شغاله موظفه بقلم رومانى مكرم ٢

لمت منى هدومها في الأوضة ودخلت على الحاج عبد الحميد وهو قاعد بيشرب شاي العصاري في جنينة البيت. حطت الموبايل قدامه والدموع محبوسة في عينيها وقالت بصوت مرعوب: “الحقني يا عمي.. أحمد كتب لي إنه حجز تذكرة ونازل بعد تلات أيام، وبيقول إنه مش راجع الكويت تاني وهيصرف نظره عن السفر.. أنا خايفة يا عمي، قطع الرزق مش زين، وأنا كنت عايزة حقي وحق عيالي، مش عايزة أخرب على جوزي وشغله”.
الحاج عبد الحميد خد الموبايل، عدل نظارته وقرا الرسالة على مهله، وهز راسه وهو بينفخ دخان الشيشة براحة، وملامحه متهزتش واصل. بص لمنى وقال بصوت هادي يطمن الخايف: “اقعدي يا بنتي وهدي روعك.. أحمد مش نازل يقطع رزقه، أحمد نازل يلحق كرامته اللي حس إنها اتهانت قدام رجالة البلاد.. الراجل لما يلاقي مرته بقا ليها ضهر وجبل، وبيته هيتخرب، والشرط الجزائي هيمضي عليه إخواته، لازم ينزل يقف في وسط المعمعة.. ده مش قطع رزق، ده فواق من الغيبوبة اللي كان عايش فيها”.
منى سكتت بس قلبها كان دليها، وعارفة إن أحمد طبعه حامي، ولمّا بيحس إنه اِتلوى ذراعه بيميل للخراب.
مرت التلات أيام على عمارة عيلة أحمد وكأنها أيام عزا.. الحاجة فاطمة مكنتش بتخرج من شقتها، والبلد كلها بتتكلم عن مجلس الحق اللي عقده الهوارية، وإزاي إن منى اليتيمة المقطوعة طلع وراها كبار يهزوا الأرض. محمود وحسين أعمام العيال كانوا بيروحوا شغلهم ويرجعوا وشهوشهم في الأرض، ومستنيين وصول أحمد بفارغ الصبر عشان يشيل الليلة معاهم ويمضي على الأوراق الرسمية.
وفي اليوم الموعود.. الساعة كانت عشرة بالليل لما عربية تاكسي وقفت قدام عمارة العيلة، ونزل منها أحمد. كان باين عليه التعب والهم، وشه مخطف من قلة النوم، وشايل شنطة سفر واحدة صغيرة.. يعني فعلاً نازل على عماها ومن غير ترتيب.
أول ما دخل الشقة عند أمه، الحاجة فاطمة جريت عليه وخدته في حضنها وهي بتبكي: “نورت بلدك يا واد بطني.. شفت اللي مرتك عملته فينا؟ صغرتنا قدام البلاد وخليت الحاج عبد الحميد يكتب علينا شروط تكسر الضهر”.
أحمد فك إيد أمه براحة، وبص لها بنظرة غريبة، مفيهاش العطف القديم ولا الطاعة العمياء.. قال لها بصوت ناشف: “منى مكنتش هتعمل كده يا أمي لو كنت أنا ببعت لها قرشها وقايم ببيتي.. ومنى مكنتش هتروح للحاج عبد الحميد لو لقيت حد في البيت هنا يطبطب عليها ويقول لها إنتي بنتنا.. إحنا اللي صغرنا نفسنا لمّا استقوينا على ست يتيمة ملهاش حد”.


