انا متجوزه. روماني مكرم

رد عليه محمود بقسوة بالغرام، وهو يمسكه من ياقة جلابيته البيضاء ويرفعه بقوة حتى كاد يقطعه من الأرض:
* “جارنا اللي يراعي حرمة بيته وناموسه! ابن بلدنا اللي يصون مراته وابنه ويحميهم بروحه! أنت لما سبت أختك شيماء وجوزها يقطعوا لحم مراتك ويضربوها بالكرابيج والأيدي، ونزلت تاكل وتضحك وتكركر معاهم تحت البلكونة وهي نازفة ومرمية فوق بأوجاعها، نسيت يعني إيه جار ونسيت يعني إيه ابن بلد! بكرة الساعة عشرة الصبح، تنزل معايا أنا وعمي للماذون.. تطلق هناء بالثلاثة طلاقاً بائناً، وتسلمنا مؤخرها وقائمتها وحقوق ابنها كاملة غير مفقوصة مليم واحد، وإلا الأوراق دي كلها هتوصل النيابة العامة ومكتب النائب العام قبل الضهر!”
خرج أحمد يتجرجر في مشيته، كأنه خيال رجل أو شبح بلا ملامح. لم يعد يملك شيئاً ليحارب به أو يساوم عليه؛ فلا أهله قادرون على مواجهة إخواتي والشارع بعد الخزي والضرب العلني الذي نالوه في وسط المنطقة، ولا هو قادر على مواجهة القضايا المالية الجسيمة التي ستكبل يديه وتلقي به في السجن المظلم لسنوات طويلة وتدمر حياته المهنية والمالية للأبد.
في تلك الليلة، كنت أجلس في غرفتي القديمة ببيت أهلي، أحتضن ابني الصغير سيف الذي بدأ يتنفس بالراحة وينام هادئاً، وأثاره الجروح والكدمات على وجهه الصغير تبدأ في الالتئام والشفاء. نظرت من النافذة إلى السماء الصافية، وشعرت لأول مرة منذ خمس سنوات بوزن جبال ثقيلة يزول عن صدري ونفسي. لم أعد تلك الزوجة المكسورة المستسلمة التي تنتظر يوماً واحداً في الشهر لترضي رجلاً أنانياً لا يرى كرامتها ولا يقيم لها وزناً، بل أصبحت امرأة حرة، تحميها قلعة حصينة من الرجال والأصول والكرامة.
حل صباح اليوم التالي، وتوجهت برفقة أبويا وعمي وأخي محمود إلى مكتب المأذون الشرعي في وسط البلدة. كان أحمد يجلس هناك على كرسي خشب قديم، وجهه شاحب كالموتى، وعيونه غائرة أرهقها السهر والتفكير والخوف من القادم. لم يتفوه بكلمة واحدة، كان يوقع على دفتر الطلاق والأوراق الرسمية ببدن يرتجف وقلم يكاد يسقط من بين أصابعه المرتعشة.
تم الطلاق رسمياً وبطلقة بائنة، وحصلت على كافة حقوقي الشرعية والمالية، وتم تحرير إقرار رسمي بتمكيني من كافة مستلزماتي وقائمة أثاثي بالكامل، مع فرض التزام مالي شهري صارم لنفقات ومصاريف ابني سيف تحت رقابة القانون والمحكمة.



