كل شهر زهره الربيع 2

صمتت “مريم” لثوانٍ وهي تنظر من نافذة مكتبها الأنيق في حدائق الأهرام إلى أضواء المدينة، ثم قالت بنبرة هادئة وحاسمة:

– “تمام يا أستاذ عادل.. حدد المعاد في مكتبك بكرة الساعة 5.. خليه ييجي، عشان ننهي القصة دي للأبد.”

وفي اليوم التالي، في تمام الساعة الخامسة، كانت “مريم” تجلس في مكتب المحامي، ترتدي حلتها الرسمية السوداء وتتألق بصلابة وثقة غير مسبوقة.

دخل “شريف” المكتب.. لكنه لم يكن نفس الرجل الذي رمى علبة الساعة بغرور واستحقار قبل شهرين.

كان ذابلاً، نحيفاً، ترتسم على وجهه هالات سوداء، ويرتدي ملابس بسيطة تفتقر لأناقته السابقة.

جلس أمامهامطرِق الرأس، ثم رفع عينيه المليئتين بالندم والكسرة وقال بصوت خافت:

– “أنا مش جاي أحارب يا مريم.. ولا جاي أدافع عن نفسي. أنا جاي أقولك إني كنت أعمى، وعرفت قيمتك بعد ما خسرت كل حاجة.”

لم تتحرك في ملامح “مريم” أي شعرة، وظلت تنظر إليه بجمود.

أكمل “شريف” والدموع تتجمع في عينيه:

– “أنا تنازلت عن الشقة بالكامل ليكي عند المحامي النهاردة.. والعربية خلاص الشركة سحبتها. أمي عيانة طول الوقت وبتبكي وبتقولي تسامحيها، وتامر نزل يشتغل بنفسه وأدرك يعني إيه قرش.. أنا اتعلمت الدرس، بس بعد ما بيت يخرب وكرامتي تتكسر.”

ثم مد يده بظرف صغير وضعه على المكتب أمامها:

– “دي بقايا الساعة اللي رميتها في ليلة رأس السنة.. جمعت أجزائها الصلبة وحطيتها هنا، عشان تفتكري دايماً إنك كنتِ صح، وإني أنا اللي كنت خايب وعاطل الحقيقة.”

نظر إليها المحامي الأستاذ عادل منتظراً ردها، بينما كان “شريف” ينتظر منها ولو كلمة عطف أو إشارة أمل واحدة قبل أن يُسدل الستار النهائي على زواجهما.

نظر الجميع إلى “مريم” المنتصبة في جلستها كالرمح. أخذت نفساً عميقاً، ثم مدّت يدها بهدوء، وسحبت الظرف الصغير الذي يحوي أجزاء الساعة الحطام. لم تفتحه، بل وضعته جانباً بجوار حقيبتها.

شخصت أبصار “شريف” إليها، منتظراً كلمة رقّة أو لمحة سامح، لكن صوت “مريم” جاء رزيناً، ثابتاً، خالياً تماماً من أي انتقام أو شفقة:

– “الساعة دي يا شريف اتدشتت يوم ما كرامتي اتدشتت على السيراميك.. والتعليمات اللي أخدتها من الحياة في الليلة دي كانت أغلى من أي ساعة ماركة. أنا مش شمتانة فيك، ولا في أهلك.. لأن اللي وصلتوا له ده مش انتقام مني، ده حجمكم الطبيعي لما شلت من تحتيكو العكاز اللي كنت بسندكم بيه.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *