جمر الهيام بقلم نورهان محسن

شهد، وهو يسألها بصوتٍ يتأرجح بين الغضب والقلق: الحيوان ده لمسِك؟ انطقي… الـ **** ده عمل فيكي حاجة؟
أومأت شهد برأسها نافية، عندها صرخ مختار بشتائمٍ متقطعة: مين ده يا بنت ****؟! أنا هوديك في ستين داهية… وحياة امي لاعرف ادفعك تمن للي عملته ده انت واهلك
لكن صوت شهد اخترق الصخب، ممزوجًا بالذعر: الراجل ده بيقول ان بابا مجوزني له عرفي يا جلال… وانا اول مرة اشوفه في حياتي!!
تحوّلت ملامح جلال إلى وجه قاتم يقطر نارًا، وصوته خرج مشحونًا بالوعيد: بالذوق كده هتطلع الورقة للي كتبتها انت وابوها… ولا هخليك تطلعها بطريقتي
تراجع مختار بخوفٍ ظاهر، واندفع نحو الدولاب بخطوات مترددة، لكن جلال قبض على الروب من الخلف، مهسهسًا بصوت جليدي: أي حركة غدر منك هسيحلك دمك
تمتم مختار متلعثمًا: الخزنة… الخزنة في الدولاب
أدار جلال رأسه لشهد وهو يأمرها بنبرة حاسمة: افتحي الدولاب
تقدّمت شهد بخطوات حذرة وفتحت الباب، ليخرج مختار من الخزنة عدة أوراق، لكن جلال خطفها من يده بسرعة، وقلب بها بعينين متوحشتين ليتأكد، ثم ألقى به أرضًا، وأشعل ولاعته فى الأوراق، فتصاعدت ألسنة النار لتلتهمهم، ثم دهسهما بقدمه حتى تحوّلا إلى رماد.
لم يكتفى بذلك، بل مدّ يده إلى الخزنة يُفتش، ليخرج منها أسطوانات وأقراصًا مدمجة، وبعد الصور لفضائح مختار مع فتياتٍ أخريات، فصاح الأخير هلعًا: للي بتعمله ده مش هيعدي، انت مش عارف ممكن اعمل فيك ايه؟
اقترب منه، وقال بتهديد صريح: وانا عايز اشوف الراجل النطع للي زيك بيعمل، قسما عظما لو بس هوبت نحيتها… لا اكون ملبسك طرحة وافضحك بالقرف للي في إيدي
أنهى حديثه بإحتقار، ثم أطبق قبضته على يد شهد، وسحبها خلفه بخطوات حاسمة، تاركًا مختار غارقًا في خوفه وذله، وجدار الغرفة لا يزال يهتز من صدى كلماته.
لم يمضِ سوى أيام قليلة على الحادثة، حتى تحوّل الحي الشعبي إلى خلية نحلٍ تلوك الألسنة سيرة شهد ووالدتها وخالتها، الناس في الحارة لا ترحم، وكل همسٍ على الأبواب كان كالسكاكين يُغرس في ظهور النساء الثلاث، كلمة هنا، نظرة هناك، صارت الحكاية كأنها فضيحة تلوكها الألسن بشراهة.
في المقابل، جلس جلال في شقته بالطابق الثالث، وقد أثقل صدره حملٌ لا يُحتمل، والده يضغط عليه، ووالدته تلحّ بدموعها: يا ابني فيها ايه لما تريح قلب امك وتتجوّز هدى… دي بنت عمك وفلوس أبوها ماينفعش تطلع بره، البت زي فلقة القمر وبتحبك وبتتمنلك الرضا ومتربية في بيتنا وع ايدينا
كان جلال يجلس على الكرسي، ملامحه متصلبة كجدار، وعينيه معلّقتان في فراغٍ غامض، قبل أن يردّ بصوتٍ قاطع: أنا هتجوز شهد
ارتفع صوت والده بانفعال: ازاي الكلام ده! بعد اللي اتقال عليها؟! يا بني الناس مش هتسيبها في حالها واللي حصل ده كفاية يلطخ سمعتها طول العمر
ضرب جلال بكفه على الطاولة، وارتجّ اركان المنزل حينما تحدث غاضبًا: مالهاش ذنب! هي معملتش حاجة تتحاسب عليها… ودي هتبقى مراتي للي يرفع عينه فيها بنظرة ماتعجبيش هخزقهالو
هدأ الأب قليلًا أمام حدّة ابنه، لكن الأم لم تستسلم، تمتمت بحزنٍ وقلق: يعني عايز تضيع نفسك… بترفض هدى اللي من لحمك ودمك عشان البت دي؟
أجاب جلال بنبرةٍ حاسمة: هدى مابشوفهاش غير اختي الصغيرة يا امي، والحوار ده شيلوه من دماغكو، هروح افاتح ام شهد في الحكاية، عشان احدد معاهم معاد نروح لهم واتقدملها مش طالب منكو غير انكو تباركو جوازة ابنكو الوحيد
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
فى اليوم التالي
أشرقت الشمس فوق الحي الشعبي، لكن بيت سندس كان يعجّ بضوضاء غير مألوفة، أبواب الدواليب تُصفَق، والكراتين تتراكم واحدة فوق الأخرى، وروائح الغبار الممزوجة بعطر قديم يملأ المكان،
على العتبة الشقة، وقف جلال للحظة يلتقط أنفاسه، يحدّق في المشهد أمامه بعينين متسعتين، كأنّ الأرض انسحبت من تحت قدميه.
كان في صدره ثقل غريب، خليط من القلق والرجاء، فما وجده بعثر ترتيب قلبه، كل شيء يشير إلى الرحيل.
خطا بخطوات ثابتة إلى الداخل، رغم أنفاسه المتسارعة، وفي عينيه لمعان صلب يخفي وراءه ارتباكًا دفينًا.
رفعت سندس رأسها نحوه، وقد غطى العرق جبينها من شدة الانشغال، وصوتها جاء مترددًا:
إزيك يا جلال يا بني…؟
اقترب منها قليلًا، ملامحه حادة لكن عينيه تنطقان بالقلق، ثم قال بنبرة منخفضة، كأنها مشوبة بغضب مكتوم: هو إيه اللي بيحصل هنا يا ست الكل؟… إيه الكراتين دي كلها علي فين العزم؟
ارتبكت سندس، تبادلت نظرة سريعة مع ابنتها شهد التي كانت تقف بجوارها تحمل غطاءً قديمًا، عيناها واسعتان تلمعان بالدمع، وشفتيها ترتجفان كأنها تحاول أن تنطق ولا تستطيع.
رفعت سندس يدها تمسح العرق عن جبينها قبل أن تقول بهدوء: خشي يا شهد اعملي شاي للمعلم، اتفضل استريح يا بني…
جلست سندس امامه مسترسلة بغصة، بعدما تأكدت من مغادرة شهد إلى المطبخ: احنا هنسيب البيت يا بني، الظروف ما بقتش سامحة نفضل في الحته بعد اللي حصل…
رفع حاجبيه بتعجب ممزوج بالغضب، وصوته الخشن انفلت ساخطًا: حتة ايه اللي عاوزين تسيبوها يا ست سندس!! مين قالك اني هسمحلكو تعملو كده؟
تنهدت سندس وكأن صدرها أثقل من الجبال، وردت وهي تجاهد كي لا تدمع عيناها: إحنا ماعادش ينفع نقعد هنا يا جلال… الناس مش سايبانا ف حالنا، وسمعة البنت بقت على كل لسان



