جمر الهيام بقلم نورهان محسن

لمح جلال الطفلين جالسين على عتبة السلم أمام العمارة، عيونهم متوجسة ووجوههم شاحبة، توقّف عندهم وسأل بضحك: إيه يا واد إنت وهو، قاعدين مابتلعبوش زي عوايدكو، اكيد ماحلتوش كويس في الامتحان؟
رفع عاصم عينه، وقال بصوت متوتر: مستنيين شهد تيجي.
قطّب جلال حاجبيه، ونظر للساعة في معصمه، ثم سأل باستنكار: ليه هي فين دا كله؟ الساعة داخلة على خمسة بعد المغرب!
أجاب هشام وهو يحرك قدميه باضطراب: مانعرفش… المفروض خلصت امتحانها من بدري ورجعت على البيت، بس بنتصل عليها مابتردش
قبل أن يستوعب جلال الكلام، نزلت سندس مسرعة، صدرها يعلو ويهبط من اللهاث، وخلفها زينب بملامح يكسوها الانزعاج. أشارت زينب للأطفال بسرعة وقالت بحزم: وله يا عاصم، خد أخوك واطلعوا فوق اقعدوا مع ضي لحد مانرجع، ماتنزلوش غير وإحنا موجودين… سامعين؟
رمقهم جلال باستفهام وقلق وسأل: خير يا جماعة؟ ايه الحكاية؟
أجابته زينب بصوت يقطر توترً: مش خير يا جلال… مش خير خالص، البت شهد لحد دلوقتي ما رجعتش، والدنيا قربت تعتم
رفع جلال يده مهدِّئًا: استهدوا بالله، طب ماجربتوش تكلموها على تليفونها؟
ردت سندس، والدموع بتلمع في عينيها: مقفول من الضهرية يا جلال! اتصلنا فوق الألف مرة… ولما كلمنا صحبتها نوارة، قالت إن خليل أبوها جه وخدها بالعربية، ومن ساعتها مفيش منها لا حس ولا خبر!
تجمد جلال لبرهة متعجبًا، لكنه تماسك قبل أن يقول بجدية: طيب اهدوا شوية، مافيش حاجة تخوّف، هي راحت مع أبوها خلا…ص
قاطعته سندس بسرعة: لا يا بني! الموضوع مايطمنش، أبوها دا بقاله سنين لا حس ولا خبر، لا بيرفع سماعة التليفون يطمن، ولا بيسأل عليها، ما انت عارف كل حاجة دلوقتي، فجأة ياخدها من غير ما حد يعرف؟! أنا مش هقعد على قلبي… أنا رايحة أشوفها عنده
التفتت لسلالم البيت وهتفت: واد يا عاصم! روح هات لنا تاكسي من عالناصية بسرعة
جلال بحزم: استهدوا بالله… أنا هوصلكم بلاش بهدلة التاكسيات
تنهدت سندس محاولة الاعتراض: لا يا بني، كتر خيرك مش عايزين نتعبك معانا
ارتسمت الجدية على وجه جلال، وهو يفتح الطريق أمامهم: مافيش تعب ولا حاجة… اتفضلوا بينا
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
في مكان مجهول
أفاقت شهد على سرير غريب تفوح منه رائحة عطر رجولي نفاذ، حاولت أن تنهض، لكن رأسها مثقل كأنها خرجت من دوامة. رمشت بعينيها لتجد نفسها في غرفة فخمة، ستائرها مسدلة، وأثاثها يشي بثروة فاحشة، بالكاد تتذكر آخر شيء… سيارة والدها… المشروب…
لكن أين هى!
قفزت من السرير، وتوجهت نحو الباب، محاوِلة فتحه، لكن الصدمة شلتها حيث كان الباب كان مغلقًا من الخارج!
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
كان بيت خليل غارقًا في سكونٍ مريب، بينما وقفت سندس أمامه بعينين متقدتين، وإلى جوارها زينب التي تحاول تهدئة أختها، بينما ظل جلال يراقب كل حركة وكل ارتعاشة في ملامح خليل، لكن سندس هدرت بنفاذ صبر: فينها يا خليل، عملت ايه في شهد؟
تصاعد دخان سيجارته أمام وجهه في دوائر متكاسلة، وصوته المتهكم يخرج بغلظة كريهة: جرا ايه يا سندس! فاكرة الروباطية للي داخلالي بيها دي هتهتني ولا ايه؟ هكون مخبيها بقولك بنتك مش هنا…
جلال لم يقتنع بحديثه لكنه ظل صامتًا، بينما قامت زينب بالرد عليه بتهديد: يارجل يا شايب عيب علي شيبتك، وبطل شغل اللف و دوران بتاعك ده، والا ورحمة ابويا لا نكون طالعين علي اقرب قسم وعمليلك محضر بخطف البت
قهقه خليل بضحكة مستفزة، ثم هتف بملامح لا تخلو من خبثٍ ساخر: ماتعقلي الكلام يا ام عاصم وهو في حد هيخطف بنته برده..
تشنج فكّ جلال، وصمته لم يدم طويلًا، فجأة مدّ يده وأمسك ياقة خليل بعنفٍ كاد يخنقه، ممَ ارتبك خليل الذى حاول أن يصرخ ليداري خوفه، لكن صوت جلال زلزل كيانه: لو ماجبتش من الاخر وقولت عملت فيها ايه… قسمًا عظما ما هخلي الحكومة تعرف تسلك جتتك من سنان كلاب الشوارع
ارتجفت شفتا خليل، وابتلع ريقه بصعوبة لأن غلاظة قبضتين جلال على صدره جعلت قلبه يتسارع كطبلٍ مكسور، ليتمتم بصوت متقطع: هي… هي دلوقتي مع جوزها
شهقت سندس بفزع: جوزها؟!
لمع الغضب في عيني جلال، فضربه بلكمة مدوية أسقطته أرضًا مع الكرسي الذي انقلب به، بينما هدرت سندس وهي تكاد تختنق بدموعها: جوزت بنتي لشمام من للي تعرفهم يا راجل يا ناقص؟!
قبض على ياقة خليل وجرّه بعنف ليقف علي قدميه بصعوبة، فابتسم خليل برعب كمن وقع في الفخ: شمام ده ايه يا وش الفقر!! بنتك اتكتبلها السعد كله واتكتبلنا كلنا السعد والبغددة معاها علي يد راجل عنده بحر عز و فلوس مابتخلصش

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *