجولة موقف ونخوة لما الس/كينة تطال عرضك وست بيتك وابنك اللي من صلبك. أنت اخترت تتفرج وتضحك مع الظالم، وأهلي اختاروا يجيبوا حقي من عين أي حد.. ربنا يسهلك طريقك، وسيف هيتربى بين رجالة بجد، يفهموه يعني إيه كرامة ونخوة وحق ما يضيعش.”
عدت إلى بيت أهلي مرفوعة الرأس والقامة، استقبلتني أمي بالأحضان والدموع والزغاريد التي ملأت الحي كله، وجلس إخواتي الـ 12 حولنا في الصالة الكبيرة، يتسامرون ويضحكون بفرخ وعزة، مؤكدين أن حق ابنتهم لم يضع ولن يضيع أبداً ما دام فيهم عرق ينبض بالحياة.
لكن الأحداث في منطقة حماتي وأخت جوزي لم تهدأ مطلقاً بعد وقوع الطلاق وتطبيق القصاص..
فشيماء وزوجها، بعد الهوان والضرب القاسي العلني الذي تعرضا له أمام الجيران وأهل المنطقة، لم يستطيعا البقاء في الشارع أو النظر في وجوه الناس ثانية واحدة. جمعا أمتعتهما وأثاثهما تحت غطاء الليل وفي ساعات الفجر الأولى، ورحلا مطرودين بنظرات الازدراء والسخرية والشماتة من سكان الشارع الذين أطلقوا على شارعهم اسم “شارع القصاص وكسر العين”. أما حماتي، فقد أصبحت تعيش وحيدة مجردة من الكبرياء في شقتها المظلمة، بعد أن تفرق أبناؤها وانكسرت شوكتها وعاشت في طي المهانة والندم على ما اقترفته بحقي وبحق طفل بيجاهد يعيش.
وبينما كنت أظن أن قصتي قد أغلقت صفحاتها تماماً عند هذا الحد، وأنني سأبدأ حياة جديدة هادئة ومستقرة مع ابني سيف في كنف أهلي وعزوتي.. أطلت المفاجأة الكبرى التي لم تكن على خاطر أحد، وذلك بعد مرور ستة أشهر كاملة من الهدوء والس*كينة.
في يوم دافئ من أيام الربيع، جاءت امرأة غريبة ترتدي ثياباً سوداء داكنة إلى بيت أهلي، تطلب مقابلة أبويا وعمي لأمر في غاية الخطورة والأهمية، يحمل في طياته مفاجآت تزلزل الأبدان تخص أحمد، وتخص شركة المقاولات في القاهرة، وأسراراً قديمة خفيت عن الجميع طوال الخمس سنوات الماضية التي كنت فيها مخدوعة تحت سقف ذلك الرجل!

