جمر الهيام بقلم نورهان محسن

بدت أمها وخالتها غارقتين في سعادة غامرة، وولدا خالتها الصغيران يركضان بين الطاولات، يلوحان لها ببالونات، ويهتفان باسم جلال بمرح طفولي، كانت تعلم كم يحبانه، وكم يفرحهما أن يصبح جزءًا رسميًا من حياتهما، ولم تشأ أن تُفسد تلك الفرحة على أحد، رغم أن قلبها كان يبكي في صمتٍ لا يسمعه أحد.
وحين انتهت الاحتفالات، وعاد الجميع إلى بيوتهم، وجدت نفسها أخيرًا وحيدة مع جلال في شقتهما الجديدة، الذى أغلق باب الغرفة وراءهما ببطء، ثم استدار إليها، عيناه تلتهمان ملامحها في صمت مهيب، فيه وله لا تخفى.
ارتجفت
ارتجف بدنها بقشعريرة حالما انحنى ليطبع على جبينها قبلةً تحمل كل الشوق المكتوم: الفستان الابيض عليكي، تمام البدر في ليلة اكتماله القمر
لم يمهلها ردًّا، بل مال نحوها وقبّلها قبلة وُلِه محمومة، تشبه العاصفة التي ظلت حبيسة سنوات طويلة، وشفتاه التصقتا بشفتيها في شغفٍ جعل أطرافها تنصهر، بينما يده تطبّق على خصرها ليشدها إليه كأنّه يخشى أن تتبخر من بين يديه.
شهقت شهد بتقطع، حينما ابتعد قليلاً عنها حتى يلتقط كلاهما أنفاسه، ليهمس جلال بصوت أجش: تحبي أساعدك…
وأشارت يده إلى سحاب فستانها، كأنّه يعرض عليها أن يحررها منه بنفسه، تسارعت أنفاسها خجلاً وارتباكًا، بينما قلبها يطرق صدرها بقوة، وارتجفت أصابعها وهي تمسك يده وتمنعها، ثم تمتمت برفض خجول: لا… شكرا… ممكن معلش تديني شوية وقت اغير فيهم هدومي
رفع ذقنها برفقٍ نحوه، لتلتقي عيناهما، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامةٌ مرحة: ايه الرقة والنعومة دي كلها! اومال راحت فين شهد ابو لسانين؟! ماشي يا ستي… هستنى زي ما انتي عايزه، بس ماتسيبنيش استني كتير وتطولي عليا…
تدفقت كلماته بصوتٍ مبحوح، يشعّ منه لهيب عطشٍ دفين، واحتياج متقد يفيض عن قدرته على الكتمان.
ابتعدت شهد بخطوةٍ للوراء، عيناها اللامعتان تتجنبان النظر إليه، فقطب حاجبيه بدهشة، وقال بحنو خبيث: بتبعدي اوي كده ليه؟ مكسوفة مني اوي كده!
أجابت بصوت مختنق ممزوج بكبرياءٍ مكسور: أنا عارفة يا جلال انت اتجوزتني ليه…ابتعدت شهد بخطوةٍ للوراء، عيناها اللامعتان تتجنبان النظر إليه، فقطب حاجبيه بدهشة، وقال بحنو خبيث: بتبعدي اوي كده ليه؟ مكسوفة مني اوي كده!
أجابت بصوت مختنق ممزوج بكبرياءٍ مكسور: أنا عارفة يا جلال انت اتجوزتني ليه… عشان تحميني من كلام الناس صح، عشان تنقذ سمعتي انا واهلي… كتر خيرك إنك وقفت جنبي.. وانا اوعدك اني هعاملك بما يرضي الله وعمري ما هزعلك ولا احرُمك من حقوقك كزوج بالعكس… أنا هعيش عمري شايلة معروفك ده في قلبي
تحولت نظراته كالسهام، وملامحه احتقنت من شدة الانفعال.
قبض على قبضتيه حتى ابيضّت أنامله، وكأنه يقاوم رغبة مجنونة في الانفجار، وصوت فى عقله يردد بقهر: بتقولي إيه؟! إزاي تظني إني خدت القرار ده بس عشان كلام الناس؟! إزاي مش حاسة إني بموت عليكي من سنين؟ إزاي مش شايفة غيرتي عليكي من النسمة اللي تلمس وشك؟! واني كنت مستعد اموت ولا انك تتمسي بأذي؟!
شعر برغبةٍ عارمة أن يهزّها أو حتى يضربها ليفرغها من ظنونها، لكنه ما إن نظر إلى عينيها الواسعتين المدمعتين، حتى خذله قلبه وتراجع الغضب إلى صدره كحريقٍ مكبوت.
أدار وجهه بعيدًا عنها، ونطق ببرود، كأنه يغمد خنجرًا في قلبه هو قبل أن يغرسه في قلبها: أنا عملت اللي شايفاه صح، وصدقيني… أنا مش فارق معايا غير إنك تبقي بخير
التقط جلال وسادته، واتجه إلى الصالون بخطواتٍ ثقيلة، وتركها واقفة في منتصف الغرفة وحدها، عيناها مشدوهتان من قسوته.
كبرياءها الجريح منعها من اللحاق به، جلست على حافة السرير، تضم ساقيها إلى صدرها، والدموع تسيل على وجنتيها في صمتٍ حارق، وفي داخلها صوت يصرخ بحرقة: يا جلال أنا بموت فيك… ليه مش حاسس بيا، ياريتك تاخد شوية من حبي ليك وتحبني بيهم
أما هو، فقد تمدد على الكنبة في العتمة، يحدق في السقف بلا نوم، قلبه مثقل بالألم، وحنجرته تختنق بكلماتٍ لو خرجت لأحرقت كل الفواصل بينهما، لكنه اختار الصمت، وادعى الجفاء، خشية أن ينهار أمامها ويبوح بكل ما في صدره.
وهكذا مضت الليلة الأولى بينهم مثقلةً بالدموع والصمت، وكلٌ منهما يتمنى أن يركض نحو الآخر، لكن بينهما جدار من الظنون والجرح والكبرياء.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
استفاقت شهد في صباحيتها على وقع طرقاتٍ متتالية على باب الشقة، صوتٌ بدا مألوفًا، يطرق بخفةٍ متلهفة، وكأنها تستطيع أن تسمع أنفاس أمها وخالتها من خلف الباب.
انتفضت من الفراش على عجل، غسلت وجهها بماء بارد لتخفي آثار سهر الليلة الماضية، ثم أسرعت إلى غرفة الصالون حيث يرقد جلال.
دخلت بخطوات مرتجفة، وقلبها يخفق بسرعة، واقتربت من الأريكة، ثم مالت عليه وهمست بصوتٍ متلهف: جلال… اصحى ماما وخالتي عالباب… ممكن تقوم تدخل جوه عشان اقدر افتحلهم
فتح جلال عينيه المثقلتين بالنوم، لكنه ما إن وقعت نظراته عليها حتى انقلب حاله تمامًا، كانت ترتدي قميص نوم حريري بلونٍ ناعم يلتصق جسدها الرشيق، ليكشف أكثر مما يستر، بينما شعرها المنسدل على كتفيها، وبشرتها بدت أصفى من أي وقت مضى، ممَ جعله يشعر وكأن قلبه يُوشك أن يخرج من بين ضلوعه.
نهض من مكانه فجأة، وسأل بصوت مبحوح من أثر النوم والاشتهاء: إيه اللي انتي لابساه ده يا شهد؟!
قبل أن تفهم قصده كان قد مد ذراعيه، وجذبها إليه بعنفٍ محموم، ليضمها لصدره بقوة، وخرج همسه مخنوقًا بالغيرة الملتهبة: عاوزة تفتحي الباب لامك وانتي بالمنظر ده كده؟! شايفة القرون خارمة راسي… خشي جوه البسي هدوم عدلة علي ما أفتحلهم… يلا قومي
ارتعشت شهد بين ذراعيه، وجهها صار أحمر كالجمر من شدة الخجل، فابتعدت بسرعة وهي تتعثر بخطواتها، وركضت إلى الغرفة الأخرى، بينما هو جلس لحظةً فوق حافة الاريكة، كفّه مشدود على ركبته، يحاول كبح نفسه، عيناه تلمعان بلهيبٍ مكبوت لم يخمد منذ البارحة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *