كل شهر زهره الربيع 2

نزلت “مريم” درج العمارة بثباتٍ لم تعهده في نفسها من قبل. كانت كل خطوة تبتعد بها عن الشقة تُشعرها بوزنٍ ثقيل يسقط عن كاهلها. وضعت حقيبتها في حقيبة سيارتها، وركبت خلف المقود، وأخذت نفساً عميقاً ممزوجاً برائحة الحرية والكرامة التي استردتها للتو.
لم تذهب إلى منزل أهلها لتبكي أو تشكو، بل توجهت مباشرة إلى مكتب محاميها الخاص في “المهندسين”.
في ذلك الوقت، كان الذهول ما زال يخيم على الشقة في “التجمع”.
جلس “شريف” على الأريكة والظرف الأبيض مفتوح في يده، وعيناه تتنقلان بين الأرقام المدونة في الخطاب الرسمي. أمه “نادية” كانت تطوف حوله كالفرخة المذعورة، تلطم خدودها بهدوء وهي تتساءل:
– “يعني إيه يا شريف؟ يعني هي تقدر تاخد الشقة؟ دي شقتك وإنت اللي كاتبت العقد باسمك!”
رد “شريف” بصوت مبحوح وهو يشعر بالحلقة تضيق حول عنقه:
– “الشقة باسمي يا أمي.. بس التحويلات البنكية للمقدم والأقساط كانت بتطلع من حسابها هي لحساب شركة التطوير العقاري مباشرة! المحامي كاتب إن دي مبالغ مدفوعة بنية الأمانة والقرض المسترد.. لو أثبتت ده في المحكمة، الشقة إما هتتباع في المزاد أو هيتحجز عليها!”
تدخل “تامر” بغضب وجشع لم ينطفئ بعد:
– “طب والـ 500 ألف بتوع مشروعي؟ إحنا نسيبها تعلّم علينا كده؟ روح وراها يا شريف، ارفع عليها قضايا.. طالما هي مرتك يبقى فلوسها فلوسك!”
صرخ فيه “شريف” بشرارة غضب كانت مخبوءة لسنوات:
– “خرس خالص يا تامر! مشروع إيه وفلوس إيه؟! البت قفلت الحسابات! البنك هيخصم قسط الشقة وقسط عربيتي كمان أسبوع.. أنا مرتبي كله على بعضه في الشركة 22 ألف جنيه! هسدد منين 25 ألف قسط شقة و14 ألف قسط عربية ومصاريف بيتك وأمك وأبوك وأكلك وشربك؟!”
نزلت الكلمات كالصاعقة على الأم وابنها الصغير. ولأول مرة منذ سنوات، أدرك الجميع الحجم الحقيقي لـ “شريف”.. الرجل الذي كان يتطاول على زوجته ويعايرها بالبطالة، بينما هو في الحقيقة يعيش في مستوى اجتماعي مضاعف ثلاثة أجهزة عن قدرته المالية الفعلية، فقط لأن زوجته كانت تغطي الفارق من عرقها وتعبها.
في مكتب المحامي، كانت “مريم” تضع الخطة القادمة ببرود مهندس ورجل أعمال:
– “استاذ عادل.. أنا مش عايزة أؤذيه، أنا عايزة آخد حقي وبس. القروض اللي ادتهاله يرجعها، الشقة يتعمل عليها حجز تحفظي فوراً عشان ما يفكرش يبيعها أو يرهنها. وأنا من النهاردة نقلت مقر إقامتي للعنوان الجديد في حدائق الأهرام.”



