جمر الهيام بقلم نورهان محسن

❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
خرجت شهد من بوابة المدرسة بخطوات سريعة، حقيبتها المدرسية تتأرجح على كتفها، وهى تضحك مع صديقتها، والهواء يعبث بطرحتها البيضاء.
على الرصيف المقابل، كان يقف رجل ملامح وجهه شاحب وعيناه غائرتان، تجمدت شهد مكانها، قبل أن تهمس بتفاجؤ:.

خرجت شهد من بوابة المدرسة بخطوات سريعة، حقيبتها المدرسية تتأرجح على كتفها، وهى تضحك مع صديقتها، والهواء يعبث بطرحتها البيضاء.
على الرصيف المقابل، كان يقف رجل ملامح وجهه شاحب وعيناه غائرتان، تجمدت شهد مكانها، قبل أن تهمس بتفاجؤ: بابا؟
ركضت نحوه كطفلة فقدت أمانها منذ زمن، وألقت بنفسها بين ذراعيه، عانقته بصدق، بينما هو يربت على ظهرها ببطء، كأن الأمر لا يعنيه بذات القدر، لكنها لم تلحظ بروده، بينما عيناها تلمعان بالفرح، وصوتها يرتعش من الشوق: وحشتني اوي يا بابا… ايه المفاجأة الحلوة دي جيت امتي من البلد؟!
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت مجهد: انتي كمان وحشتيني يا شهد… انا مابقاليش كتير واصل، طمنيني عليكي صحتك كويسة
أمسكت بيده بحماس طفولي، وعيناها تلمعان كما لو أنها وجدت كنزها الضائع: ايوه الحمدلله، تعالي نتمشى شوية، نفسي أكلم معاك في حاجات كتيرة
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
جلسا معًا على مقهى مطل على النيل، كانت شهد تتحدث بلا توقف؛ عن دراستها، عن امتحاناتها، عن خالتها وضيّ وأخواتها الصغار، حتى عن أحلامها في المستقبل، كان قلبها أخف من الريشة، ولسانها لا يعرف التوقف.
أما خليل فكان يبتسم ويهز رأسه أحيانًا، لكن عيناه تراقبانها بصمت غامض، كل حركة صغيرة منها، كل التفاتة، كل ضحكة، كانت كافية لتثير داخله شيئًا مريبًا لم تفهمه ابنته المندفعة في براءتها.
بعد ساعتين من الحديث المتواصل، أخرجت شهد هاتفها، فوجدته بلا شحن، ابتسمت ببراءة، وقالت: ممكن تليفونك يا بابا؟ أكلم ماما أطمنها إني معاك نسيت خالص اتصل بيها وزمانها قلقانة اني مارجعتش لدلوقتي
تصلبت ملامحه للحظة، قبل أن يجيب سريعًا: تليفوني كمان فاصل… وبعدين احنا شوية ونمشي عشان ورايا مشاوير مهمة
ترددت شهد قليلًا، لكنها سرعان ما ابتسمت بعدم اكتراث مطمئنة: ماشي… بس أوعدني نكرر الخروجة دي تاني بعد الامتحانات
خليل بابتسامة: أكيد يا شهد… أكيد
❊❊❊
في السيارة
جلست شهد تغني لنفسها بصوت منخفض، وهى تنظر إلى خليل الذى كان يشترى مشروبًا من إحدى البائعة وحين صعد السيارة يمدّ إليها كوبًا بلاستيكيًا: الحلبيسة اللي بتحبيها اشربيها قبل ماتبرد
تناولت الكوب بضحكة خفيفة:
والله كانت نفسي رايحالها بقالي كام يوم، ماقولتليش يا بابا جبت العربية الحلوة دي منين
خليل بهدوء: اخدتها من واحد صاحبي اعمل بيها مصلحة وارجعهاله
بعد قليل تثاقلت جفونها، وبدأت الرؤية تتماوج أمام عينيها، ارتجف قلبها في صدرها، وخرجت كلماتها متقطعة: بابا انا معرفش ليه حاسة بنعسان…؟
انطفأ صوتها تدريجيًا، وغرقت في عتمة ثقيلة، تاركة خلفها آخر ما تتذكره ابتسامة باردة على وجه والدها.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *