جمر الهيام بقلم نورهان محسن

ثم أشار إلى الهاتف في يدها، وقد ازدادت نبرته غلظة: وبدل ما ترجعي قبل الامتحان، مبحلقة في الزفت ده وانتي ماشية!؟ آخر مرة أشوفك ماشية بيه كده، ولا هفرمهولك حتت تحت رجلك…
تعالت ضحكات أبناء خالتها في خبثٍ طفولي، فأحسّت شهد بغصّةٍ في صدرها، كادت دموعها تفرّ من شدّة قسوته، لكنها تماسكت وأجابت ببرودٍ مصطنع: مش محتاجة حد يعلّمني إزاي أمشي ازاي واعمل ايه؟ انا مابقتش عيلة صغيرة..!!
تجلّى العناد في صوتها، وارتسمت ابتسامة صغيرة عند طرف شفتيها ما بين الاستفزاز والأنوثة، حدّق فيها بعينين تتقدان صرامة، تلك النظرة التي جعلت الدم يتجمد في عروقها، فأطرقت رأسها سريعًا هاربةً من أسهم نظراته.
وفي اللحظة ذاتها، خرجت صديقتها نوارة من بيتٍ مجاور، متزينة بابتسامة واسعة، وما إن وقعت عيناها على جلال حتى أشرقت أكثر.
اقتربت بخطوات متلاحقة، وألقت عليه السلام بصوتٍ ملؤه الدلع، وقد غاص في عينيها بريق إعجاب لم تحاول أن تخفيه: صباح الشهد عليك يا معلم جلال
ابتسم جلال وأجابها بودٍّ بسيط:
صباح النور علي نوارة حارتنا
لم تحتمل شهد كأن شرارة الغيرة انطلقت في أعماقها، فاقتربت بخفة، وضربت ذراع نوارة بخفة خفيّة لم يلحظها أحد، وكأنها إشارة إنذار لا تريد أن تُفهم علنًا، ثم أمسكتها من يدها بقوة، وجذبتها لتسير بجوارها.
أما جلال، فقد ظل واقفًا في مكانه، عيناه تتابعانها حتى ابتعدت، وفي قلبه نارٌ لا يملك لها اسمًا، يخفيها تحت قناع الهيبة والبرود.
التفتت نوارة في حيرة، بينما شهد تمشي مسرعة، وجهها محتقن بالغضب المكتوم، أنفاسها مضطربة: كل ده عشان تنزلي!!!
قالت نوارة وهي تلهث بجانبها: ما انتي عارفة مواويل امي للي علي الصبح، سيبك مني، هو ايه اللي حصل؟ الجو كان مكهرب كده ليه؟ هو قالك حاجة؟!
تساءلت نوارة بريبة، فدمدمت شهد بحنق، وهي تشيح بوجهها: ولا حاجة… فكك
ثم أضافت في غيظٍ مكتوم: بس انتي مش هتبطلي استعباط ومرقعة يا نوارة؟ مالك سهتانة علي نفسك كده ليه يا اوخا!!
نفخت نوارة باستياء: يوووه انا عملت حاجة، وانا مالي اصلا هو ينغزك بكلمتين في جنابك كالعادة، وتيجي تطلعيهم عليا!!
صمتت شهد لحظة، ثم تمتمت بحزن حائر: اه بس لو اعرف ايه مشقلب حاله عليا بالمنظر ده، ده بقي مسكلي علي الواحدة اكتر من الاول!!
ضحكت نوارة بخبث: يا بت هتعمليهم عليا!! كل ده ولسه علي قلب زي العسل ولا نسيتي كلا..
لكنها لم تُكمل، فقد شدّت صديقتها من مرفقها وهمست من بين اسنانها: وطي صوتك حد من العيال يسمعك، يلا امشي متأخرين

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *